×
×

كوثر بوبكار تكتب: التكنولوجيات الحديثة: بين تحرير النشر وانتشار الهراء 1/2

بعد مرور قرابة عقدین على بزوغ هذه التقنیات الجديدة، یجب الوقوف على واقع الحال، والاعتراف أن الآمال التي عقدت عليها، بدأت تتلاشى…
فعوض أن نلاحظ تقریب الفجوة بین النخب والباقي، أصبحنا نرى هوة جدیدة عمقت من حدتها، وأحدثت ما یشبه قطیعة فكریة مع المثقف النخبوي. قطيعة یؤكدها صعود صاروخي لنجوم التفاهة وقادة الهراء ومروجي الضحالة.

في ملف من جزءين، خصت كوثر بوبكار، واحدة من أبرز الباحثين في ميدان النانوتيكنولوجيا في العالم، “مرايانا” بمقال يقتفي حكاية التكنولوجيات الحديثة، في علاقتها بحالة التفاهة والرداءة التي أصبحت عنوان ألم، صار مرادف مختلف أبجديات مشهدنا الجريح… من السياسة إلى الثقافة، ومن المسرح إلى الصحافة.

 

كوثر بوبكار: مهندسة دولة في الاتصالات، من أبرز الباحثين في التطوير في مجال النانوتكنولوحيا

رافقت آمال كثيرة بزوغ التكنولوجیا الرقمیة الحدیثة، وتطلعات نحو تحریر الكلام وكسر الرقابة الفكریة، وخلق دینامیة سیاسیة ومجتمعیة جدیدة تقلص الهوة بین النخب الثقافیة والسیاسیة والاقتصادیة وبین باقي شرائح المجتمع.

ارتكز هذا على عنصرین أساسيين، أولهما دمقرطة الفكر والثقافة، والثاني دیمقراطیة الفكر والثقافة. قد یبدو للقاريء أن الأمر یتعلق بعنصر أو مفهوم واحد، لكنهما في الواقع متباینان.

المقصود بدمقرطة الفكر والثقافة، هو التواصل العمودي من النخبة نحو باقي المواطنین، ذلك أن الوسائل التكنولوجیة وفرت إمكانیات لتقریب الإنتاج الإبداعي الذي كان حكرًا على النخبة من المواطنین، بحيث أصبح من الممكن للقارئ العادي، الولوج السهل والمجاني لمحاضرات أكادیمیة المملكة أو كبریات الجامعات الدولیة، ومراكز البحوث والصالونات الفكریة المرموقة.

أما دیمقراطیة الفكر أو الثقافة، فالمقصود بها تواصل عمودي معاكس، ینطلق من باقي الشرائح المجتمعیة نحو النخب السیاسیة والثقافیة والاقتصادیة، فنجد على سبیل المثال هنا أغاني الراب، ومقالات وفیدیوهات المدونین، وكل الإبداعات التي سمحت الوسائل الرقمیة بإخراجها من الظل صوب الانتشار، أو اسماع أصوات جدیدة.

إننا هنا لا ننفي أن تبسیط العلوم والمفاهیم، وكسر البیروقراطیة الأكادیمیة أمر إیجابي، عندما یكون وسیلة تخلق الرغبة في المعرفة والفضول والتساؤل اللازمین لاكتسابها، لكنها تتحول للنقیض، حین تصبح غایتها تقدیم “معرفة جاهزة”، فهي بذلك تؤدي إلى ثلوث فكري، یسمم المجتمع ویرسخ الجهل المركب، خاصة في محیط یفتقد العقل النقدي التمییزي.

لكن، بعد مرور قرابة عقدین على بزوغ هذه التقنیات، یجب الوقوف على واقع الحال، والاعتراف أن هذه الآمال بدأت تتلاشى، فعوض أن نلاحظ تقریب الفجوة بین النخب والباقي، أصبحنا نرى هوة جدیدة عمقت من حدتها، وأحدثت ما یشبه قطیعة فكریة مع المثقف النخبوي. قطيعة یؤكدها صعود صاروخي لنجوم التفاهة وقادة الهراء ومروجي الضحالة.

تحلیل هذه الوضعیة معقد، یستلزم استحضار كل العوامل والمؤثرات التي یتداخل فیها الاجتماعي بالثقافي بالاقتصادي والسیاسي بالتكنولوجي بالنفسي، في ظل التحولات المتسارعة المحیطة بنا، وهو ما لا یمكن أن یحیط به مقال، لهذا سأتوقف فقط عند بعض الأسباب الأساسیة التي أسهمت في هذه النكسة، وقادت إلى وضع عنوانه الكبیر “سیادة الهراء”.

 – الاستسهال والتبسیط:

أفرز تنامي وتعمیم التكنولوجیا سیادة تصور جدید للمساواة، یقوم على تحولها من مساواة في البدایات، أي تكافؤ الفرص والحق في الوصول للمعلومة وأدوات المعرفة، إلى مساواة في النتائج والمآلات، دون مراعاة لطبیعة المنتوج ومستواه. فطغى الاستسهال الذي أدى إلى وفرة في إنتاج سمته الرداءة والضحالة المعرفیة، وتبسیط مواضیع مركبة ومعقدة حد السذاجة أثناء تناولها؛ دون الإحاطة بمفاهیمها ومصطلحاتها. حتى أصبحنا نرى عددا كبیرا ممن ینصبون أنفسهم خبراء في التاریخ، والسیاسة والفلسفة وغیرها من مجالات العلوم الإنسانیة، بإعتبارها علوما غیر دقیقة، لا تستلزم الدراسة المعمقة حسبهم، فیتطاولون علیها دون إلمام بها.

اقرأ أيضا: كوثر بوبكار، من أبرز الباحثين في ميدان النانوتيكنولوجيا في العالم: ساهمت في تصميم رقاقة استعملت في الرحلة الفضائية التي أطلقها مركز الفضاء الأوروبي نحو كوكب المشتري

وهناك من نصب نفسه صحفیا، دون أن یدرس المهنة یوما، أو حتى أن یكلف نفسه عناء تكوین ذاتي حقیقي، یمكنه من التعرف على أبجدیاتها وأدواتها، وضبط تقنیات التحري عن المصادر والتأكد من المعلومات، حتى أصبحت الصحافة تساوي عند البعض، نشر الفضائح واللهث وراء أسرار الحیاة الخاصة.

ولم تسلم الفنون والآداب من انتشار الهراء، حیث اكتسحها من لا موهبة ولا تكوین لهم، فأصبح المسرح عند البعض یعني القفز فوق الخشبة، والكومیدیا تعویق الفم، والموسیقى إصدارا لأصوات ورنات دون تناسق أو تناغم، والآداب إصدارات ملیئة بحشو لغوي مطرز بإیحاءات جنسیة، ونط في الأفكار دون رابط ولا نسق.

قاد هذا الوضع النخبة المثقفة، الضابطة للمفاهیم والعلوم، وربما الممتلكة لمشاریع رؤیة مجتمعیة، إلى الانغلاق على ذاتها أكثر، محاولة الحفاظ على ما تعتبره ذوقا راقیا، ما أدى بالتالي إلى إغراقها في النخبویة، حتى أصبحنا نجد كتابا یكتبون للنقاد فقط، ومفكرين یكتبون للمفكرین والأكادیمیین، وموسيقيين یعزفون فقط في دوائر نخبویة منغلقة.

وبالتالي، فإن ما أرید به تقریب المسافات أدى إلى ابعادها، حتى أصبح الذوق والفكر یمرر بالانتقائیة.

إننا هنا لا ننفي أن تبسیط العلوم والمفاهیم، وكسر البیروقراطیة الأكادیمیة أمر إیجابي، عندما یكون وسیلة تخلق الرغبة في المعرفة والفضول والتساؤل اللازمین لاكتسابها، لكنها تتحول للنقیض، حین تصبح غایتها تقدیم “معرفة جاهزة”، فهي بذلك تؤدي إلى ثلوث فكري، یسمم المجتمع ویرسخ الجهل المركب، خاصة في محیط یفتقد العقل النقدي التمییزي.

–  ربط الإنتاج الفكري بالدخل المالي:

سمحت الوسائل الرقمیة الجدیدة بربط المحتوى الذي ینشر علیها، بدخل مادي یتناسب وعدد المستهلكین لهذا المحتوى، وهو ما أدى بشكل تلقائي عند البعض إلى اختزال المحتوى في وسیلة انتاج للمال.

وسائل التواصل الاجتماعي صممت من أجل تحقیق أهداف تجاریة، تتعارض وبناء كتلة مجتمعیة موحدة، بل إنها تساهم في تشتت المجتمع، وتزید من تمزیقه واغترابه، لأنها تفتح مجالا لإنشاء تبریرات ذاتیة للأنا، ولأحقیته، وأسبقیته على نحن؛ وهي بذلك تجزئ المجتمع لأنها تركز أكثر على تناقضاته واختلاف تركیباته وتنوعها عما قد یوحده.

لكن، غالبا ما تتعارض المردودیة المالیة مع محتوى جید یهدف إلى الإمتاع والمساهمة في رفع مستوى الذكاء العام، وهنا أحیل الى الكتاب الشهیر “hooked”، الذي أسس لأسالیب التسویق الرقمي، التي من أهمها خلق نوع من الإدمان عند المستهلك، ما یستلزم بالضرورة إثارة انتباهه، بطریقة تخفض من عقله النقدي، وتؤثر أكثر على عواطفه.

التعرض لهذا الأمر بتكرار، یقود المتلقي مع الوقت، إلى خلق نوع من القطبیة في التعاطي مع كل المواضیع والأشیاء، حیث تصبح ثنائیة معي/ضدي، أنا خیر/ المختلف شریر، هي السائدة والمؤطرة لوعي ولاوعي المستهلك/المنتوج.

وهذا یفسر أننا لم نعد نرى فیما ینتج من محتوى رقمي، جدال أفكار بقدر ما نرى أشخاصا یتبارزون على حلبات الملاكمة في صراعات أنا مضخمة، تحت یافطة الإنتاج الفكري. وكلما كان استغلال العاطفة أكثر، واعتماد كلمات متطرفة صادمة، كلما كانت المردودیة المادیة أكثر.

اقرأ أيضا: كوثر بوبكار، من أبرز الباحثين في ميدان النانوتيكنولوجيا في العالم: المغرب لا يخلو من الكفاءات، ولكنها محبطة لبطء وثيرة التغيير

استغلال معاناة وسذاجة المواطنین، واختراق حیاتهم الشخصیة والركوب علیها لخلق الضجة (البوز) بدعوى تقدیم ید المساعدة لهم، هو نتیجة أخرى للجري نحو المكسب المادي، وبالتالي، ساهم هذا في ابتعاد النخبة المثقفة، التي تحاول الحفاظ على سمعتها الفكریة وقیمتها الأدبیة، عن مستنقع التسویق هذا باسم الفكر والثقافة، فتضاءل المحتوى الرقمي الجاد في ظل هیمنة الهراء والضحالة.

–  طبیعة وسائل التواصل:

إذا نظرنا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فسنجد تركیبتها تحاكي تركیبة المجتمع؛ فهي لا تعكس أي تشكل أفقي، بل تمثل عمودیة المجتمع في شكل قد یبدو أشد وطأة؛ إذ نجد النخب الافتراضیة، التي تقاس قیمتها بعدد متابعیها في إقحام للمعطى العددي، كأداة إعطاء أحقیة لأشخاص للحدیث باسم الشعب دون شرعیة انتخابیة. وتقاس أحیانا أخرى قیمة هذه النخب الافتراضیة، بالقدرة على التأثیر في المتابعین، وهي نظرة تغیب تعقید الحیاة العصریة، وتختزل المتابعین كقطیع لا یستمد قراراته إلا ممن یتابعهم، في تغییب لعقولهم وللمؤثرات الاجتماعیة والثقافیة المحیطة بهم، وبالتالي تجعلهم مجرد مفعول بهم.

إن شبكات التواصل الرقمیة، تغیب البعد الجماعي لصالح الفردانیة، ففیسبوك على سبیل المثال لا الحصر، یُستعمل لإرضاء الاعتزاز بالنفس، وممارسة النرجسیة عبر الشاشة، من خلال خلق شخصیات افتراضیة تستعرض ممارساتها في حیاتها الاجتماعیة والیومیة بمختلف أشكالها، والهدف الوحید، هو الحصول على المباركة الدائمة والفوریة من الآخرین، عن طریق نقرات الإعجاب، وممارسة التقلید في تواصل محركه إدمان، یولده التطبیق عبر إفراز هرمون الدوبامین.

إن ما یجب الوعي به في هذا الصدد، أن وسائل التواصل الاجتماعي صممت من أجل تحقیق أهداف تجاریة، تتعارض وبناء كتلة مجتمعیة موحدة، بل إنها تساهم في تشتت المجتمع، وتزید من تمزیقه واغترابه، لأنها تفتح مجالا لإنشاء تبریرات ذاتیة للأنا، ولأحقیته، وأسبقیته على نحن، وهي بذلك تجزئ المجتمع لأنها تركز أكثر على تناقضاته واختلاف تركیباته وتنوعها عما قد یوحده.

وبالتالي، فإن طبیعة وسائل التواصل الاجتماعي، المتسمة بتركیزها على الفردانیة والتكتلات مع المتشابه، واستبعاد المختلف، تزید من عمق الهوة بین النخب وباقي الشرائح المجتمعیة، وتعمق أزمة الوعي.

–  تأثیر وسائل التواصل على سلوكنا:

تحثنا وسائل التواصل الاجتماعي على التغییر المستمر للمحتوى المعروض، بإرسالها لمقاطع إشهاریة مستمرة، قد تترافق بقطع المحتوى الذي نستهلكه، أو تكون على هامشه، مما ینقص من قدراتنا على التركیز، وتفضیلنا للمحتویات القصیرة كتابة كانت أم سمعیة مرئیة، فنجد مثلًا تویتر یحدد المحتوى في عدد من الحروف لا یمكن تجاوزه.

یسمح هذا بانتشار أفكار مركزة بعیدا عن تحلیلها، وإن كان هذا الأمر محبذا في نقل الأخبار، فهو لیس كافیًا لمن یرید طرح فكرة محدِّدا المسلمات والمفاهیم والمنهجیة المتبناة للوصول الیها.

لقراءة الجزء الثاني: كوثر بوبكار تكتب: التكنولوجيات الحديثة: زمن “أهل الكهف”… عن الضحالة والاستسهال 2/2

تعليقات

  1. zaazaaammar2020@gmail.com

    اشكرك شكرا جزيلا على هذه المعلومات القيمة وأتمنى لك التوفيق في هذا العمل التكنولوجي ثانميرث تامقرانت اولتما كوثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *