×
×

فرنسا على صفيح ساخن… جدل قانون الأمن الشامل وتواتر التجاوزات الأمنية

نعود في هذا المقال لكرونولوجية تطور هذه الأحداث في فرنسا، ونستعرض شهادات لفرنسيين ومهاجرين اقتسموا مع ”مرايانا” رؤيتهم للأزمة الحالية في الجمهورية.

لا تكاد فرنسا تخرج من جدل حتى تدخل في آخر. هكذا بدا حال الجمهورية في الأسابيع الأخيرة، فبعد النقاش المجتمعي الساخن عقب الأحداث الإرهابية التي عصفت بالعديد من المدن (باريس، نيس…)، يعيش البلد على وقع تواتُر ما وُصف بالاعتداءات الأمنية، وجدل المادة 24 من قانون ”الأمن الشامل”.

ما أثار حفيظة كثير من الفرنسيين وغيرهم من الحقوقيين عبر العالم، في هذا القانون، هو بالأساس المادة الرابعة والعشرون منه.

المادة 24 تنص على ”منع تصوير ونشر صور وعلامات الشرطة والدرك أثناء تأدية مهامهم في الأماكن العامة لتجنيب تعريضهم للخطر الجسدي والنفسي”، وهو ما اعتَبره الفرنسيون مساً بحرية الصحافة وحق نشر المعلومة، وتمهيدا لتزايد تجاوزات “الاستعمال المشروع” للعنف.

السلطة تنافق عندما تثمن أهمية حرية التعبير بعد الأحداث الإرهابية، واليوم تعمل على تحجيم حق الولوج للمعلومة

أمام الرفض ”الشعبي” للمادة وتصاعد الاحتجاجات ضدها، تتجه الأغلبية الحكومية لتعديلها، مما يعيد للأذهان تراجع السلطة التنفيذية عن قراراتها، بعد اندلاع احتجاجات السترات الصفراء.

نعود في هذا المقال لكرونولوجية تطور هذه الأحداث في فرنسا، ونستعرض شهادات لفرنسيين ومهاجرين اقتسموا مع ”مرايانا” رؤيتهم للأزمة الحالية في الجمهورية.

فيديوهات فضحت عنف الأمن..

بدأت الإرهاصات الأولى لمسلسل ما وجده بعض الفرنسيين ”تجاوزات أمنية”، فجر السابع عشر من نونبر 2020، حيث عمدت الشرطة الفرنسية لتفكيك مخيم للمهاجرين في ”سان دوني” (الضاحية الشمالية لباريس)، يتكدس فيه حوالي ثلاثة ألف شخص.

اقرأ أيضا: يوم مع السترات الصفراء: هل نحن أمام ثورة فرنسية جديدة؟ 2\3

في 23 من نونبر من نفس السنة، تم اللجوء للعنف لتفريق مخيم للمهاجرين في ساحة الجمهورية في باريس، حيث وثّقت العديد من الفيديوهات التجاوزات الأمنية التي صاحبتها، من خلال اللجوء للغاز المسيل للدموع والركل لفض الخيام وتفريق المهاجرين، وطرد بعض المتعاطفين معهم من نواب برلمانيين وفعاليات المجتمع المدني، مثل جمعية ”يوتوبيا 56”.

صورة من الاعتدا على ميشيل زيكلر

في 26 من نونبر، نُشر فيديو يفضح اعتداء أربعة رجال شرطة فرنسيين، على ميشيل زيكلر، منتج موسيقي، أسود البشرة. مما دفع المدعي العام في باريس، ريمي هيتس، إلى إحالة عناصر الشرطة إلى المحاكمة القضائية.

أكثر من ذلك، أياما قليلة قبل تزايد النقاش حول قانونية التدخلات الأمنية، نشرت صحيفة ”ميديا بارت” في الثاني عشر من نونبر، تسجيلات سرية، نجح في التقاطها صحفي متسلل يدعى فالنتن غيندرو، لدوريات المراقبة الأمنية، تفضح العنف غير المبرر لبعض عناصر الأمن في الدائرة  التاسعة عشر بباريس.

تبقى الأقليات والمهاجرون الفئات الأكثر خشية من تزايد عنف الشرطة، والذي يرجع أحيانا لأسباب عنصرية.

عبد اللطيف، رسام مغربي فرنسي، مستقر منذ أكثر من عشرين سنة في فرنسا، يرى أن الاعتداءات الأمنية هي حالات معزولة، لكن تكرارها هو ما يطرح مشكلا.

اقرأ أيضا: من فرنسا، وسام الناصر يكتب: Paroles paroles… أزمة ثقة تعصف بالمجتمع الفرنسي

يضيف عبد اللطيف، في تصريح لـ”مرايانا”: ”إذا أثير النقاش حول هذه التجاوزات الأمنية، فلأنه تم تصويرها، وهذا ما يخشاه الأمن، لأنه هذا الأمر يفضح ما يحاولون التستر عنه. نحن في بلد الحرية، لذلك يسمح حتى بنشر الكاريكاتورات بمختلف حمولاتها. لكن في المقابل، يريدون مصادرة حقنا في التعبير والتنديد. الحكومة عموما تريد أن تستغل فترة الحجر من أجل تمرير قانون الأمن الشامل”.

قانون ”الأمن الشامل”… قلق الفرنسيين من تغول الشرطة

النقاش في فرنسا حول قانون الأمن الشامل وعنف الأمن صارا متحايثان، حيث يذهب بعض الفرنسيين إلى أن المادة 24 من هذا القانون، تشكل ذريعة للمزيد من تغول عناصر الأمن والتغاضي عن تجاوزاتهم.

“المادة 24 هي هدية من السلطة التنفيذية والوزير دارمانان لمتطرفي نقابات الأمن. ولو أن الوزير من المفترض أن يدافع على الأمن العام وليس الشرطة

إميلي، طالبة فرنسية، باحثة في التواصل الرقمي، ترى أن لون بشرتها الأبيض قد يحميها من العنف الممنهج، لكنها لا تنفي أن بعض عناصر الأمن يتصرفون بعنصرية و”ميزوجينية”، وهذا ما تأكد لها بعد رؤية الاعتداء على ميشيل زيكلر.

وتضيف إميلي في تصريح لـ”مريانا”: ”لا يمكن أن أجزم أن هناك عنفا ممنهجا من الشرطة، لكن هناك تطبيع مع الافتراء لاعتقال الأشخاص.

بسبب كل ما حدث، نتناسى إقرار وجود رجال شرطة نزهاء، وهذا يمنعنا من التمتع برؤية شاملة.

قانون الأمن الشامل سيعيق حرية التعبير، لأن الصحفيين كانوا دائما سلطة مضادة. الوضع الحالي يبرر قلقنا في حال تمت المصادقة على القانون… حتى التصويت كان عبثيا: غياب نصف المنتخبين خلال التصويت يظهر غياب الجدية لدى الطبقة السياسية التي لم تتعبأ من أجل قانون بالغ الأهمية كهذا”.

كشفت احتجاجات السترات الصفراء قبل سنتين حنق الفرنسيين من التوجهات النيبوليرالية للحكومة الفرنسية، مما ترجم إحباط بعضهم من ”ليبرتارية” حزب ”الجمهورية إلى الأمام”، الذي خالف كما يرى الكثيرون وعوده الانتخابية بالخروج عن القطبية الثنائية لليمين واليسار.

اقرأ أيضا: من نيويورك. هشام الرميلي يكتب: أمريكا… لا تستطيع أن تتنفس!

في هذا الصدد، تستطرد إميلي: ”أزمة الثقة بين الفرنسيين والسلطة بدأت مع هولاند. قبل ذلك، رغم الاختلافات في الآراء السياسية، كان الكل يلتحم وراء الرئيس من أجل الوحدة الفرنسية كما حصل مع شيراك وجيسكار ديستان وحتى بومبيدو. الأزمة بدأت مع ساركوزي: أزمات احتجاجات السترات الصفراء، وتصاعد اليمين المتطرف، وسوء تدبير أزمة كورونا، ليسوا سوى تجليات لأزمة قديمة متأصلة”.

توماس كولان، طبيب فرنسي، ورغم تأكيده على عدم تعرضه عادة لأي عنف من الشرطة بفعل اشتغاله في القطاع الصحي، إلا أنه يعلق بمرارة على الأحداث الأخيرة في فرنسا: ”لا يتعلق الأمر بحالات معزولة، إنه عنف ممنهج، تعود أصوله للشرطة الكولونيالية، والممارسات التمييزية في الأحياء الشعبية”.

ويؤكد توماس، في تصريح لـ “مرايانا”: “المادة 24 هي هدية من السلطة التنفيذية والوزير دارمانان لمتطرفي نقابات الأمن. ولو أن الوزير من المفترض أن يدافع على الأمن العام وليس الشرطة. السلطة تنافق عندما تثمن أهمية حرية التعبير بعد الأحداث الإرهابية، واليوم تعمل على تحجيم حق الولوج للمعلومة”.

كل المؤشرات إذن توحي بتعديل وشيك للمادة 24 من قانون الأمن الشامل، كما وعدت الحكومة، وذلك بعد الاحتجاجات الحاشدة في العديد من المدن الفرنسية ضده، كما أن تفاعل ماكرون مع المواضيع الجدلية في المجتمع الفرنسي، وتدبيره لجائحة كورونا، قد يقلصان حظوظه في ولاية ثانية… حتى ولو اعتبر البعض الوقت مبكرا للحديث عن ذلك.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *