×
×

في مفهوم “الطاغية”: هذه 6 أشكال من الحكم تجثم على صدور الشعوب وتكرهها! 5/2

يشكو البستاني من أن الناس يمكن أن تتقبل “الطغيان” بغير شكوى أو تذمر… هذه الصفة، بالمناسبة، يلصقها أرسطو بالشرقيين، إذ يرى أنهم يحملون طبيعة “العبيد”، ولهذا لا يتذمرون من حكم الطاغية.

تابعنا في الجزء الأول كيف أن الحياة الإنسانية بحاجة إلى تنظيم حتى تكون ذات معنى. هذا التنظيم بدوره، يحتاج إلى سلطة منظِّمة، إذ لا يمكن تصور مجتمع سياسي دون سلطة حاكمة تنظمه وتسن القواعد التي يسري عليها.

غير أن التاريخ يخبرنا بأن الأمور لم تمض بسلاسة كما ينبغي، فغالبا ما كان الحكام طغاة، ودائما ما كافحت الشعوب لتنتزع منهم حقوقها.

في هذا الجزء الثاني، نواصل قراءتنا لكتاب المفكر المصري إمام عبد الفتاح إمام، “الطاغية… دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي”، ونعرض من بين طياته، 6 أشكال من الحكم، وسائلُها مختلفة، لكن غاياتها واحدة!

الطغيان

يعد الطغيان أقدم النظم السياسية عند اليونان وفي الشرق.

أول من استخدم كلمة “طاغية” (Tyrannos) كان الشاعر اليوناني أرخيلوسوس، عندما أطلقها على الملك جيجز، ملك ليديا (14-15 ق.م)، الذي أطاح بملكها السابق مستوليا على العرش… غير أنه لم يكن واضحا تماما ما يقصده بهذه المفردة.

الاستبداد خرج من النطاق الأسري إلى عالم السياسة، لكي يطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق، الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه مثل سلطة الأب على أبنائه.

يشير المؤرخ اللبناني بطرس البستاني، في موسوعته “دائرة المعارف”، إلى أن “طاغية” مصطلح سياسي يطلق على الحاكم المتعسف، رغم أنه لغويا قد يطلق على الأفراد أيضا.

البستاني يشكو من أن الناس يمكن أن تتقبل “الطغيان” بغير شكوى أو تذمر… هذه الصفة، بالمناسبة، يلصقها أرسطو بالشرقيين، إذ يرى أنهم يحملون طبيعة “العبيد”، ولهذا لا يتذمرون من حكم الطاغية.

اقرأ أيضا: حين ترى العدو في كل مكان: المؤامرة… النظرية الأعجوبة!

مع نمو الديمقراطية في اليونان، صار بغيضا الحكم الذي ينفرد به رجل واحد، ومن ثم ازدادت الكراهية للطغيان، بل أصبح قتل الطاغية (Tyrannicide) واجبا وطنيا.

إجمالا، يمكن أن نستخلص من تاريخ “الطغاة الإغريق”، عددا من السمات، من بينها:

  • يصل الطاغية إلى الحكم على نحو غير شرعي، ولو أن الأمور سارت طبيعيا، لَما حكم؛
  • لا يعترف بقانون أو دستور في البلاد؛ إرادته هي القانون الذي يحكم، وما يقوله أمر واجب التنفيذ، وما على المواطنين سوى السمع والطاعة؛
  • يُسخّر كل موارد البلاد لإشباع رغباته أو ملذاته أو متعه، التي تكون في الغالب الأعم، حسية؛
  • على مر العصور، ينفرد الطاغية بخاصية أساسية، هي أنه لا يخضع للمساءلة ولا للمحاسبة، ولا للرقابة من أي نوع.

الاستبداد

المستبد مفردة مشتقة من despotes اليونانية، التي تعني رب الأسرة أو سيد المنزل أو السيد على عبيده.

لكن الاستبداد خرج من النطاق الأسري إلى عالم السياسة، لكي يطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق، الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه مثل سلطة الأب على أبنائه.

الشمولية شكل من أشكال التنظيم السياسي يقوم على إذابة جميع الأفراد والمؤسسات والجماعات في الكل الاجتماعي عن طريق العنف والإرهاب.

إذا حكم الحاكم بصفته أبا للجميع، فهذا يعني أنه يحكم باستبداد، لأنه لا تجوز معارضة الأب أخلاقيا… هذا التصور الأخلاقي، إذ ينتقل إلى المجال السياسي، يتحول إلى كبت للمعارضة أيا كان نوعها.

الحاكم المستبد يبرر حكمه بأبوته للمواطنين ويعاملهم كما يعامل الأب أطفاله؛ أي أنهم قاصرون، غير بالغين ولا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم، ومن ثم كان من حقه توجيههم، بل وأن ينزل العقاب بهم إذا انحرفوا… ذلك أنهم لا يعرفون مصلحتهم الحقيقية.

اقرأ أيضا: عبد الصمد البلغيثي: دور العنف في تشكـل الإسلام التـاريخي

إلا أن الخلط هنا واضح، فسلطة الأب ليست سلطة سياسية، إنما هي أخلاقية بالدرجة الأولى، كما يقول الفيلسوف الإنجليزي جون لوك.

مصطلح الاستبداد ظهر في قاموس الفكر السياسي خلال النصف الثاني من القرن الـ18م، عندما جعله الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو، أحد الأشكال الثلاثة الأساسية للحكم، بجانب الحكومتين الجمهورية والملكية.

الدكتاتورية

ظهر مصطلح دكتاتور أول مرة في عصر الجمهورية الرومانية، كمنصب لحاكم يُشغل بالترشيح، وبتزكية من مجلس الشيوخ.

هذا الحاكم يتمتع بسلطات استثنائية، وتخضع له الدولة والقوات المسلحة بكاملها في أوقات الأزمات المدنية والعسكرية… على أن ذلك يظل لفترة محدودة، لا تزيد عادة عن ستة أشهر أو سنة.

تروم فكرة “المستبد العادل” أن يختار الناس من بينهم من اعتقدوه أكثر عدالة لحكمهم، وأفضل من يخدمهم كأب.

طبيعة نظام دولة المدينة في روما، كانت تقضي مثل هذه التدابير الاستثنائية، لمواجهة الطوارئ المفاجئة كالغزوات والكوارث والمؤامرات…

بيد أن “دكتاتور”، في الاستخدام الحديث، تعني النظام الحكومي الذي يتولى فيه شخص واحد جميع السلطات، وفي الغالب الأعم… بطريقة غير مشروعة.

اقرأ أيضا: كوثر بوبكار تكتب: باسم الشعب… أي شعب؟

هذا المصطلح اليوم، لا يكاد يتميز عن مصطلح الاستبداد.

الشمولية

أو مذهب السلطة الجامعة، وهو شكل من أشكال التنظيم السياسي، يقوم على إذابة جميع الأفراد والمؤسسات والجماعات في الكل الاجتماعي، عن طريق العنف والإرهاب.

هذا الكل يمثله قائد واحد يجمع في يديه كل السلطات؛ وغالبا ما يكون شخصية كاريزمية له قوة سحرية على جذب الجماهير، ولهذا يلقبونه بـ”الزعيم”، ويطيعونه طاعة مطلقة.

الأمثلة عليه كثيرة في الواقع: إيطاليا في عهد موسوليني؛ ألمانيا في عهد هتلر؛ إسبانيا في عهد فرانكو…

مع نمو الديمقراطية في اليونان، صار بغيضا الحكم الذي ينفرد به رجل واحد، ومن ثم ازدادت الكراهية للطغيان، بل أصبح قتل الطاغية (Tyrannicide) واجبا وطنيا.

بالمناسبة، موسوليني عَبّر جيدا عن هذا المذهب في خطاب ألقاه في 28 أكتوبر 1925، حينما قال: “الكل في الدولة، ولا قيمة لشيء إنساني أو روحي خارج الدولة، فالفاشية شمولية، والدولة الفاشية تشمل جميع القيم وتوحدها، وهي التي تؤول هذه القيم وتفسرها؛ إنها تعيد صياغة حياة الشعب كلها”.

الأوتوقراطية

تعني الحاكم الفرد الذي يجمع في يده السلطة ويمارسها على نحو تعسفي.

اقرأ أيضا: أبو العباس “السفاح” ونبش قبور بني أمية… حكاية “إعدام” الموتى!

يمكن أن نصف حكم الطغيان بأنه أوتوقراطي، كما أننا نجد تطبيقا لنزعة الحكم هذه في المعتقدات القديمة المتعلقة بالطبيعة الإلهية للحاكم، أو لحق الملوك الإلهي.

المستبد العادل!

ظهر هذا المصطلح “الغريب” في الفكر السياسي الأوروبي خلال القرن الـ19م.

عموما، يفترض أن تلتقي في هذا المصطلح، مفاهيم المَلكية المطلقة، التي كانت معروفة في أوروبا، ومفاهيم عصر التنوير، الذي يعبر عنه فلسفيا بخمس كلمات: الفرد، العقل، الطبيعة، التقدم، والسعادة.

“دكتاتور”، في الاستخدام الحديث، تعني النظام الحكومي الذي يتولى فيه شخص واحد جميع السلطات، وفي الغالب الأعم… بطريقة غير مشروعة.

ويبدو أن عدوى “المستبد العادل” قد انتقلت من أوروبا إلى الشرق، فالحل الذي ارتآه مثلا جمال الدين الأفغاني لمشكلات الشرق… هو المستبد العادل الذي يحكم بالشورى.

بعبارة أخرى؛ تروم فكرة الحكم هذه، أن يختار الناس من بينهم من اعتقدوه أكثر عدالة لحكمهم، وأفضل من يخدمهم كأب.

لكن يبدو القول بأن هناك مستبد عادل أو دكتاتور خيّر أو غيره غريبا… وإلا، كيف يمكن وصف المستبد بالعادل؟

في الجزء الثالث نتطرق إلى ما يفعله الطغاة عادة للحفاظ على حكمهم.

لقراءة الجزء الأول: في مفهوم الطاغية: هل السلطة السياسية ضرورية في الحياة الإنسانية؟ 5/1

لقراءة الجزء الثالث: في مفهوم “الطاغية”: هكذا يحتفظ الطغاة بعروشهم… 5/3

لقراءة الجزء الرابع: في مفهوم “الطاغية”: ارتداء عباءة الدين… الحاكم “الإله” والحكم الثيوقراطي 5/4

لقراءة الجزء الخامس: في مفهوم “الطاغية”: من سلطان الله في أرضه إلى “الرئيس المُخلّص”! 5/5

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *