×
×

الطلبة المغاربة في فرنسا.. هاجس عدم العودة للوطن وتزايد العنصرية (2/2)

بعدما تتبعنا في الجزء الأول شهادات تختزل معاناة بعض الطلبة المغاربة خلال الحجر الصحي، نرصد في هذا الجزء الثاني ردة فعلهم على إجراءات السفر الجديدة من وإلى المغرب، وتنامي العنصرية في فرنسا بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة.

بعدما تتبعنا في الجزء الأول شهادات تختزل معاناة بعض الطلبة المغاربة خلال الحجر الصحي، نرصد في هذا الجزء الثاني ردة فعلهم على إجراءات السفر الجديدة من وإلى المغرب، وتنامي العنصرية في فرنسا بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة.

مأساة يومية وصعوبة العودة للوطن…

الوطن مثل الأم، عندما نبتعد عنه، نكتشف شيئا من قسوة العالم. لذلك، تجبرنا الحياة على المكابدة والكفاح من أجل العيش بكرامة.

عندما يغادر الطلبة المغاربة بلدهم، يكتشفون باندهاش غلاء المعيشة في أوربا، مقارنة مع وطنهم ومواردهم. يضطر أغلبهم لكراء غرفة بمساحة صغيرة. لكن هذه الإكراهات لا تمنع فئة عريضة منهم من الاجتهاد في التحصيل العلمي، وتحقيق الاستقرار المادي في غضون أشهر أو بضع سنوات.

هذه السنة، أجبرت آلية ”التعليم عن بعد” المهاجرين على المكوث لساعات طوال في منازلهم، مما شكل عبئا نفسيا عليهم.

غرفة حفصة

نواصل مع شهادة الطالبة حفصة، التي تعرفنا عليها في الجزء الأول من هذا الملف، والتي فضلت، لأسباب شخصية، عدم الكشف عن هويتها كاملة.

حفصة عبرت عن رأيها في هذه الظرفية بنفس النبرة المكتئبة والصادقة: ”تخيل أن تصرف أيام الحجر الصحي في غرفة مساحتها تسعة أمتار مربعة، مع سرير ومكتب يحتلان نصف مساحتها!

لا أستطيع حتى التمرن الرياضي في الغرفة بسبب ضيق المساحة. الأمر صعب جدا. لقد أرهقني هذا الأمر بدنيا ونفسيا. بدأت أشعر بالإحباط والقلق الشديد.

في الأسابيع الأخيرة، أُصبت بثلاث نوبات هلع؛ كل واحدة منها أسوء من الأخرى”.

اقرأ أيضا: من مصر، سارة أحمد فؤاد: أنا هلعانة

لا شك أن هذه الظروف الاستثنائية تذكي الإحساس بالحنين للوطن والتفكير في العودة إلى المغرب خلال العطلة الدراسية. لكن الإجراءات الجديدة للتنقل من وإلى المغرب، تخلق حالة من الارتياب؛ تتجلى أساسا في هاجس المكوث في المغرب وتكرار الإغلاق التام مثل ما حدث في شهر مارس.

 في كل مرة تقع فيها مثل هذه الأعمال الإجرامية المتطرفة، يكون مسلمو فرنسا المتضرر الأول، وكأنهم يجب أن يتحملوا دائما وزر هذه الأفعال الوحشية

عن فكرة العودة للوطن، تستطرد حفصة: ”أريد حقا العودة للوطن، لكني لا أعرف حقا ما يخبئه المستقبل. أنا أخشى أن تتم إعادة إغلاق الحدود… لا يمكنني العودة لبلدي مقابل المجازفة بضياع مستقبلي. بالإضافة إلى ذلك، من أجل السفر، يجب أن تقوم باختبار الكشف عن كورونا للسفر من وإلى المغرب، والحصول على شهادة مغادرة التراب الوطني من العمالة عند مغادرة المغرب. قبل قدومي، عانيت من كثرة هذه الإجراءات. لا أريد أن أكرر هذا. صحيح… التواصل مع عائلتي وأصدقائي ممكن مع وسائل الاتصال، لكن لا شيء يعوض الدفء الإنساني للقاء”.

هل تثير الأعمال الإرهابية الأخيرة مخاوف الطلبة المغاربة؟

تواترت في الأسابيع الأخيرة بشكل مخيف الأعمال الإرهابية في العديد من المدن الفرنسية، من بينها باريس ونيس.

في كل مرة تقع فيها مثل هذه الأعمال الإجرامية المتطرفة، يكون مسلمو فرنسا المتضرر الأول، وكأنهم يجب أن يتحملوا دائما وزر هذه الأفعال الوحشية.

لم يخف الطالب أسمون، الذي تعرفنا عليه في الجزء الأول من هذا الملف، تخوفه من تنامي العنصرية تجاه الأجانب والمسلمين: ”ما يحدث صار معروفا، ولا أخفيك قلقي تجاه هذا الموضوع، و قلقي على تأثيره حتى على فرص إيجادي لعمل، خصوصا لعلمنا بكون الجو العام لعلاقة الفرنسيين بالمسلمين مشحون منذ فترة طويلة”.

اقرأ أيضا: أحداث فرنسا… حين تغلّب الفقيه على الرسول

بلال المهداوي

بلال المهداوي، طالب مهندس عام بمدينة ليل، بدا في تصريحه لـ”مرايانا” واثقا ومتعايشا مع الحجر الصحي بارتياح، حيث أكد أنه، لحسن الحظ، وجد بصعوبة عملا قبل الإعلان عن الحجر.

لم يجد الطالب القادم من الصحراء المغربية حرجا في التأكيد أن العنصرية ليست وليدة الأحداث الأخيرة، لكنها رافقته منذ قدومه: ”قبل الأعمال الإرهابية، كانت العنصرية موجودة. لقد لاحظت بنفسي هذا واستشعرته. لا يتعامل معك الناس كما يتعاملون مع الفرنسيين أو الأوربيين. عندما تمر أمام الناس، ويلحظون أصولك من خلال السحنة واللحية، يتعاملون معك بارتياب ويتخذون حذرهم. بطبيعة الحال، تزايدت حدة هذه السلوكيات بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة”.

في عز الموجة الثانية للجائحة… تضامن ومؤازرة للطلبة

لا يجب أن يذهب بنا الغلو لنكران فضل فرنسا على الطلبة الأجانب، رغم كل إكراهات الدراسة في ظل الجائحة؛ فبالإضافة إلى جودة التعليم، التي تفوق نظيرتها في البلدان الأصلية للمهاجرين، تنخرط مختلف التنظيمات والجمعيات الفرنسية بشكل مكثف لمساعدة الطلبة الأجانب وتوجيهم.

اقرأ أيضا: الإسلاموفوبيا أم معاداة الإسلام؟

ولج بلال عالم الحياة الجامعية قبل أربع سنوات. مر من الأقسام التحضيرية ودراسة الهندسة المعلوماتية. استحسن الشاب المغربي المواكبة التي يحظى بها الطالب في فرنسا.

وأضاف بلال: ”لا تُقصر فعاليات المجتمع المدني في مساعدتنا كطلبة، وكل من له دخلٌ محدود. هناك ”ريستو دي كور” Restos du Coeur و”سوكور بوبوبيلير” Secours populaires. بل أكثر من ذلك، أصبحت جمعيات أخرى تأتي للإقامات الجامعية ”كروس” Crous من أجل توزيع المياه والأطعمة. حتى المتطوعون يتعاملون بطريقة لطيفة دون أية عنصرية. مع كل هذا الدعم، يمكن ألا تتجاوز ثمانين أورو في التغذية خلال الشهر. إنها نقطة ضوء حقيقية في ظل كل هذه الإكراهات”.

في نفس السياق، وتأكيدا للدور الجوهري للجمعيات في هذا الحجر الصحي، يقول مروان، مغربي فرنسي، عضو “جمعية الطلبة المسلمون في فرنسا” EMF، في تصريح لمرايانا: ”شكل الحجر الأول والثاني محنة كبيرة للطلبة في فرنسا. لذلك تعمل جمعية الطلبة المسلمون في فرنسا ”أومف” على خلق مشاريع تطوعية لدعم الطلبة. خلال هذا الحجر الثاني، وزعنا خمسين ”قفة” في مارسيليا. تشكلت هذه الأخيرة من مواد للنظافة وأوانٍ وأدوات مدرسية. بالإضافة إلى ذلك، قمنا بأنشطة في المنصات التواصلية كتنظيم مناظرات عن بعد، وعرض بعض الأفلام”.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: قفة وشكارة أو… “ملي مشينا ف شكارة مقطعة”.

نستشف إذن من كل هذه الشهادات زيف الصورة الوردية الحالمة التي تلازم فكرة الدراسة خارج أرض الوطن.

يُقبل الكثير من الطلبة المغاربة، خصوصا المنحدرين من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، على الهجرة، بالإقدام على ”انتحار” طبقي، ينبع عادة من هوس مغادرة ما يروه ”جحيم’‘ البقاء في المغرب، مما يجعلهم  يكابدون أهوال الغربة.

التفاف فعاليات المجتمع المدني في فرنسا حول الطلبة الأجانب ودعمهم لهم، يشكل مصدر أمل في تخفيف المتاعب المعيشية للطلبة المغاربة، على امتداد السنة، خصوصا في ظل جائحة كورونا.

رغم كل هذه الإكراهات، لا شك أن الآلاف من المغاربة سيواصلون التقاطر على فرنسا للدراسة، نظرا لجودة التعليم وتطوره في الجمهورية مقارنة مع بلدهم، متسلحين بالإيمان بالمثل الشعبي ”لي بغا العسل يصبر لقريص النحل”.

لقراءة الجزء الأول: الطلبة المغاربة في فرنسا…متاعب الحجر الصحي تُفاقم إحساس الغربة عن الوطن

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *