×
×

التجديد عند الشاطبي: تحريم الفلسفة والمنطق… وباقي العلوم ! 2/3

في نظرته للفلسفة، ينضم الشاطبي إلى التيار المحرم للفلسفة والمنطق، نظرا لوعورة مسلكهما وتشعب مواضيعهما، والتعسف، حسب زعمه، في التدليل بهما على الصانع وعدل شريعته.
وقد ظل الشاطبي متوافقا مع نزعته النقلية المُقدمة للنقل على العقل في كتابيه الاعتصام والموافقات، وداعيا للاقتصار على علوم الشريعة، باعتبارها العلم المأمور بتعلمه فقط، يقول في الموافقات: “إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا…

حسن الحو

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف كيف أن أغلب الباحثين في مقاصد الشريعة من المعتدلين الإسلاميين، يحيلون في بحوثهم على كتاب الموافقات للإمام الشاطبي، ويعتبرون ذلك ثورة أحدثها في علم أصول الفقه.

في ذات الجزء وضعنا بعض الأسئلة بهذا الخصوص، أهمها:

إلى أي مدى يمكن اعتبار فكر الشاطبي وكتابه ثورة تجديدية في علم الأصول أو شرارة لتأسيس علم المقاصد؟ وهل خطر ببال الشاطبي وهو يؤلف كتابه أنه سيتخذ مطية للتحلل من بعض أحكام الدين وفسح المجال للاجتهاد المطلق دون مراعاة لنصوص قطعية تجازوها الزمن؟

في هذا الجزء الثاني، نواصل اقتفاء بعض خيوط الحكاية، من خلال النبش في موقف الشاطبي من الفلسفة، ومن باقي العلوم.

     الشاطبي ونظرته للفلسفة والعلوم.

في نظرته للفلسفة، ينضم الشاطبي إلى التيار المحرم للفلسفة والمنطق، نظرا لوعورة مسلكهما وتشعب مواضيعهما، والتعسف، حسب زعمه، في التدليل بهما على الصانع وعدل شريعته.

يقول الشاطبي في حق المشتغلين بالفلسفة: “والفلسفة صعبة المأخذ، وعرة المسلك، بعيدة الملتمس”، ويضيف، منتقدا إدخال المنطق في فهم الشريعة: “إن التزام الاصطلاحات المنطقية والطرق المستعملة فيها، أي الشريعة، مُبْعدة عن الوصول إلى المطلق في الأكثر؛ لأن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية، ومراعاة علم المنطق قي القضايا الشرعية مناف لذلك …”.

اقرأ أيضا: “نصوص متوحشة”: هكذا أسس أبو حامد الغزالي لخطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/2

 يعتقد الشاطبي أن الشريعة مستغنية عن المنطق والفلسفة، وعن كل علم، باعتبارها حاوية لكل العلوم، وأن النظر في غيرها، هو نظر فيما ليس تحته عمل وتضييع للأعمار عما خلقت له من الاتباع والتعبد. يقول ردا على ابن رشد الداعي إلى اعتبار التفلسف طريقا موصلا لصحة الديانة: “وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه بـ “فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” أن علوم الفلسفة مطلوبة، إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها. ولو قال قائل إن الأمر بالضد مما قال، لما بعد في المعارضة. وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها مع القطع بتحققهم بفهم القرآن؟ يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير فلينظر امرؤ أين يضع قدمه”.

 الشاطبي إذن، يعتبر العلم هو ما جاءت به الشريعة، وفق منهج السلف الصالح في فهمها دون تكلف أو تعسف، فالعلم المعتبر ما كان داعيا للعمل والتعبد، وأن ماعدا ذلك مما لا ينطوي تحته عمل من العلوم الطبيعية أو النظرية لا يسمى علما، ولا فائدة ترجى من تعلمه. يقول الشاطبي في كتابه الموافقات: “كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى في التبع والقصد الثاني، لا بالقصد الأول، والدليل على ذلك أمور:

·         أحدها: أن كل علم لا يفيد عملا فليس في الشرع ما يدل على استحسانه.

·        والثاني: أن الشرع جاء بالتعبد.

·         والثالث: ما جاء من الأدلة على أن روح العلم هو العمل، وإلا فالعلم عارية وغير منتفع به.

وفي سياق تأكيده على تعريف العلم يقسمه الى ثلاث أقسام: صلب العلم، ومُلَح العلم، وقسم ليس من العلم وعار من كل وصف يلحقه بصلب العلم أو ملحه.

يقول في الموافقات: “مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُلَحُ الْعِلْمِ لَا مِنْ صُلْبِهِ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ وَلَا مُلَحِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ‏:‏

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ‏:‏ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمُعْتَمَدُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الطَّلَبِ، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي مَقَاصِدُ الرَّاسِخِينَ، وَذَلِكَ مَا كَانَ قَطْعِيًّا أَوْ رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، وَالشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ مَنَزَّلَةٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ… وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَعْدُودُ فِي مُلَحِ الْعِلْمِ لَا فِي صُلْبِه‏:‏ مَا لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا، وَلَا رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، بَلْ إِلَى ظَنِّيٍّ، أَوْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى قَطْعِيٍّ إِلَّا أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهُ خَاصَّةٌ مِنْ تِلْكَ الْخَوَاصِّ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ خَاصَّةٍ….

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ‏:‏ وَهُوَ مَا لَيْسَ مِنَ الصُّلْبِ، وَلَا مِنَ الْمُلَحِ:‏ مَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَلَا ظَنِّيٍّ”

اقرأ أيضا: المرأة والفقه: وكانت الغلبة… للفقهاء! 3\3

والواضح أن كل الأقسام، من خلال شرح الشاطبي المستفيض لها في تضاعيف الكتاب، إنما عنى بها العلوم الشرعية فقط، والدليل على رفضه لكل علم لا ينطلق من مُوَجه شرعي ولاينبني عليه عمل، قوله في الرد على من يدعو للنظر في الموجودات كدليل على الموجد، والاستدلال بمخرجات العلوم المختلفة على صحة الدين وضرورته. يقول: “عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب حتى تفرقوا شيعا؛ وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة. ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب؛ حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعني وخرجوا إلى ما لا يعني؛ فذلك فتنة على المتعلم والعالم، وإعراض الشارع – مع حصول السؤال- عن الجواب من أوضح الأدلة على أن إتباع مثله في العلم فتنة أو تعطيل للزمان في غير تحصيل…

ويضيف: “فإن قيل: العلم محبوب على الجملة، ومطلوب على الإطلاق؛ وقد جاء الطلب فيه على صيغ العموم والإطلاق، فتنتظم صيغه كل علم، ومن جملة العلوم ما يتعلق به عمل وما لا يتعلق به عمل؛ فتخصيص أحد النوعين بالاستحسان دون الآخر تحكم. وأيضا فقد قال العلماء: إن تعلم كل علم فرض كفاية كالسحر والطلسمات وغيرها من العلوم البعيدة الغرض عن العمل؛ فما ظنك بما قرب منه كالحساب والهندسة وشبه ذلك؟ وأيضا فعلم التفسير من جملة العلوم المطلوبة، وقد لا ينبني عليه عمل… وأيضا فإن قوله تعالى “أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء” يشمل كل علم ظهر في الوجود؛ من معقول أو منقول، مكتسب أو موهوب، وأشباهها من الآيات… فالجواب عن الأول: إن عموم الطلب مخصوص، وإطلاقه مقيد بما تقدم من الأدلة. والذي يوضحه أمران: أحدهما بأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل؛ مع أنهم كانوا أعلم بمعنى العلم المطلوب؛ بل قد عد عمر ذلك في نحو قوله تعالى “وفاكهة وأبا” من التكلف الذي نهي عنه… ولم يفعلوا ذلك إلا لأن رسول الله لم يخض في شيء من ذلك؛ ولو كان لنُقل؛ لكنه لم يُنقل فدل على عدمه. والثاني: ما ثبت في “كتاب المقاصد” أن الشريعة أمية لأمة أمية؛ وقد قال عليه السلام: “نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب؛ الشهر هكذا وهكذا وهكذا”.

وكلام الشاطبي يُغني وضوحه عن إيضاحه، بل من أراد الاستزادة في انتقاصه من علم الفلك والرياضيات والمنطق والكيمياء، وعدم اعتبارها علوما، فليرجع لكتاب الموافقات، ليقف على عقيدة الرجل تجاه العلوم غير الشرعية.

وقد ظل الشاطبي متوافقا مع نزعته النقلية المُقدمة للنقل على العقل في كتابيه الاعتصام والموافقات، وداعيا للاقتصار على علوم الشريعة، باعتبارها العلم المأمور بتعلمه فقط، يقول في الموافقات: “إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا، فلا يسرح العقل في مجال النظر، إلا بقدر ما يسرحه النقل. والدليل على ذلك أمور:

الأول: أنه لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل، لم يكن للحد الذي حده النقل فائدة… فإذا جاز تعديه صار الحد غير مفيد، وذلك في الشريعة باطل. والثاني: ما تبين في علم الكلام والأصول من أن العقل لا يُحسّن ولا يُقبّح. والثالث: أنه لو كان كذلك لجاز إبطال الشريعة بالعقل وهذا محال باطل”.

ثم استطرد في بيان حدود استعمال العقل عند الأصوليين إلى أن قال : “فالعقل لا يحكم على النقل”.

 

لقراءة الجزء الأول: وصفوه بمؤسس علم المقاصد. الشاطبي… المُجدد الذي دعا إلى “الوقوف عند اجتهادات الأوائل”! 1/3

لقراءة الجزء الثالث: حرم العلم وألغى العقل. هل يصلح المذهب الفقهي والعقدي للشاطبي أساسا للتجديد والإبداع ! 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *