×
×

التنظيم السري للإخوان المسلمين… محاولات قتل عبد الناصر 3/3

خلال مرحلة الصدام الذي سيطر على المشهد المصري إبان الحقبة الناصرية، حدثت مواجهات دامية بين نظام يوليو والإخوان المسلمين، وتم إعدام عدد من قيادات الإخوان.
وقد “كان الذي يقود الإخوان المسلمين في محاولتي الانقلاب والاغتيال والاستيلاء على السلطة، تنظيم مدرب عسكرياً، من ذوي اللياقة البدنية العالية، وذوي التلقين العقدي المتعمق، والمبرمجين على السمع والطاعة المطلقة. وكان هذا التنظيم شبه العسكري يُعرف في صفوف الإخوان باسم التنظيم الخاص، وفي دوائر السلطة باسم الجهاز السري؛ وارتبطت الصورة العامة للإخوان المسلمين بهذا الجهاز السري”.

“إنّ في رقبتهم الكثير من الدماء التي سالت في عمليات مُماثلة من نسف منشآت، وقتل أفراد بناءً على فتوى”.

بهذه الكلمات، علّق علي عشماوي، آخر قادة التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين، على الأفعال الدموية التي تسبّبت فيها الجماعة في مصر، إبّان الحقبة الناصرية، (1952-1970)، والتي تفاقمت فيها حدة الصدام بين الإخوان من جهة، وبين النظام العسكري القائم آنذاك، من جهة أخرى.

على الرغم من التقارب -الودي/المصلحي- خلال السنتين الأوليتين (1952-1954) لما سُمي بـ”ثورة يوليو” بين تنظيم الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين، والذي شهد تعاوناً أقرب إلى التحالف، إلا أنه سرعان ما انتهى، إذ لم يلبث أن تحوّل إلى حالة من الصدام منذ خريف 1954 إلى حدود خريف 1970؛ أي إلى حين وفاة جمال عبد الناصر.

كانت الخيارات المتاحة أمام التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين لاغتيال جمال عبد الناصر -قبل تنفيذ العملية- تتأطر بين إطلاق الرصاص عليه، على الرغم من صعوبة التنفيذ وسط حشد من الجماهير المحتفلة بيوم الجلاء، أو الحزام الناسف “الذي ابتكره الإخوان عام 1954 لقتل عبد الناصر

خلال مرحلة الصدام الذي سيطر على المشهد المصري إبان الحقبة الناصرية، حدثت مواجهات دامية بين نظام يوليو والإخوان المسلمين، وتم إعدام عدد من قيادات الإخوان. وقد “كان الذي يقود الإخوان المسلمين في محاولتي الانقلاب والاغتيال والاستيلاء على السلطة، تنظيم مدرب عسكرياً، من ذوي اللياقة البدنية العالية، وذوي التلقين العقدي المتعمق، والمبرمجين على السمع والطاعة المطلقة. وكان هذا التنظيم شبه العسكري يُعرف في صفوف الإخوان باسم التنظيم الخاص، وفي دوائر السلطة باسم الجهاز السري؛ وارتبطت الصورة العامة للإخوان المسلمين بهذا الجهاز السري”[1].

اقرأ أيضا: النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (1)

في أكتوبر 1954، تم تنفيذ محاولة اغتيال فاشلة لجمال عبد الناصر خلال مؤتمر جماهيري بميدان المنشية بمدينة الإسكندرية، فيما عُرف بعد ذلك بحادث المنشية؛ حيث أطلق محمود عبد اللطيف، أحد أفراد التنظيم الخاص، ثماني رصاصات نحو عبد الناصر. بيد أن الجماعة ظلّت تنفي صلتها بالواقعة وتتنصّل من الحادث، حتى أنها لا تترك مناسبة إلا وتؤكد فيها عكس ذلك، بدعوى أن جمال عبد الناصر دبّر هذه المسرحية للخلاص من الجماعة.

قد يكون هذا الزّعم هو الحقيقة، وقد لا يكون كذلك. لكن اعتراف المتهم الثالث في القضية، خليفة عطوة، سنة 2011، باشتراكه في التخطيط للعملية رفقة أربعة عناصر آخرين تحت قيادة هنداوي دوير، ربّما يغير مجرى الأمور، ويعاود توجيه أصبع الإتهام إلى الجماعة. خاصة في الوقت الذي صرخ فيه منفذ عملية الإغتيال الفاشلة، عبد اللطيف، من داخل قفص الإتهام خلال محاكمته: “غرّروا بي. كنت ضحيتهم.. أفهموني أن الإسلام أباح دم عبد الناصر”.

لكن…سيظل الغموض يكتنف الكثير من تفاصيل هذه الحادثة، خاصة وأن ردة فعل جمال عبد الناصر كانت كأنها تنبؤ عن حدوث الواقعة. غير أن هذا لا ينفي بأي حال من الأحوال ضلوع الجهاز السري للإخوان في عدة عمليات قبل حادثة المنشية، وبعد ذلك في 1965، حيث تم اكتشاف مخطط لتنفيذ عدة عمليات اغتيال وهجمات تستهدف النظام الناصري تحت قيادة سيد قطب.

على الرغم من المشاهد الدموية التي تسبّب فيها الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين، دأب قادة التنظيم، سيراً على نهج المرشد الأول حسن البنا، على التبرأ من الأفراد الذين انخرطوا في أعمال العنف جيلا بعد جيل مهما اختلفت الأنظمة، طالما لم تكن حليفة.

كانت الخيارات المتاحة أمام التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين لاغتيال جمال عبد الناصر -قبل تنفيذ العملية- تتأطر بين إطلاق الرصاص عليه، على الرغم من صعوبة التنفيذ وسط حشد من الجماهير المحتفلة بيوم الجلاء، أو الحزام الناسف “الذي ابتكره الإخوان عام 1954 لقتل عبد الناصر… وكان أول من تطوع لاستعماله هو الأخ نصير!

الأسلوب نفسه تطور بعد ذلك ليتحول لقنابل بشرية ومنتحرين وأجسام مفخخة وما شابه ذلك. هكذا، فإن الإخوان مسؤولون عن هذا الفعل وعن كل من استعمله وقتل الناس عن طريقه[2].

اقرأ أيضا: التنظيم السري للإخوان المسلمين: مرايانا، مع ثلاث باحثين جامعيين من تونس، ينبش في أسرار وخبايا التنظيم

ظلّ التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين الذراع العسكري الذي يخلق حالة من البلبلة، سواءٌ في المحيط العام المتمثل في النظام، أو في المحيط الخاص المحدد في الجماعة. تارة ينصاع هذا الجهاز السري للتنظيم العام المتمثل في المرشد العام للجماعة، إضافة إلى مكتب الإرشاد، وتارة يخرج عن السيطرة، غير آبه بمآلات الأمور، وذلك عبر قيامه بأعمال عشوائية نتيجة الشحن المتواصل للأفراد. هذا الأمر كان يُولِّد لدى من يُشرف على مثل هكذا منظمة سرية مسلحة حالة من القلق الدائم، لأن السيطرة على الأفراد تكون بالغة الصعوبة، خاصة، في ظل الإنفلات التنظيمي إبان الزّج بكوادر الجماعة في غياهب السجون.

على الرغم من المشاهد الدموية التي تسبّب فيها الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين، دأب قادة التنظيم، سيراً على نهج المرشد الأول حسن البنا، على التبرأ من الأفراد الذين انخرطوا في أعمال العنف جيلا بعد جيل مهما اختلفت الأنظمة، طالما لم تكن حليفة.

 

 

 

[1] – علي عشماوي، التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
[2] –  المصدر نفسه، ص: 63

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *