×
×

من كندا، عبد الرحمان السعودي يكتب: صحوة خطيب جمعة

لم يصدق المصلون مسامعهم، وبدأوا يتفرسون في ملامح الرجل لعلهم يستشفون منها تفسيرا لما أصابه، وذهب بعض النوابغ وخارقي الذكاء إلى الاعتقاد بأنهم ضحية مقلب الكاميرا الخفية، وأخذوا يترقبون اللحظة التي سيدخل فيها مخرج الحلقة من الباب الخلفي للمسجد. لكن، قليلون هم من كانوا يعتقدون بأن الإمام يتكلم فعلا في السياسة لأول مرة في حياته مقررا أن يفش غله بطريقته.

“بعد عملية تمشيط واسعة، تمكنت قوات الأمن من القبض على المشتبه به في قضية دسّ حبوب الهلوسة في كوب الماء الذي شربه فضيلة الإمام، قبيل اعتلائه المنبر لإلقاء خطبة الجمعة”.    

تصدر الخبر عناوين الصحف وروجت له وسائل الإعلام. لكن الناس كانوا واثقين من زيف الخبر، واعتبروه استخفافا بعقولهم، فقاوموه فورا برواية مضادة تؤكد أن الأمر لا يتعلق بحبوب الهلوسة، بل بأقراص نادرة تسمى “هِرقليس” أدت إلى تحفيز هرمون الشجاعة لدى الإمام، ليعلن توبته من أعلى المنبر بإلقائه تلك الخطبة العصماء التاريخية.

أيا كانت الرواية، فما كان ليخطر على مخيلة بشر، أن خطيب الجمعة الذي كان يدمن المصلون النوم على موجات صوته الوثير، ستسجَّل خطبته صوتا وصورة، ويتناقلها الناس عبر هواتفهم بسرعة مكنته من التربع على عرش الطوندوس؛ ليصبح حديث الساعة ويسجل اسمه كأول خطيب جمعة لا يقرأ من ورق الجهات لعليا، ويتمرد على الخط التحريري النمطي لخطب ما أنزل الله بها من سلطان، كان يُنشد فيها قصائد قبّانية للتغزل في مفاتن السلطة، ويتوعد فيها المصلين الفلاحين الفقراء البؤساء بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويحمّلهم آثام وشرور العالم، جزاء بما قدمت أيديهم من حب للشهوات وانشغال عن الله بجمع الثروات وتكديس الكنوز! ليختتم بممارسة هوايته المفضلة، ويصب لعناته -عبر الميكروفون الألماني-على الحضارة الغربية الصليبية الكافرة الداعرة، المتآمرة على الإسلام والسبب في ويلات المسلمين.

بدأ كل شيء حين تناول الإمام كوب ماء كبير، وبدل أن يشرب جرعة أو جرعتين كعادته ويدّخر الباقي لينهل منه كلما جف حلقه، إذ به يرفع رأسه ويتجرعه بنهم عارم حتى آخر نقطة، ليطيل التمعن في نص خطبته كأنه يراها لأول مرة…

وبينما كان المصلون يستعدون  للنوم، رفع رأسه بتثاقل ثم رسم على محياه ابتسامة جاك نيكلسون في فيلم شاينينج، ليستهل الخطبة من دون مقدمات: ” إني أراني في المنام أمرّ بوجوه شتى يوحدها البؤس، لأناس يتوسدون أرض المستشفيات في انتظار المجهول، كأنهم منفيون في شعب أبي طالب… وأراني أمرّ بوجوه  مغسولة بعرق الجباه، يكدّ أصحابها دون ضمان اجتماعي، كأنهم عبيد لقمة العيش لدى سادات قريش… وأراني أدفع إتاوة شهرية لأبي جهل، لتعليم الأبناء والأحفاد… وإني أرى أقلاما أُلبست دروع الحديد، لتحترق بظلم أبي لهب في وحشة الزنازن…صحوت على أنينها مفزوعا، وعندما صرخت لم أجد صوتي… أفتوني رحمكم الله ونبئوني بتأويل رؤياي إني أراكم من الصادقين…”.

اقرآ لنفس الكاتب: لعنة أخناشون

 أطار كلام الإمام الوسن من أعين المصلين، وبدأوا ينظرون إلى بعضهم البعض في ذهول، ليهتف فيهم بأعلى طبقات صوته “عبااااد الله…  إن سادات قريش قد بعثوا من جديد!”.

لم يصدق المصلون مسامعهم، وبدأوا يتفرسون في ملامح الرجل لعلهم يستشفون منها تفسيرا لما أصابه، وذهب بعض النوابغ وخارقي الذكاء إلى الاعتقاد بأنهم ضحية مقلب الكاميرا الخفية، وأخذوا يترقبون اللحظة التي سيدخل فيها مخرج الحلقة من الباب الخلفي للمسجد. لكن، قليلون هم من كانوا يعتقدون بأن الإمام يتكلم فعلا في السياسة لأول مرة في حياته مقررا أن يفش غله بطريقته.

سرعان ما تبددت كل الشكوك، وبدأ المصلون يتلقون ما يقوله الرجل على مستوى أكثر عمقا مما يبدو عليه، وتوحدوا بكل جوارحهم معه عندما قام للخطبة الثانية وقال بصوت واثق: “اعلموا رحمكم الله أنه لا مانع لدي أن يُبعث فينا سادات قريش من جديد. لكن يا ليتهم من أولئك الذين كان لديهم مكارم أخلاق شهد النبي أنه جاء ليتممها. فعبد الله بن جدعان كان يسلب الأغنياء ليعطي الفقراء، وأقسم “حِلف الفضول” في داره على أن “لا يظلم في مكة أحد إلا ردوا ظلامته”. وآوى أبو طالب المسلمين مع أنه لم يكن على دينهم، وحماهم حمزة حتى قبل أن يدخل الإسلام. وإذا كان بعض سادة قريش قد ناصبوا العداء للمسلمين، فمن أجل الآلهة لا من أجل كراسي السلطة. وكان جبروتهم خائبا لدرجة أنه سمح للصحابة بأن يلتقوا في دار الأرقم سرا لسنوات، وتمكنوا من الهجرة إلى الحبشة والمدينة لأنهم لم يوضعوا في سجن أبدي، حتى أمية بن أبي خلف لم تكن الدناوة لتصل به إلى أن يعذب بلال من أجل مقال أو تدوينة فايسبوكية”.

فرح المصلون بصحوة إمامهم وبخطبته العصماء، لكن الزمن عودهم على ألا تدوم لهم فرحة. فكل ما سبق في كفة، وما سيحدث بعد رفع الإمام كفيه من أجل دعاء الختم في كفة أخرى.

اقرأ لنفس الكاتب: إذا حضر “السامريون الأشرار”… بطل التقدم

بدأ الإمام بالدعوة بالعمر المديد للحضارة الغربية، وبجنة الفردوس لعمداء النهضة وعصر الأنوار… وإذ “فجأتَنْ”، وقف رجل مربع الرأس، كث الحاجبين عريض المنكحين، يعرفه الجميع حق المعرفة وعلى رأسهم الإمام. إنه الشخص الوحيد الذي لم يكن ينام أثناء خطب الجمعة ويتابع باهتمام كل ما يقال لأسباب استخباراتية، فهو المكلف برفع تقارير عن سلوك الخطيب.

خاطب الإمام بغلظة وصاح في وجهه كي يمسك لسانه. لكن صاحبنا واصل بكل برود الدعاء لعلماء الغرب، الأحياء منهم والأموات، ليدخلوا الجنة دون حساب.

وجه إليه مربع الرأس سيلا من الشتائم نالت من فضيلته هو والسيدة والدته، لكن ابتسامة جاك نيكلسون كانت هي جواب الإمام وبدأ بالدعاء للمغفور له أبراهام لينكولن، محرر العبيد، ولأسلافه المنعمين في تحد سافر لعريض المنكحين الذي فقد شعوره وانطلق يتخطى الرقاب مسرعا نحو الإمام والشرر يتطاير من عينه.

ظل المصلون سويسريين على الحياد، وتركوا الإمام يواجه مصيره. وقبل أن ينتقل الرجل شرقا للدعاء مع الروس مخترعي لقاح كورونا، كان مربع الرأس قد انتزع منه عصاه وانهال بها على أم رأسه ليسقطه من على المنبر. تحلق المصلون حوله، وظنوا أنه ينازع في الروح لدرجة أن أحدا سأله عن وصيته.

بعينين ضاحكتين، وابتسامة فيلسوف وصل إلى النيرفانا لتوه، لم يقل فضيلة الإمام إلا جملة واحدة ظل يكررها حتى راح مغشيا عليه: “أتمنى أن يطيل الله في عمري، لكي أشرب المزيد من الفودكا وأقول كلمة الحق… قولوا آمين”.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: تاريخنا المثالي العظيم

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *