×
×

دروس الجائحة: هل على السّاسة اتّباع العلماء دوماً في اتّخاذ القرارات؟

أحيانا… يضع اتخاذُ القراراتِ السياسيين على مفترق طرق، والجائحة في ذلك، مثال جيّد. العلماء يقولون إن الحجر الصحي وحده يمكن أن يكبح انتشار الفيروس…
ماذا إذن عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية؟ ما الصوت الذي ينبغي أن يتّبعه الساسة والحال هذه؟

عندما أخذ فيروس كورونا المستجد يجتاح العالم، سارعت حكومات مختلفة إلى فرض تدابير الحجر الصحي…

فرض هذه التدابير كان قرارا سياسيا، لكن على أي معطيات اعتمد؟ وكيف؟

مما لا شك فيه أنها كانت نصيحة علمية… لم يكن للسياسيين أن يأخذوا قرارا في ظرفية كهذه سوى في ضوء العلم.

دون العلم، ما كان لهم، لوحدهم، أن يعرفوا أي التدابير أنسب للحد من تفشي فيروس لا لقاح له…

إذا كان العلم لا يُسيّس؛ ينبغي أن يكون حياديا وموضوعيا، فالسياسية حقل شائك جدا اعتباراته مختلفة تماما…

لكن… هل الجائحة مجرد مرض يضع النظام الصحي على مرمى الانهيار؟ قطعا لا! يضع الاقتصاد والمجتمع أيضا على كف عفريت…

أن تُغلق دولة بكاملها يستتبع خسائر لا تحصى على مستويات عديدة… وقد شاهدنا كيف تضررت الطبقة المتوسطة مثلا، ناهيك عمن يعملون في القطاع غير المهيكل…

في ظرفية كهذه، يكون السياسيّ في موقف صعب من تحديد الأولويات…

اقرأ أيضا: الدراسات الطبية… هل انكشف المستور في زمن كورونا؟ 2/1

لنأخذ المغرب مثالا… حين صرّح رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، أن الأولوية لحياة المغاربة؛ أي فرض الحجر الصحي وتمديده، لاحظنا كيف تناقص عدد الإصابات بالفيروس، بينما كان الكثير في منازلهم يئنون من عسر الحال.

ثم عندما قررت الحكومة تخفيف الحجر لإنعاش الاقتصاد، لاحظنا كيف ارتفع عدد الإصابات على نحو غير مسبوق!

فهل على السياسي أنْ يتّبع العالِمَ دوما؟

يتخذ الساسة؛ الذين يقودون الحكومات منهم، قرارات أفضل عندما تكون لديهم معلومات أفضل.

إذا كان العلم لا يُسيّس؛ ينبغي أن يكون حياديا وموضوعيا، فالسياسية حقل شائك جدا اعتباراته مختلفة تماما…

جراء تأخرها في فرض الحجر الصحي، طالت انتقادات كبيرة حكومة بوريس جونسون في المملكة المتحدة.

كتبت البروفيسورة هلين وارد، من كلية “إمبريال كوليدج” اللندنية، في مقال نشرته صحيفة “ذا غارديان”، منتصف أبريل 2020: “قلنا نحن العلماء إنه ينبغي فرض الحجر المنزلي (الحجر الصحي). لكن السياسيين رفضوا الاستماع إلينا”.

اقرأ أيضا: لمحاربة الأخبار المضللة حول كوفيد-19… العلماء يُطوّرون حضورهم على شبكات التواصل الاجتماعي

ثم حين نتجه إلى ألمانيا، نرى المستشارة أنجيلا ميركل تواجه انتقادات عديدة لأنها… تدعو باستمرار إلى الحذر، واعتماد نهج تدريجي لرفع الحجر الصحي.

“حين أسمع من يقول إن حماية الحياة البشرية تطغى على كل الاعتبارات الأخرى، أرى أن هذا الاستبداد غير مبرّر”، يقول رئيس مجلس النواب الألماني، فولفغانغ شويبله، في تصريح لصحيفة محلية.

يحدث أن العلماء يخطئون أيضا… كما يحدث أن السياسيين لا يستمعون إلى العلماء، لأن ليس لهم مصلحة في الاستماع إليهم.

الواقع أن ميركل تميزت بإيلاء أهمية كبيرة لرأي العلماء، فهي نفسها عالمة فيزياء، ولديها بحسب محللين، قدرة جيدة على فهم الأرقام.

السؤال الذي طرحناه قبل قليل له في الواقع إجابتان مختلفتان يمكن استخلاصهما من التصريحين التاليين لوكالة الأنباء الفرنسية:

  • الأول لاختصاصية سياسات الصحة العامة في جامعة هارفارد الأمريكية، سارة بلايتش. تقول: “إن إردنا أن يصبح كوفيد-19 مجرد ذكرى سيئة وليس كابوسا دائما، فينبغي أن نعطي الآراء العلمية الأولوية في كل القرارات السياسية. نقطة إلى السطر”؛
  • الثاني لخبير النمذجة الرياضية، سيمون كوشميه، وهو عضو في اللجنة التي تقدم المشورة للسلطات الفرنسية حول الفيروس. يقول: “نحاول كعلماء تقديم إضاءة، لكن السياسيين هم الذين ينبغي أن يكونوا في آخر المطاف صانعي القرار”.

ثمة إذن رأيان؛ من يضع السياسيّ في يد العالِم، ومن يضع العالم في يد السياسي.

اقرأ أيضا: حميد عنتر يكتب: الشيخ محمد الفايد ومن معه

كان عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، يرى أن بناء الدولة الأوربية الحديثة يجب أن يقوم على ثنائية العلم والعمل السياسي… كان يرى فيهما طرفي معادلة توازنية واحدة.

دون العلم؛ أي المعرفة، تنتفي التقنية والتقدم والاحتراف داخل المجال العام للدولة… ودون عمل سياسي، حقيقي؛ خاضع لأدوات الديمقراطية والعلوم الإنسانية والاجتماعية الدقيقة، فإن إدارة الشأن العام ستفشل، ومن ثم فإن مصالح الجميع تضيع.

كل شيء يحتمل الخطأ، لكن معلومات أكثر (العلم) تتيح هامشا أكبر لقرارات أفضل (السياسة)…

فلكلّ عالم أن يبدي رأيه في ما يختص فيه؛ الصحة، الاقتصاد، المجتمع… ودور السياسي أن يتخذ القرار بناء على دمجه بين هذه الآراء.

بالمجمل، يتخذ الساسة؛ الذين يقودون الحكومات منهم، قرارات أفضل عندما تكون لديهم معلومات أفضل.

لكن، يحدث أن العلماء يخطئون… لاحظنا، مثلا، كيف أن الحكومة المغربية قالت في بداية الجائحة إن وضع الكمامات الواقية غير ضروري، ثمّ غيرت رأيها هذا لاحقا… اتّبعت في ذلك توصيات منظمة الصحة العالمية التي تتغير دوريا وفقا للدراسات العلمية.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي: كانوا مثلنا…

المسألة شائكة وفق البعض. هذا اللايقين العلمي والتنافر المعرفي يُصعّبان على الساسة أحيانا تقييم الأدلة على نحو عقلاني، ومن ثم في الغالب ما يعتمدون على القيم لا على الحقائق…

هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فيحدث أيضا أن السياسيين لا يستمعون إلى العلماء، لأن ليس لهم مصلحة في الاستماع إليهم.

ثمة رأيان؛ من يضع السياسيّ في يد العالِم، ومن يضع العالم في يد السياسي.

نعطي مثالا هنا من الولايات المتحدة… ترامب دائما ما أدلى بتصريحات غير دقيقة علميا، وذهب إلى حد تشجيع تظاهرات ضد تدابير الحجر الصحي.

مرد ذلك إلى اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية. يقول أستاذ السياسات الصحية في جامعة هارفارد، روبرت بليندون، إن ترامب يرى أنه سيخسر الرئاسة لو استمرت الأمور على ما هي عليه.

عموما، الساسة ليسوا على صواب دائما، كما أن العلماء ليسوا على صواب دائما… كل شيء يحتمل الخطأ، لكن معلومات أكثر (العلم) تتيح هامشا أكبر لقرارات أفضل (السياسة)…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *