×
×

الجريمة والعقاب. هل تكفي العقوبات السجنية لردع المجرم؟

اليوم، يجب المُطالبة بفتح نقاش مجتمعي جدِّي لتحليل أسباب انتشار الجريمة، ثمّ إعادة التفكير بشأن منظومة العدالة الجنائية بوجه عام. إن الأمر لا يتعلق ’بترقيع‘ ما لدينا من قوانين، وإنما بإجراء إصلاح جذري للقانون الجنائي بوجه عام.

أحمد المهداوي، باحث في مجال الدراسات الإسلامية

المُجرم حينما يُقدم على ارتكاب الجريمة، يوازن بين أمرين هما: لذّة الجريمة وألم العقوبة! فإن وجد أن ألم العقوبة يفوق لذة الجريمة، يتراجع عن ذلك“.

بما أن القانون يعتبر بمثابة اللِّجام الذي يجعل أفكار الإنسان وتصرفاته أقل ضرراً، فلابد من الوقوف عند عتبات مقولة سيزاري بيكاريا (*) أعلاه، والتي تحيل إلى كون المجرم يستحضر في مخيِّلته لذة الجريمة من جهة، وألم العقوبة المطبقة في القانون من جهة أخرى.

ربَّما لم تعد العقوبة، خاصة في ظل تفشي الفقر والتّهميش، بذلك الألم الذي يستوجب ردع الفعل الإجرامي للفاعل المُجرم؛ حيث صارت “اللّحظة السجنية” كالدُّخول في فترة نقاهة أشبه ما تكون بعُطلة مدفوعة الأجر من جيوب المواطنين.

لا غرو حينئذ أن يتلفظ بعض المُجرمين بقولهم: “اللهم الحبس ولا هاد الحالة”… هذا دليل على كون بعض المُجرمين يلقون الرعاية التي لا يتلقون مثيلها في واقعهم المجتمعي، مما قد يوفر لهم في “اللّحظة الحبسية” جواً من الاستجمام بدل الألم العقابي المُنتظر على فعلتهم الاجرامية.

حتّى المُطالبة بالإعدام تبدو حلًّا ترقيعياً في ظل واقع مأزوم، إذ أن روح القانون تكمن في حماية النفس البشرية لا في إزهاقها. أن تكره الشر وتحتقر الجريمة هو أمر مطلوب، لكن في الوقت ذاته، لا تحتقر ولا تكره المُجرم.

اقرأ أيضا: ما دام لا ينفذها… لماذا لا يُعدم المغربُ “العقوبةَ العظمى” (الإعدام)؟ 1\2

يمكن، اليوم، وضع تساؤل حول جدوى الأحكام “العقابية”؛ خاصة أن الظاهر كونها تأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان. بدل الإحساس بألم العقوبة، تنتج هذه الأحكام في المُقابل “فترة استراحة” عن الأفعال الشنيعة للمُجرم.

اليوم، يجب المُطالبة، بفتح نقاش مجتمعي جدِّي لتحليل أسباب انتشار الجريمة، ثمّ إعادة التفكير بشأن منظومة العدالة الجنائية بوجه عام. إن الأمر لا يتعلق ’بترقيع‘ ما لدينا من قوانين، وإنما بإجراء إصلاح جذري للقانون الجنائي بوجه عام.

حتّى المُطالبة بالإعدام تبدو حلًّا ترقيعياً في ظل واقع مأزوم، إذ أن روح القانون تكمن في حماية النفس البشرية لا في إزهاقها. أن تكره الشر وتحتقر الجريمة هو أمر مطلوب، لكن في الوقت ذاته، لا تحتقر ولا تكره المُجرم.

لاشك في كون التفاوت الطبقي من شأنه أن يؤدي إلى تفشي الفقر والظلم، ومن ثم زيادة من معدلات الجريمة إلى درجات مخيفة. لكن السُّؤال: هل تفي المُمارسات العقابية بالغرض المطلوب؟!

في السنوات الأخيرة، ومع كل جريمة تطفو على السطح، سرعان ما تتحرك موجة من ردود الأفعال في العالم الإفتراضي. مع كل حادث مأساوي، تنتج كمية انفعالات عاطفية للمطالبة بتصحيح الوضع، لكنها تظل قيد التنفيس اللَّحظي دون أثر يذكر على أرض الواقع، في الوقت الذي يجب فيه تغيير الواقع المُعاش لدرء أسباب ومسببات الجريمة.

اقرأ أيضا: الجائحات… مصائب الفقراء عند الأثرياء فوائد!

هنا، ربّما، جاز الحديث من ناحية أخرى عن فكرة “ترشيد العقوبة” كما عند سيزاري بيكاريا. بالنسبة إلى بيكاريا، فإن مشروع ترشيد العقوبة كان ينطوي على معنى إصلاحي عميق؛ حيث كان يعني الانتقال من مجتمع يُمارس العقوبة كوسيلة للهيمنة الجماعية إلى مجتمع تمثل فيه العقوبة مجرد ملاذ أخير ومتناسق لمنع الجريمة من الأساس.

بمعنى آخر، يُطالب بيكاريا بأقل تدخل عقابي في مقابل تقديم الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية كجزء من “الحزمة التعاقدية”. ومن ثم، فإن الجريمة – من وجهة نظره – تمثل في جوهرها خرقا لهذا العقد الاجتماعي، وليست خطيئة بالمعنى الكهنوتي.

من هنا، يتطلب الأمر تدخلا قويا وفعالا من قِبل الدولة لضمان حقوق الأفراد على قدم المساواة والتخفيف من الجريمة من خلال نشر التعليم وتقديم الخدمات؛ ومن تم تحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية وقليل من العقاب الجنائي.

… ويبقى هذا المقال دعوة مفتوحة لإعادة قراءة جدلية الجريمة والعقاب على ضوء الواقع الإجتماعي في علاقته بالعقاب الجنائي.

_______________

(*) سيزاري، ماركيز بكاريا بونيزانا: (12 مارس 1738 –  28 نوفمبر 1794) وهو أخصائي إيطالي في علم الجريمة، وفقيه قانوني وفيلسوف وسياسي، وأحد المفكرين في عصر التنوير. يشتهر بأطروحته حول الجرائم والعقوبات (1764) التي أدانت التعذيب وعقوبة الإعدام وكانت عملاً مؤسساً في مجال معاملة المجرمين.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: نصف الكأس الفارغ… نصف الكأس غير المملوء!

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *