×
×

في الحاجة إلى كمال جنبلاط؟؟

إن اعتدال وليد جنبلاط، عكس أبيه، كان من النوع الطوباوي أو العفوي. ليس فقط من حيث فشله في المحافظة على وحدة الحركة الوطنية، بل أكثر من ذلك، لأن فشله يؤكد طبيعة العمل السياسي بلبنان الذي يخضع لعوامل التّشردم والتّفرد والنّزق، سواء بصفوف اليسار أو اليمين، أكثر مما يخضع لعوامل الجمع والتواصل والتّوحيد، كما هو حاصل اليوم.

عبد الله راكز

1\ في عنفوان السياسة:

كان كمال جنبلاط خلال سنوات قيادته للحركة الوطنية اللبنانية (قبل وإبان الحرب الأهلية اللبنانية) يحظى بالإحترام والتقدير وأحيانا الرهبة والسّطوة بين كافة الأطراف المنضوية في إطار الحركة الوطنية.

قد يحدث أن تُبدي بعض الأطراف مواقف مُعْترِضة، غير أن هذا الإعتراض لايصل إلى حدود الانفعال والخروج إلى الشارع.

الدافع إلى الخوض في هذا البورتريه، مايشهده لبنان من تجاذبات وتناقضات داخلية وتدخلات خارجية تُعوّق بشكل فاضح، تطلّعاته إلى قيام دولة / وطن غير فئوي /طائفي ، بكيانية مستقلة؛ وافتقاده لزعامة كاريزمية وطنية على شاكلة المرحوم كمال جنبلاط تلمّ شتات قواه التقدمية وتوحّدهم (بتفكيره النّير) نحو الأهداف المرجوة بالمرحلة الراهنة الحرجة.

لسنا هنا من دعاة الزعامة السياسية الفردانية أو ما شابه، بل فقط لتبيان وبناء على التجربة مايلي:

اقرأ أيضا: الطائفية في لبنان… من الجذور إلى المأساة 5/1

1/ إن جنبلاط هو الزعيم الوحيد إذاك الذي كانت ممارساته أقرب ما تكون إلى التّوفيقية. فهي كانت من جهة، تُلبي طموحاته المؤمنة بالقومية العربية وبالاشتراكية المُعتدلة وبلبنان المستقل والمتجاوب مع الأماني العربية. من جهة ثانية، كانت ممارساته تتوافق وتنسجم مع  دوره في السياسة اللبنانية المحلية ودائرتها الطائفية الضيقة في لعبة التنافس على الحكم وتقاسم مقاعد الوزارة ومجلس النواب!!

2/ اعتمادا على ما سبق، ظل كمال جنبلاط الزعيم الوحيد بلبنان الذي استطاع بسلاسة أن يتجاوز دائرته الطائفية الضيقة (الطائفة الدرزية)، ليكون امتدادا شعبيا واسع النطاق بفعل ما كان يطرحه في الساحة السياسية اللبنانية من مبادئ؛ وبفعل ما كان يُجسّده في الواقع (وهذا هو الأهم) من تطلع لبناني شعبي إلى تجاوز كل الرواسب والعوائق التي تحول دون انصهار اللبنانين في بوثقة شعب واحد متماسك.

اقرأ أيضا: الطائفية في لبنان: إلى ما بعد الاستقلال… خطأ تاريخي أم استمرار للعنة؟ 5/3

لقد كان نمو اليسار اللبناني مع تنامي قدرة الفصائل الفلسطينية لافتا لانتباه كمال الذكي. بل أنه سعى إلى استقطاب فصائل اليسار النامية ونشر مظلته الحامية والراعية لها بمختلف الوسائل، ولعل أبرزها الترخيص لعدد منها لما كان وزيرا للداخلية؛ ثم احتضانه للمقاومة الفلسطينية ولحركة اليسار اللبناني (أين نحن منه الآن؟) بقوة منذ بداية السبعينات، تلك العلاقة التي تطورت إلى ارتباط جبهوي مع بداية سيطرة العنف كأسلوب سياسي للتعامل في الساحة اللبنانية والذي بلغ ذروته كما هو معلوم بانفجار الحرب الأهلية العام 75.

2/الإبن في غياب الأب:

من الظلم تحميل وليد جنبلاط الإبن مسؤوليةَ ما آلت إليه الحركة الوطنية اللبنانية بعد غياب أبيه، فهو كان بعد وفاة والده في الثلاثينيات من عُمره، ولم يسبق له أن مارس السياسة، بل كان (وفق مصادر متعددة) يُظهر بالأحرى البُعد عنها بالرغم من محاولات والده لدفعه إلى خضمها.

غير أنه، وما إن وجد نفسه فجأة يتحمل مسؤولية زعامة العائلة الدرزية والحزب، حتى اندفع في غمارها مظهرا نوعا من الحنكة والليونة في التعامل السياسي المُعتدل قصد التوصل إلى وفاق لبناني-لبناني.

اقرأ أيضا: الطائفية في لبنان… جيل جديد: هل تسقط الأسطورة؟ 5/5

غير أن ما سبق لا يمنع من القول إن اعتدال وليد جنبلاط، عكس أبيه، كان من النوع الطوباوي أو العفوي. ليس فقط من حيث فشله في المحافظة على وحدة الحركة الوطنية (أين هي الآن؟؟)، بل أكثر من ذلك (وهذه حقيقة)، لأن فشله يؤكد طبيعة العمل السياسي بلبنان الذي يخضع لعوامل التّشردم والتّفرد والنّزق، سواء بصفوف اليسار أو اليمين، أكثر مما يخضع لعوامل الجمع والتواصل والتّوحيد، كما هو حاصل اليوم.

هنا إذن الفرق بين الإبن والأب والحاجة إلى الأخير.

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *