×
×

من نيويورك ــ هشام الرميلي يكتب: نيويورك التي في خاطري… وهي ذابلة، لم تخلع ثوبها الشفيف

نيويورك الصاخبة والمتوهجة، الواثقة والمتغنجة… لم تعد كذلك منذ أسبوعين.
لم تخرج إلى الشوارع… لم تشرب قهوة الصباح… ولم تمارس غوايتها في الحب.
نيويورك… حتى وهي ذابلة، لم تطفئ الأنوار.
حتى ونقيع السم يسري في الأزقة والشوارع… حتى وهي تذبل وتنكمش وتتقلص أوصالها ويخفت وهجها، لم تخلع ثوبها الشفيف ولم تسدل الأستار…

هشام الرميلي

نيويورك لا يطرف لها جفن، ولا يهدأ لها خاطر،

منتفضة ومتيقظة دائما، كأنما حيوية العالم وطاقته كلها… اجتمعت فيها.

لا تطفئ أنوارها ولا تسدل أستارها… دبيب الحركة لا يهدأ والحياة فيها لا تنطفئ… حركتها السريعة والمتوثبة، لا تستطيع الأنفاس اللاهثة اللحاق بها…

لا يشبع أحد من نهر الحياة المتدفق في شوارعها… ولا يقاوم أحد غوايتها الفاتنة.

لا تستطيع أن تظل نبيا أو قديسا، حين تكشف نيويورك عن مفاتنها، ولا تستطيع أن تفيق من الخدر حين تصاب بسهام غوايتها…

لا ترد أحدا ولا تكسر خاطرا… تفتح ذراعيها بحب ولا تتردد… شرطها الوحيد أن تكون أنت عاشقا للحياة… لا تسألك عن ماضيك، ولا حتى عن اسمك… لا يهمها من أين أتيت، ولا تريدك أن تخبرها عن قصتك. حسبها أنك ها هنا الآن بين ذراعيها، ويكفيها أنك مستعد لتجرب الحب…

نيويورك لا تستحي في الحب، تجرب معك كل أساليب العشق وتعلمك أكثر… إن كنت مرتبكا أمسكتك من يديك الباردتين، ونفخت فيهما من حرارتها لتهدئ من روعك… وإن كنت خجولا نظرت هي في عينيك… وإن كنت لا تحسن الغواية رمت بنفسها بين ذراعيك…

نيويورك لا تعرف حدودا في الحب، لا تخجل مما تفعله، منسجمة مع نفسها… ولا تضع قواعدا للعشق، لا تركن إلى زاوية ولا تختفي وراء الأستار، لا يهمها ما يظن الناس بها، ولا يقلقها فضول المتلصصين ولا هرطقات الوعاظ المنتشرين في ساحاتها… تفعل ما تشاء وأمام الجميع.

لا تطفئ أنوراها… ولا تبدل من ثوبها المثير الشفيف…

غير أن نيويورك الصاخبة والمتوهجة والواثقة والمتغنجة… لم تعد كذلك منذ أسبوعين.

لم تخرج إلى الشوارع… لم تشرب قهوة الصباح… ولم تمارس غوايتها في الحب.

لم يلهث وراءها العاشقون… لم تكشف عن ساقيها ولم تضع المساحيق… لم ترش فوق جيدها، عطرها الساحر المدوخ… لم يسمع أحد طرق كعبها العالي فوق الرصيف…  ولم يتطاير شعرها المجنون في الهواء.

لم ترقص في ساحة “تايمس كوير”… ولم تلق بثوبها الشفيف لتستحم عارية في الوادي الشرقي…

لم يرها أحد وهي تقوم بجولتها الصباحية في “سنترال بارك”… ولم تظهر في محطات المترو والباصات…

نيويورك أخلفت، لأول مرة، مواعيدها الغرامية مع عشاق مسارح “البرودواي”… ومع الحالمين بطرفة غنج ودلال في مطاعمها وحاناتها… ألغت كل مواعيد الموسيقى والفرح، ولن تستطيع أن تتهادى مع عشاقها في رقصة على أنغام كلاسيكية لفرقة “أوركسترا نيويورك” كما تعودت أن تفعل …

ولن يستطيع العشاق أن يهمسوا في أذنها كما تعودوا “بأنها كنز وبأنها… أجمل ما شاهدوا من لوحات”.

في نيويورك… لن يصدق عشاق كرة السلة والهوكي أنها أقفلت في وجههم قاعات “ماديسون سكوير غاردن”… ولن يصدق المصلون أنها أقفلت في وجههم الكنائس والمعابد، هي التي ترفع يديها إلى السماء مع كل صلاة، وتؤمٍّن وراء كل دعاء …

ولن يصدق البوهيميون والمتشردون والمعربدون أنها… أقفلت شوارعها وأنهم لن يتوسدوا صدرها ويبيتوا في عرائها…

نيويورك، حتى وهي ذابلة، لم تطفئ الأنوار…

حتى ونقيع السم يسري في الأزقة والشوارع… حتى وهي تذبل وتنكمش وتتقلص أوصالها ويخفت وهجها، لم تخلع ثوبها الشفيف ولم تسدل الأستار…

نيويورك لا تحزني!

لن يتأخر العشاق … ولن ينسوا قصص العشق والقبل الحارة. لن ينسوا خطوات الهزيع الأخير من الليل في شوارعك الفسيحة… ولن ينسوا حرارة اللقاء الأول…

لن ينسوا حضنك الدافئ…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *