×
×

#ألف_حكاية_وحكاية: طفلة تلاعب الموت… لتصنع العالم!

كانت الحياة استحالة. كنت وإياها دائرتان متخارجتان لا تلتقيان. استحالة أن أعبر عما بداخلي من فجيعة: خوف وقلق لا ينقطعان. استيقظت بعد الكوما وغسل المعدة من السم. كلمة واحدة قلتها:

_ لماذا أنقذتموني؟ سأعيد الكرة وسأنجح في المرة القادمة.

استولت عليّ فكرة الموت. لا أريد أن أعيش في هذا العالم، لا شيء مما تقترحونه علي يناسبني: أسرة مختلة حيث العنف والاحتقار، مجتمع غبي منافق وجاهل، سلطة ظالمة، ملك ظالم، أب قاهر وأم قاتلة وإخوة يودون لو يضعوني في الجب، مثل إخوة يوسف.

في عالم الأوغاد كنت الضحية المناسبة. كان عليّ أن أواجه حقد أسرة بكاملها. حتى جدتي لا تحبني. الجدات حنونات كما أقرأ في القصص، لكن جدتي تنعتني بأقدح الأوصاف وتشمئز من رؤيتي. أمي لا تنظر إلي. هل أنا ذميمة إلى ذلك الحد؟ هل أنا سيئة؟

لا أعرف لماذا كل هذا الحقد ضد طفلة، لم ترتكب ذنبا سوى أنها مرهفة الإحساس أكثر من اللازم. في عالم الأوغاد كنت الضحية المناسبة. كان عليّ أن أواجه حقد أسرة بكاملها. حتى جدتي لا تحبني. الجدات حنونات كما أقرأ في القصص، لكن جدتي تنعتني بأقدح الأوصاف وتشمئز من رؤيتي. أمي لا تنظر إلي. هل أنا ذميمة إلى ذلك الحد؟ هل أنا سيئة؟

لم أستطع حتى طرح هذا السؤال. لم أكن أستحق أن أطرحه.

كنت أكتفي بتنفيذ الأوامر في الغسل والطبخ طيلة اليوم. لا أريد أن أغسل أوساخ الآخرين. أريد أن يكون لي سرير، مكتب… وأريد أن أقرأ. هل تفهمين يا أمي؟

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: سنطرد المومسات…

أريد بعض الوقت والهدوء لأقرأ، أن أكتب، أن ألتقي أناسا يحسون بي. أريد أن أتكلم أمام الآخرين، أن أقول لهم إن هذا العالم لا يناسب أحدا… وأن علينا أن نحلم بعالم أفضل. عالم فيه بعض الأمان، بعض الحنان.

تعبت من كل شيء في سن مبكرة. اجتهدت في التوافق مع العالم إلى أن تعبت روحي الصغيرة. الطبيب قال: “صغيرة هي على كل هذا اليأس”. لكن، من سمع الطبيب؟

في البيت استمرت الأمور كما هي: زعيق وجوع وإرهاق للأعصاب. نفس الرغبة العارمة بداخلي في عالم مختلف، عالم فيه شعر وموسيقى وأطفال يضحكون. لم تكن تلك الأشياء ضمن برنامج الناس الذين أعيش معهم. في البيت استنزاف، وفي الخارج ديكتاتور التهم حياة شعب بكامله وأبقاه رهن الجوع والجهل والظلام. في البيت حرب، وفي الخارج إمام يحرم القبلات ويقول إن نصف المجتمع ناقص عقل ودين.

تشبثت بقلبي المفعم بالمشاعر وحافظت على حلمي بعالم أجمل، أجمل هناك… في اللامكان، حيث الهدوء والسكينة. عالم سعيت إليه بكامل يأسي. شربت السم لأصل إليه بسرعة، لأكون زهرة فوضوية تنبت على جنبات قبر بدون شاهد.

أين مكاني في هذين العالمين؟ أين حصتي من الحب والأمان؟ أنا أيضا طفلة، وأريد تلك الأشياء التي يتحدثون عنها في القصص. أريد أما وأبا يتفاهمان. أريد جدة تحكي لي الحكايات. أريد مدرسة ليس فيها ضرب. أريد شارعا نظيفا. أريد إماما يقدر عقلي وكفاءتي. أريد ربا رحيما وهم يقترحون عليّ ربا شديدا وذو انتقام. أين سأجد الحب، إن لم أجده بالقرب من أم، من أب، من ولي، من إله؟

كان عليّ أن أحيا حياة بدون حب، بدون إنسانية.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: الشيخ “لـ” والحريم: دعارة حلال؟

 كان عليّ أن أتجرد من كل رغباتي، من أحاسيسي المتدفقة. أن أتجرد من إنسانيتي لأصير أوتومات بدون قلب.

تشبثت بقلبي المفعم بالمشاعر وحافظت على حلمي بعالم أجمل، أجمل هناك… في اللامكان، حيث الهدوء والسكينة. عالم سعيت إليه بكامل يأسي. شربت السم لأصل إليه بسرعة، لأكون زهرة فوضوية تنبت على جنبات قبر بدون شاهد. ماذا سيكتبون على الشاهد؟

” هنا ترقد طفلة، عاشت طفلة لم يفهمها العالم ولم تفهمه. كانت هي والعالم دائرتان متخارجتان”.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *