×
×

في ذكرى اغتياله، حسين الوادعي يكتب: هل كان لفرج فودة مشروع فكري؟

كنت بصدد كتابة بحث طويل عن المشروع الفكري لفرج فودة، ووجدت أنه من المؤسف أن أغلب قُراء فودة ومحبيه، لم تتح لهم الفرصة للتعرف على الملامح العامة للمشروع الفكري للمفكر …

كنت بصدد كتابة بحث طويل عن المشروع الفكري لفرج فودة، ووجدت أنه من المؤسف أن أغلب قُراء فودة ومحبيه، لم تتح لهم الفرصة للتعرف على الملامح العامة للمشروع الفكري للمفكر الشهيد؛ لظروف معقدة، من ضمنها عدم توفر كتبه كاملة للقراء وعدم طباعتها في تسلسل زمني متكامل يوضح اتجاهات تطور الأفكار والأساليب والمعارك.

لهذا، ساد انطباع عن كتابات فرج فودة ككتابات لحظية مفككة هي ابنة لحظة وابنة التحدي والاستجابة… التحدي الذي يطرحه الخصم الإسلامي، والاستجابة الذكية اللماحة في أسلوب كتابة فرج فودة السهل الممتنع أو أسلوب خطابه الجماهيري.

نعم، كان لفرج فودة مشروع فكري واضح، ويبدو لي أن أبعاد المشروع ومجالاته قد اكتملت في عقل الشهيد، في لحظة ما من عام 1984، وهو العام الذي بدأ يكتب فيه أول مقالاته في مواجهة مشروع الدولة الدينية أو التدين السياسي، وهو المشروع الذي أخذ من فرج فودة بقية حياته وجهده وأفكاره.

بناء على هذه الصورة المتخيلة للعصر الذهبي للخلافة، طرحت قوى الإسلام السياسي تصورها عن النظام السياسي الإسلامي على شكل عودة الخلافة الإسلامية التي ستعيد الحضارة الإسلامية من جديد.

كان مشروع فرج فودة سلسلة من المعارك في جبهات متعددة تصب كلها في هدف واحد.

إذا كان لكل مفكر فكرة محورية يتمحور حولها مجمل إنتاجه، مهما تنوعت عناوينه وطروحاته، فإن الفكرة الرئيسية لفرج فودة كانت مواجهة مشروع الدولة الدينية التي كانت استكملت مجالات قوتها في ثمانينيات القرن الماضي.

توزعت معارك فودة الفكرية على أربع جبهات، كل جبهة هي مواجهة شجاعة بالقلم والفكرة ضد أحد أذرع الدولة الدينية التي كانت تتوسع وتنتظر القطاف في مصر.

الجبهة الأولى لمشروعه الفكري كانت جبهة تطبيق الشريعة. كانت صيحات تطبيق الشريعة الإسلامية قد تحولت إلى “أم المعارك الفكرية” والسياسية في الثمانينات والتسعينات.

بلغ من قوة أطروحات تطبيق الشريعة آنذاك أن تحولت إلى مسلّمة من المسلّمات التي لا يجرؤ حتى المثقفون العلمانيون واليساريون على رفضها بشكل مباشر.

لكن فودة قرر المواجهة الفكرية واعيا أن تهرب المثقفين من المواجهة هو الخطأ الذي سيمكن مناصري الدولة الدينية من تحقيق مشروعهم، وكان السلاح الرئيسي لهذه الجبهة كتاب “قبل السقوط” الذي نشر طبعته الأولى عام 1985.

الجبهه الثانية التي خاض غمارها فرج فودة في مواجهة تغول الإسلام السياسي، هي جبهة “الخلافه” أو “النظام السياسي الإسلامي”.

من المضحكات المبكيات أن نهاية فرج فودة ستكون في تفاصيلها ترجمة لتحليله العميق لظاهرة الإرهاب المادي والمعنوي، كأحد أذرع تحقيق مشروع الدولة الدينية.

كانت فكرة الدولة الدينية شائعة في أوساط الجماهير في إطار التحشيد الديني والجماهيري الذي قامت به الجماعات الإسلامية في عصر “الصحوة الاسلامية”؛  وكانت فكرة “الدولة الإسلامية” نابعة من تصور مثالي عن الخلافة، سواء في عصر الخلفاء الراشدين أو في عصر الدولة الأموية والعباسية والعثمانية.

بنيت هذه الصورة المثالية على تاريخ وهمي لـ”مدينة فاضلة” سادها العدل والأمان والرفاه. بناء على هذه الصورة المتخيلة للعصر الذهبي للخلافة، طرحت قوى الإسلام السياسي تصورها عن النظام السياسي الإسلامي على شكل عودة الخلافة الإسلامية التي ستعيد الحضارة الإسلامية من جديد.

هناك اعتقاد بأن كتاباته ضد شركات توظيف الأموال وفضح أساليبها كانت السبب الرئيسي في اغتياله سنة 1992

كان فودة يري أن الحل الأمثل لمواجهة الصورة المثالية الزائفة عن الدولة الدينية، هو تحطيم الصورة المثالية الزائفة عن الخلافة، عبر العودة الى تاريخ الخلافة الإسلامية في أزهى عصورها، وتقديم صورة موثقة وبسيطة ومحكمة عن استبدادية تلك الخلافة وعجزها عن حل كافة المشاكل السياسية التي يفترض بأي سلطة أن تحلها، كمشكلة انتقال السلطة ومشكلة الثروة ومشكله الحريات.

كان سلاحه في هذه الجبهة كتاب “الحقيقة الغائبة” الذي صدرت طبعته الأولى عام 1986 وسيصبح واحدا من أهم الكتب في القرن العشرين وأكثرها شهرة وجرأة.

أما الجبهة الفكرية الثالثة ضد مشروع الدولة الدينية وضد طموحات الإسلام السياسي، فهي معركة فودة ضد الإسلام الثروي حسب تعبيره، أو المؤسسات المالية والأذرع المالية لحركات الإسلام السياسي، خصوصا في البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال.

كانت هذه واحدة من أصعب الجبهات وأوعرها، خصوصا أنه خاض هذه المعركة على مستوى النصوص وعلى مستوى المؤسسات؛ حيث كان هذا أسلوبه المميز في المواجهة، فهو لم يركز على النص فقط كما فعل مفكرون كبار كحسين أحمد أمين وخليل عبد الكريم وسيد القمني، بل ناقش النصوص وفند الوقائع ولاحق المؤسسات وفضح الممارسات والتطبيقات. بل أن هناك اعتقادا بأن كتاباته ضد شركات توظيف الأموال وفضح أساليبها كانت السبب الرئيسي في اغتياله سنة 1992.

بلغ من قوة أطروحات تطبيق الشريعة آنذاك أن تحولت إلى مسلّمة من المسلّمات التي لا يجرؤ حتى المثقفون العلمانيون واليساريون على رفضها بشكل مباشر

بينما يرى آخرون أن المناظرة الشهيرة في معرض الكتاب التي جرت في 7 يناير 1992 في مواجهة محمد الغزالي ومامون الهضيبي ومحمد عمارة كممثلين للجانب الإسلامي، هي السبب الرئيسي في اغتياله بعد نجاحه في تفنيد طروحات الدولة الدينية ببساطة جعلت اسمه يتردد في كل المحافل.

أما الجبهة الفكرية الرابعة من مشروع فرج فودة الفكري لمواجهة مشروع الدولة الدينية، فكانت جبهة مواجهة الإرهاب فكرا وجماعات. كان سلاحه في هذه الجبهة كتاب “الإرهاب” الذي صدر عام 1987 وفند فيه أساليب واستراتيجيات الإرهاب؛ تلك الأساليب التي ستستخدم حرفيا في التحريض عليه قبل اغتياله، وفي واقعة اغتياله…. وستستخدم أيضا للتضليل والتغطية على الإرهاب بعد اغتياله؛ وهي عملية التضليل التي سيشترك فيها من حاورهم وجها لوجه أو على صفحات الجرائد، من أمثال الشيخ الغزالي ومحمد عمارة وفهمي هويدي.

كان فرج فودة يرى أن مشروع الدولة الدينية يتحرك بأربعة أذرع عملاقة. الذراع الأول هو الذراع القانونية السياسية عبر فكرة تطبيق الشريعة وأسلمة القوانين، وعبر هذه الذراع الضخمة كان الإسلاميون يطمحون لوضع الصبغة الدينية على القوانين، ليتمكنوا من السيطرة على السلطتين التشريعية والقضائية ومن القضاء على القوانين المدنية التي تتيح فسحة من الحريات.

“الأسلمة من تحت”، بتديين القوانين وفرض التعليمات الدينية على المجتمع عبر المدارس وعبر التحكم في الإعلام والشارع والأسرة لم تكن كافية. كان لابد من استكمالها عبر “الأسلمة من فوق”. وكان السلاح الاستراتيجي للأسلمة من فوق هو فكرة دولة الخلافة أو عودة الخلافة أو الدولة الدينية؛ وهذا هو الذراع الثاني لمشروع الدولة الدينية.

ولكي تكتمل عمليتا الأسلمة من فوق والأسلمة من تحت، كان لا بد من استراتيجية مكملة هي “الأسلمة من الجانب”، عبر خلق اقتصاد مواز هو الاقتصاد الديني كذراع ثالثة ضخمة لمشروع الدولة الدينية.

لكن هذه الاستراتيجيات الثلاث كان لابد لها من سلاح يحميها…. سلاح فعال وصارم وبتار. سلاح لا يمكن مواجهته أو الوقوف أمامه، وكان هذا السلاح هو الإرهاب. الإرهاب في شكله الفكري عبر التكفير والاتهام بالردة ومعاداة الإسلام والعمالة للاستعمار ولإسرائيل والغرب؛ والإرهاب في شكله المادي عبر الاغتيال. الإرهاب بشقه المادي والمعنوي…

ومن المضحكات المبكيات أن نهاية فرج فودة ستكون في تفاصيلها ترجمة لتحليله العميق لظاهرة الإرهاب المادي والمعنوي، كأحد أذرع تحقيق مشروع الدولة الدينية.

اكتمل المشروع الفكري لفرج فودة خلال خمس سنوات، من عام 1984 الى 1989… في هذه الفترة القصيرة، أخرج فرج فودة ستة من كتبه المعروفة، وهي الكتب التي حملت الأفكار الجوهرية التي طورها لمواجهة مشروع الإسلام السياسي.

هذه الكتب المحورية لفهم مشروعه هي كتاب “قبل السقوط” (1985)، كتاب “الحقيقة الغائبة” (1986)، كتاب “حوار حول العلمانية” (1986)، كتاب “الإرهاب” (1987) وكتاب “الملعوب” (1988).

أما بقية كتبه، فهي تنويعات على الأفكار التي حملتها هذه الكتب. فكتاب “النذير” استمرار لأفكاره في كتاب “ما قبل السقوط” مع ارتفاع نغمة التحذير وقرب أمارات سقوط الدولة المصرية؛ وكتاب “زواج المتعة” هو أيضا استمرار لمعركته ضد تطبيق الشريعة؛ وكتبه الأخرى مثل “نكون أو لا نكون”، و “حتى لا يكون كلاما في الهواء”، و”شاهد على العصر”، فهي عزف سريع على الأفكار التي صاغها في المحاور الأربعة للدفاع عن الدولة المدنية والديمقراطية والحرية، ضد مشروع الاستبداد الديني والإرهاب المسلح.

تعليقات

  1. كريم

    تحليل جميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *