×
×

من اليمن، حسين الوادعي يكتب: أب البنات… في مجتمع يكره البنات!

تربية الفتاة على الاستقلالية في مجتمع تقليدي صراعٌ مستمر… صراع مع الأسرة والمدرسة والمجتمع وصراع مع الذات وتحيزاتها الذكورية وصراع مع الفتاة نفسها وضياعها بين قيم متعارضة ومتناقضة وبيئة عدائية تتغذى كالطفيليات على كراهية النساء ومراقبتهن وتقييدهن.

“أبو البنات” يعرف جيدا معنى تربية البنات على الثقة والاستقلالية في مجتمع يكره النساء ويحتقرهن ويضطهدهن.

تبدأ المأساة من سن السابعة وربما قبل. أنت تحاول أن تزرع فيهن الثقة بالنفس والاستقلالية، والمجتمع يبدأ أول هجماته السيكولوجية: “إنتي بنت”، “إنتي مش مثل الولد”، “إنتي ضعيفة”.

عند الوصول إلى سن العاشرة، تتحول الهجمات السيكولوجية إلى اعتداء لفظي مستمر: “غطي شعرك إنتي كبرتي”، “غطي جسمك… عيب”، “لا تضحكي” ، “لا تجري” ، “لا تلعبي”…

تتلقى الفتاة الصدمات واحدة تلو الاخرى. تفقد تركيزها وانتباهها من كثر اللطمات التي تأتيها من كل اتجاه وتتكيف مع الاضطهاد دون أن تحس.

إذا ما بدأت أول ملامح الأنوثة بالظهور على الفتاة في سن الحادية عشرية أو الثانية عشرة، فهي نقطة النهاية. تراقب المدرسة أبسط ملامح الأنوثة على جسد الطالبات وتتفرغ المدرسات والمديرات لإلقاء الملاحظات الأخلاقية على البنت لكي تغطي “مفاتنها”!!

يتكفل الشارع بالبقية، فتركز كل العيون العابرة على النهد الصغير الذي لا يكاد يظهر، والتكورات البسيطة في جسد البنت… ويبدأ الشارع بإلقاء الشتائم من نوافذ السيارات وظهور الدراجات العابرة “غطي جسمك”، “الله يلعنك”، غطي ط….”.

تلاحظ الفتاة أن تعامل زميلها في المدرسة قد تغير. لم يعد ذلك الصديق البريء والداعم. صار يسخر من صوتها ومشيتها ويتعامل معها بدونية. لقد غسل المجتمع دماغه وهو طفل وأعطاه الكاتالوج المتفق عليه للتعامل مع المرأة “الناقصة”.

تتكفل الأسرة بالباقي بدافع الخوف والقلق. ويكون الاستسلام للأمر الواقع هو الاستراتيجية المتبعة. وما قصر فيه المجتمع، سيكمله البيت بدافع الخوف والرغبة في حماية البنت.

دون أن تعي، تبدأ الفتاة في احتقار ذاتها. كراهية جسدها والخوف من العالم المحيط بها…. تبدأ بالتكيف مع كل ما هو لا إنساني وتحقيري.

من الطبيعي أن يتزوج عليها زوجها. من الطبيعي أن تغطي جسدها احتراما للذكر المتهيج… من الطبيعي أنها تابعة للرجل وخادمة له. من الطبيعي أنها ضعيفة محدودة القدرات مقارنة به!!

مع بداية سنوات المراهقة، يبدأ دور الأقران في تطبيع الفتاة مع الثقافة السائدة: التركيز على المظهر واللباس والزينة والماكياج وإهمال الدراسة.

تكتمل عملية الانفصال بين عالم الذكور وعالم الاناث… عالم الذكور للعمل والدراسة والسلطة والإنجاز والنجاح؛ وعالم الإنات للمظهر والتسلية والاهتمام بالجمال والتسوق والأنشطة التافهة.

تربية الفتاة على الاستقلالية في مجتمع تقليدي صراعٌ مستمر… صراع مع الأسرة والمدرسة والمجتمع وصراع مع الذات وتحيزاتها الذكورية وصراع مع الفتاة نفسها وضياعها بين قيم متعارضة ومتناقضة وبيئة عدائية تتغذى كالطفيليات على كراهية النساء ومراقبتهن وتقييدهن.

وقفت في تأملاتي عند سن 13، وما بعد هذا السن من اضطهاد وتدمير ممنهج يحتاج لآلاف الكلمات…

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *