×
×

محمد عبد الوهاب رفيقي: يريدونها دولة سلطانية لا دولة حديثة

في الدولة المعاصرة، يتم تعريف الناس على أساس المواطنة والولاء للوطن. انتهى عصر الانتماء المذهبي… توجد نسبة مهمة من الكاثوليك بأمريكا، لكن ولاءهم ليس لإيطاليا، بل لوطنهم الأم أمريكا. في فرنسا بروتستانت ولاؤهم لفرنسا الكاثوليكية وليس لأمريكا، كما يجب أن يكون ولاء الفرنسي المسلم لفرنسا وليس للمملكة العربية السعودية.

مع استيلاء طالبان مرة أخرى على الحكم بأفغانستان، تقاطرت التهاني من مختلف إسلاميي العالم، فرحا ليس فقط بخروج الاحتلال الأمريكي، ولكن بعودة الإمارة الإسلامية بأفغانستان.

ما الذي يجعل كل تيارات الإسلام السياسي من السلفية الجهادية يمينا إلى الحركات التي تقدم نفسها معتدلة يسارا، تحتفي بوصول طالبان للحكم؟ هو الحلم التاريخي لهذه الحركات بعودة الخلافة الإسلامية، و “تطبيق الشريعة”. هؤلاء جميعا لا يؤمنون بنموذج الدولة المعاصر، يريدون دولة على النمط السلطاني القديم، وهو ما يجعل الحديث عن هاتين الدولتين والاختلاف بينهما أمرا لازما لتوضيح الرؤية وتحليل المواقف.

هناك فوارق أساسية بين الدولة السلطانية والدولة الحديثة.

يجب الاعتراف بأننا نبالغ كثيرا حين ندعي أن الدولة الإسلامية التراثية حفظت حق الطوائف الإسلامية والأديان الأخرى

في الدولة السلطانية التراثية، تتركز السلطات في يد الخليفة دون غيره من الناس، يختار من يشاء ليستشيرهم، وتكتسي استشارتهم طابعا غير إلزامي.

في الدولة السلطانية، للأفراد أدوار أساسية في إدارة الدولة وتوجهاتها، بل وخاضعة لأمزجتهم في الحرب والسلم، ليس لأحد أن ينكر عليهم ما داموا لم يظهروا كفرا بواحا عليه من الله برهان!!

في الدولة السلطانية، يقوم الخليفة بحماية الدين، ولا تتم هذه الحماية إلا عبر تحجيم دور المذاهب والأديان الأخرى. يجب الاعتراف بأننا نبالغ كثيرا حين ندعي أن الدولة الإسلامية التراثية حفظت حق الطوائف الإسلامية والأديان الأخرى. كتب التاريخ، كما سطرت صفحات مشرقة من التعايش في أوقات معينة وأماكن محددة، طافحة أيضا بقصص التشريعات الظالمة والوقائع الأكثر ظلما.

حتى ابن جرير الطبري، المفسر المشهور، والذي كان سني الاعتقاد، لم يسلم من اضطهاد الحنابلة.

تكفي العودة لكتاب المؤرخ المسلم تقي الدين المقريزي عن مصر للتعرف على ما مارسه المسلمون ضد المسيحيين من اضطهاد. هو منطق كل الدول ذات الهوية الدينية ذلك العصر، ليس بعضهم بأفضل من الآخر.

في الدولة السلطانية، يتم تعريف الناس على أساس اعتقاداتهم: فالمسلم مواطن كامل الحقوق، والذمي يحيا بين ظهراني المسلمين بحقوق أقل، خوفا من أن يعين الدول المعادية. بل أن الدول كانت تصنف مواطنيها حسب مذاهبهم العقدية، فإن كانت الدولة حنبلية يعرف البقية على أنهم “أهل بدع”، فيمنعون من تولي المناصب ومن كسب الثراء الاقتصادي، ومن نشر أفكارهم؛ وإن كانت معتزلية، مُنع الحنابلة وأهل الحديث من كل شيء أيضا ، وإن كانت أشعرية اضطهدت مخالفيها، وهكذا دواليك.

تمييز الناس على أساس الولاء للوطن، يفرض عليها منحهم حقوقا متساوية، إذ إن خدمتهم للدولة تتم على أساس متوازن وعميق الشعور بالانتماء

كان المأمون معتزليا فاضطهد الحنابلة وإمامهم أحمد بن حنبل، وأمر بحبس كل ممتنع عن القول بـ خلق القرآن، ونودي بمقالة الخلق في الخطب وبعد الصلوات، ثم دالت الدولة للحنابلة، فمارست التطهير على كل مخالفيها. حتى ابن جرير الطبري، المفسر المشهور، والذي كان سني الاعتقاد، لم يسلم من اضطهاد الحنابلة.

يحكي ابن الأثير: (وفي هذه السنة –يقصد 310هـ- توفي محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ ببغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين، ودفن ليلًا بداره لأن العامة –يعني الحنابلة- اجتمعت ومنعت من دفنه نهارًا وادعوا عليه الرفض، ثم ادعوا عليه الإلحاد. لم يكن الطبري شيعيا ولا ملحدا. رده للتفسير الحنبلي “للمقام المحمود” بقعود النبي عليه السلام على العرش مع ربه، -وما أفسده من تفسير!-، وتصحيحه لروايات حديث الغدير، كان كافيا لنبذه والهجوم عليه وسط داره وإهدار كل مكانته العلمية الكبيرة.

حتى الأشاعرة كان لهم نصيب من اضطهاد مخالفيهم. لما أحدث عبد الرحيم القشيري الفتنة المعروفة ببغداد عام 469 هـ، أرسل نظام الملك البكري فسب الحنابلة واستخف بهم، وأعلن بينهم عقائد الأشاعرة، وحصلت مواجهات مسلحة بين الطرفين انحازت السلطة فيها لصف الأشاعرة.

الدولة المعاصرة غير هذا كله، تقوم المؤسسات فيها بدور التخطيط لإدارة الدولة عوض الأفراد، ولا يوجد أي مكان لمزاج شخصي، بل تعكس الدولة إرادة الأغلبية.

في الدولة المعاصرة، تقوم السلطة بحماية حق الأفراد في التدين، وتمنع إمكانية تسلط طائفة ما على طائفة أخرى… لكل الحق في ممارسة تدينه! الدولة هنا وجود اعتباري، قد تكون مؤمنة وقد تكون غير مؤمنة وقد تكون محايدة؛ لكنها بالضرورة منتجة لنفس السلوك الذي يحترم الآخرين.

اليوم، لا يستطيع سلفيو الشيعة والسنة أن يستوعبوا الأمر. كل سلفية تسعى لإقامة “دولة الله” التي لا مكان فيها لغير المؤمنين! تعاني الدولة الحديثة في بلداننا معاناة شديدة مع هذه الأصوليات التي تعيش لتطهر الأرض من الآخرين

الدين هنا تحت سلطة الدولة وليس فوقها. متى كان الدين فوق الدولة، أنتج الناطقون بلسانه سلوكات معادية بل ومشينة تجاه من يخالفونهم الرأي.

في الدولة المعاصرة، يتم تعريف الناس على أساس المواطنة والولاء للوطن. انتهى عصر الانتماء المذهبي… توجد نسبة مهمة من الكاثوليك بأمريكا، لكن ولاءهم ليس لإيطاليا، بل لوطنهم الأم أمريكا. في فرنسا بروتستانت ولاؤهم لفرنسا الكاثوليكية وليس لأمريكا، كما يجب أن يكون ولاء الفرنسي المسلم لفرنسا وليس للمملكة العربية السعودية.

تمييز الناس على أساس الولاء للوطن، يفرض عليها منحهم حقوقا متساوية، إذ إن خدمتهم للدولة تتم على أساس متوازن وعميق الشعور بالانتماء.

اليوم، لا يستطيع سلفيو الشيعة والسنة أن يستوعبوا الأمر. كل سلفية تسعى لإقامة “دولة الله” التي لا مكان فيها لغير المؤمنين! تعاني الدولة الحديثة في بلداننا معاناة شديدة مع هذه الأصوليات التي تعيش لتطهر الأرض من الآخرين.

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *