من اليمن. نشوان العثماني يكتب: نحو إعادة قراءة خصوم النبي محمد … من قتل أبا الحكم وعبهلة مرتين؟
دراسة خصوم النبي محمد دراسة علمية، لا يتعارض واحترامه كشخصية مؤسسة للإسلام، فالعقيدة شيء والبحث التاريخي شيء آخر.
المؤمن ينطلق من يقين ديني عكس المؤرخ المنطلق من المصادر والمقارنات وقراءة الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي وُلدت فيها الروايات. ولهذا فإن إعادة قراءة أبي الحكم أو مسيلمة أو عبهلة ليست دعوة إلى تبرئة أو إدانة، مع أو ضد. الأمر دعوة إلى أن نستعيد الإنسان الذي اختفى خلف اللقب وتشويه الصورة، وقد ورثنا أحكاما كثيرة وأسئلة أقل.
الشخصيات المهزومة تاريخيًا ليست تلك التي نعرفها دائمًا من مرويات المنتصر، إذ عادة ما تصل إلينا بعد حذف وإضافة وبهارات خاصة وشكل منمط وموقع آخر من الحكاية.
بين الإنسان الذي عاش فعلًا والشخصية التي بقيت في الذاكرة قد تمتد مسافة هائلة صنعتها قرون من الرواية والتلقين. ومن ذلك، تأتي العودة إلى البدايات كمحاولة ضرورية جدا لقطع هذه المسافة، والمسألة أن نبحث أولا عن الإنسان والواقعة والسياق.
فمن هو أبو الحكم في هذا المنحى؟
أهو “أبو جهل” الذي ورثناه في كتب التراث، أم هو ذاك الرجل الذي كان يعرفه أهل مكة قبل الإسلام بهذا الاسم: أبو الحكم عمرو بن هشام المخزومي؟
من كان هذا الإنسان؟
كيف عاش؟
وكيف أصبح أحد أبرز رجال قريش؟ ولماذا لقبه قومه بأبي الحكم؟ وما الذي كان يمثله داخل المجتمع المكي؟
هل قرأنا سيرته يوما كما قرأنا سيرة محمد، أم اكتفينا بالصورة التي رسمها خصومه بعد انتصارهم؟
هذا ما يراه المرء بالفعل سؤالا منهجيا في قراءة التاريخ، دون قصد الدفاع عن أبي الحكم ولا اعتراض على مكانة النبي محمد عند المسلمين.
لقد تعودنا أن نقرأ التاريخ من نهاياته. نعرف من انتصر ثم نعود لنقرأ الماضي كله بعينيه، حتى يصبح كل من وقف في مواجهته شريرا بالضرورة، وكل من سار معه صالحا بالضرورة. وهكذا تتحول الشخصيات التاريخية من بشر لهم دوافع وتجارب متعددة إلى رموز جامدة لا حياة فيها.
كان أبو الحكم قبل الإسلام من سادات بني مخزوم، إحدى أقوى بطون قريش. تولى شؤونا عامة، وعرف بالفصاحة وقوة الشخصية والحضور السياسي، حتى لُقب بين قومه بـ”أبي الحكم”، وهو لقب لا يمنحه مجتمع قبلي بسهولة، ويعكس مكانة اجتماعية وقدرة على الفصل بين الناس وحل النزاعات.
وحين بدأ محمد دعوته، وجد أبو الحكم نفسه في مواجهة مشروع رأى فيه تحولا جذريا في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي قامت عليه مكة. هنا بدأ الصراع.
قد يختلف الناس في تقييم موقفه، لكن فهم موقفه شيء والحكم عليه شيء آخر. فالرجل لم يولد “أبا جهل”. لقد عاش عشرات السنين قبل أن يدخل في هذا الصراع، وكانت له حياة كاملة وأسرة ومكانة ورؤية للعالم، ثم جاءت المواجهة التي انتهت بموته في بدر.
لكن موته لم يكن نهاية قصته.
ولعل ما يزيد المفارقة دلالة أن محمدا بذاته كان يمنّي النفس بإسلام الرجل في قوله “اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين…”
ولنا أن نتخيل فقط:
لو أن أبا الحكم أسلم، أما كان سيُقرأ اليوم كواحد من كبار رجالات الإسلام وتروى فصاحته وحكمته وقوة شخصيته ومكانته في قريش كمناقب وفضائل؟
لقد مات مرة في ساحة المعركة، ثم مات مرة أخرى في الذاكرة. فالاسم الذي عرف به طوال حياته اختفى تقريبا وحل محله لقب أطلقه عليه خصومه، حتى إن كثيرين لا يعرفون أنه عاش عمره كله معروفا بكنيته “أبو الحكم”.
الأمر متعلق بطريقة صناعة الذاكرة عموما في هذا التاريخ، أي ليس بأبي الحكم وحده.
خذوا مثلا مسيلمة بن حبيب الحنفي.
لا يكاد أحد يعرف عنه شيئا سوى لقب “الكذاب”. لكن الرجل كان زعيما لقبيلة بني حنيفة، إحدى أكبر قبائل الجزيرة العربية وأكثرها تنظيما، وكان يقود مجتمعا واسعا في اليمامة واستطاع أن يجمع حوله آلاف الأتباع، حتى إن حروب اليمامة كانت من أعنف الحروب في تاريخ العرب المبكر. (والحروب لا تُمتدح على كل حال).
المقصود هنا، من المهم جدا الإدراك أن اختزال شخصية بهذا الحجم في كلمة واحدة لا يساعد على فهم التاريخ. هذا بالأحرى يمنع فهمه.
والأمر نفسه يصدق على عبهلة بن كعب بن غوث العنسي المذحجي، الذي اشتهر في كتب التراث باسم “الأسود العنسي”.
لماذا “الأسود”؟
قلما يُذكر اسمه الحقيقي وكأن اللقب -وبهذا المدلول- ابتلع الرجل كله.
كان عبهلة من زعماء مذحج في اليمن، خطيبا مؤثرا وصاحب شخصية قيادية استطاعت -في ظرف سياسي شديد الاضطراب- أن تجمع حولها قبائل واسعة. وفي السنوات الأخيرة من حياة النبي محمد، تمكن من السيطرة على صنعاء وأجزاء كبيرة من اليمن -بعد انهيار النفوذ الفارسي هناك- وأقام سلطة سياسية لم تدم طويلا قبل أن يغتال في عملية شارك فيها خصومه داخل اليمن.
سجله ووقائع تاريخه تؤكد أنه لم يكن “مدع” ظهر واختفى -ولربما كان خصومه الأقرب لما يُوصف به من قبلهم- وقد كان فاعلا سياسيا وعسكريا له مشروع وله مؤيدون وخصوم، وكان جزءًا من مرحلة انتقالية معقدة عاشتها اليمن والجزيرة العربية. ولو أن التاريخ كُتب من جهة أخرى، لقرأنا هذه الشخصيات بطريقة مختلفة تمامًا.
وهنا تكمن القضية.
السرديات المنتصرة تسعى -بعد الانتصار في الميدان- إلى الانتصار في الذاكرة أيضا، لتعيد بذلك تسمية الخصوم وتعيد تعريفهم، ثم تورث هذه الصورة للأجيال حتى تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
وهذه ليست خصوصية إسلامية مع ذلك، لكن يصعب جدا تبريرها باسم الله.
فكم من ملك وصفه خصومه بالطاغية ثم اكتشف المؤرخون لاحقا أنه كان مصلحا؟ وكم من قائد صُنع منه بطل قومي ثم كشفت الوثائق أنه ارتكب من الفظائع ما لم تكن تعرفه الأجيال؟ ولهذا لم تعد المدرسة التاريخية الحديثة تقبل الرواية الواحدة مهما بلغت مكانتها. وهذا مهم من نحو إعادة قراءة كل سردية. ولكل باحث وإنسان أن يسأل دائما: من كتب؟ ولماذا كتب؟ ولمن كتب؟ وما الذي غاب عن الرواية؟
إن احترام النبي محمد كشخصية مؤسسة للإسلام من قبل كثيرين لا يتعارض مع دراسة خصومه دراسة علمية. فالعقيدة شيء والبحث التاريخي شيء آخر.
المؤمن ينطلق من يقين ديني عكس المؤرخ المنطلق من المصادر والمقارنات وقراءة الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي وُلدت فيها الروايات. ولهذا فإن إعادة قراءة أبي الحكم أو مسيلمة أو عبهلة ليست دعوة إلى تبرئة أو إدانة، مع أو ضد. لا. الأمر دعوة إلى أن نستعيد الإنسان الذي اختفى خلف اللقب وتشويه الصورة، وقد ورثنا أحكاما كثيرة وأسئلة أقل.
وربما كانت بداية النهضة الفكرية العربية أن نتوقف عن توريث الألقاب والسرديات الجاهزة والإجابات النهائية والأيديولوجيات المغلقة، وأن نبدأ توريث الأسئلة.
السؤال هو الأهم في مسارات الفهم والقراءة والتأمل وإعادة مطالعة السرديات على نحو مختلف، يسأل ويعارض ويبحث ولا يُسلّم بسهولة بصحة ما ورد. والعكس تماما، لا بد أن يكون المنهج هكذا: كل ما يرد مشكوك فيه أو خطأ حتى تثبت صحته. والتاريخ لا يصبح أكثر صدقًا حين نُقدّس شخصياته أو نُشيطنها. التاريخ ليس معنا ولا ضدنا. التاريخ تاريخ ما حدث وكيف ولماذا حدث. ومعه لا بد أن نمنح كل إنسان حقه في أن يُقرأ في سياقه، وأن يُفهم جيدًا قبل أن يُحكم عليه.
عندها فقط لا قيمة لهذا السؤال:
هل كان أبو الحكم صالحًا أم طالحًا؟ ومثله عبهلة وغيره.
السؤال الأهم ذات القيمة: هل قُرئ هذا الرجل أو ذاك –هذه المرأة أو تلك- على نحو جيد؟ ما القصة إذن كما هي، وما الذي حدث، وأين موقعه/موقعها موضوعيا من كل ما سُرِد؟