من اليمن، نشوان العثماني يكتب: وهم الدين الواحد - Marayana
×
×

من اليمن، نشوان العثماني يكتب: وهم الدين الواحد

الدين الواحد…
هل قال الله لليهودي والمسيحي إن تجاربهم باطلة، أم أن إنسانًا قال ذلك ثم نسبه إليه؟
وإذا كان كل دين قادرًا على الفعل ذاته، وينسب إلى الله حكمًا يلغي غيره، ألا نكون أمام أصوات متعددة تتكلم باسم الإله وتتعارض فيما بينها؟ فأيها صوت الله، وأيها صوت الإنسان؟

في رفض مقولة إن الدين واحد وبقية الأديان شرائع… الأديان قائمة بذاتها، والإسلام واحد منها، ولا يحق الانتقاص من أي دين.

إذا قيل إن الله حسم الحقيقة في دين واحد وألغى ما سواه، فالسؤال الذي يطرأ فورًا ويطرح نفسه بنفسه بلا تأجيل:

أين قال الله ذلك لكل إنسان بلغته وداخل تجربته؟ وأين هو النص الذي يخاطب البشر من داخل وعيهم هم، لا من داخل وعي جماعة جاءت لاحقًا ثم نصبت قراءتها حكمًا عليهم؟

حين ينسب إلى الله حكم شامل على جميع الأديان، فنحن أمام تقويل لله ما لم يقله في وعي الآخرين، أي رفع قراءة بشرية إلى مرتبة المطلق، وهذه قفزة خطيرة تنقل الإنسان من موقع الإيمان إلى موقع الادعاء باسم الله.

هل قال الله لليهودي والمسيحي إن تجاربهم باطلة، أم أن إنسانًا قال ذلك ثم نسبه إليه؟
وإذا كان كل دين قادرًا على الفعل ذاته، وينسب إلى الله حكمًا يلغي غيره، ألا نكون أمام أصوات متعددة تتكلم باسم الإله وتتعارض فيما بينها؟ فأيها صوت الله، وأيها صوت الإنسان؟

هكذا عندما يتحول حكم خاص إلى إرادة إلهية مزعومة، يتحول الدين إلى أداة امتلاك وسلب للحقيقة في آن واحد (تزعم امتلاكها لك وتسلبها عن غيرك)، ويتضخم الإنسان داخل خطابه حتى يتكلم نيابة عن الله، ويمنح نفسه حق تعريف الآخرين من موقع لا يملكه.

ولعلنا بقليل من التفكير والفحص والتأمل نستطيع إعادة التوازن إلى أصله:
كل دين يعبر عن نفسه من داخله، وهذا هو الحد الأدنى من النزاهة المعرفية، وكل تعميم قسري بلا برهان مشترك هو مجازفة فكرية بحق الله والإنسان معًا. والله إله الجميع، وليس إله تعريف يحتكره خطاب واحد.

دينك تجربة تعيشها بوصفها أفقك الخاص في المعنى، وهذا حق أصيل، لكنه يبقى داخل حدوده الإنسانية ولا يتحول إلى معيار عام تقاس به تجارب الآخرين، إذ يقوم العدل على قاعدة صارمة مزدوجة:
ما تقبله لنفسك من حرية الاعتقاد وحق التعريف الذاتي تمنحه لغيرك بالقدر نفسه، وما ترفضه على نفسك ترفعه عن غيرك، وكل ما يختل عن هذا الميزان ينقلب من إيمان إلى فرض يتكلم بلسان حق مزعوم ويصادره.

وما هو لك مما تعتقد، افترض أنه عليك (ومهم جدًا أن تفترض ذلك)؛ لأنك لن تدرك ثقل ما تلقيه على الآخرين إلا إذا ألقيته على نفسك أولًا، وعندها ينكشف الفارق الحاسم بين إيمان يعاش في حدوده بوصفه معنى يخص صاحبه، وادعاء يتجاوز حدوده ليتحول إلى سلطة تفرض نفسها على العالم.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *