من اليمن، نشوان العثماني يكتب: هل كرم الإسلام المرأة حقًا؟ - Marayana
×
×

من اليمن، نشوان العثماني يكتب: هل كرم الإسلام المرأة حقًا؟

يصعب جدًا، من ناحية موضوعية، التعامل مع تلك المرحلة السابقة للإسلام بوصفها كتلة واحدة أو اختزالها في وصف “الجاهلية”.
بالمعنى الإنساني المعاصر، التكريم هو الاعتراف الكامل بإنسانية المرأة وأهليتها وكرامتها ومساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات والفرص العامة، وأن تكون صاحبة إرادة وقرار، ويحق لها التعليم والعمل والقيادة وتولي مختلف الوظائف العامة متى امتلكت الكفاءة والقبول الشعبي.

تقوم السردية الإسلامية الشائعة على أن المرأة قبل الإسلام كانت تعيش حالة عامة من الإهانة وانعدام الحقوق، وأنها كانت تورث وتباع وتدفن حية ولا تملك أي مكانة اجتماعية، ثم جاء الإسلام فانتشلها من هذا الواقع ومنحها التكريم والحقوق.

غير أن القراءة التاريخية الموضوعية تفرض سؤالًا آخر: هل كانت هذه الصورة تمثل فعلًا واقع جميع النساء في الجزيرة العربية؟

تكشف الشواهد التاريخية أن الجواب أكثر تعقيدًا بكثير من الرواية المبسطة المتداولة؛ لأن الجزيرة العربية كانت فضاء واسعًا يضم قبائل ومدنًا وممالك وتجارب اجتماعية متباينة ولم تكن مجتمعًا واحدًا. ولهذا يصعب الحديث عن وضع واحد للمرأة ينطبق على الجميع.

في مكة، على سبيل المثال، كانت خديجة بنت خويلد من كبار التجار وأصحاب الثروة والنفوذ. كانت تملك أموالها وتدير تجارتها بنفسها وتوظف الرجال للعمل في قوافلها التجارية وقد عمل معها محمد نفسه. ووجود شخصية بهذه المكانة الاقتصادية قبل الإسلام يثير تساؤلًا منطقيًا حول مدى صحة القول إن المرأة العربية كانت معدومة الحقوق بصورة مطلقة.

وفي الحياة السياسية والاجتماعية، برزت شخصيات نسائية مؤثرة مثل هند بنت عتبة التي كانت صاحبة حضور قوي في مجتمع قريش وتمتعت بمكانة معروفة بين زعماء قومها. كما عرفت شبه الجزيرة العربية شاعرات وخطيبات كان لهن حضور واسع في الحياة العامة، في مقدمتهن الخنساء التي تعد واحدة من أعظم شعراء العرب وقد اكتسبت شهرتها الأدبية قبل الإسلام وتناقلت القبائل شعرها في الأسواق الكبرى مثل عكاظ.

وفي جنوب شبه الجزيرة العربية، حيث الحضارة اليمنية الأقدم، يحضر اسم بلقيس ملكة سبأ بوصفها رمزًا راسخًا في الذاكرة اليمنية والعربية لامرأة حكمت مملكة مزدهرة. وبصرف النظر عن التفاصيل التاريخية المرتبطة بشخصيتها، يكشف حضور صورة الملكة الحاكمة في تراث المنطقة القديم أن فكرة قيادة المرأة للمجتمع لم تكن مستحيلة أو مجهولة في تاريخ العرب.

كما عرفت أطراف الجزيرة العربية وشمالها نساء من الأسر الملكية والقيادية لعبن أدوارًا سياسية واجتماعية بارزة، منهن هند بنت النعمان ابنة آخر ملوك الحيرة، وهي شخصية مسيحية ارتبط اسمها بالمكانة الرفيعة والثقافة والنفوذ.

هذه الأمثلة لا تعني أن المرأة كانت تتمتع بالمساواة الكاملة مع الرجل أو أن جميع القبائل عاملتها على قدم المساواة، لكنها تؤكد أن الواقع كان أكثر تنوعًا من الصورة التي تصف المرأة العربية قبل الإسلام بأنها كانت مجرد ضحية دائمة لا تملك أي حضور أو تأثير.

أما قضية وأد البنات، التي تقدم عادة باعتبارها الوصف الجامع لحال المرأة قبل الإسلام، فتحتاج هي الأخرى إلى قدر من التدقيق التاريخي.

تشير المصادر إلى وجود هذه الممارسة لدى بعض القبائل وفي ظروف محددة مرتبطة بالفقر أو الخوف من السبي أو اعتبارات الشرف القبلي، لكنها لا تقدم دليلًا على أنها كانت ظاهرة عامة تشمل جميع العرب أو حتى غالبية القبائل. ولو كان الوأد ممارسة شاملة ومنتظمة لاستحال تقريبًا ظهور هذا العدد من النساء المعروفات في التجارة والشعر والسياسة والقيادة الاجتماعية.

وإذا كان الواقع السابق للإسلام متنوعًا، فإن تقييم دعوى تكريم الإسلام للمرأة سيكون اعتمادا على التشريعات التي أقرها، وعلى موقع المرأة في هذه التشريعات مقارنة بالرجل، أي أن المقارنة هنا لن تكون مع أسوأ النماذج الاجتماعية التي كانت سائدة حينها.

بالتالي، فالسؤال المطروح: “هل كرم الإسلام المرأة حقًا؟” سيحتاج نقاشًا جادًا ومعمقًا؛ لأن تكراره بوصفه حقيقة بديهية لا يغني عن فحصه ومعرفة المقصود منه. والتكريم يقاس بالحقوق الفعلية والمكانة القانونية والاجتماعية التي تتمتع بها المرأة. ومن هنا يبرز السؤال: أين يتجلى هذا التكريم؟ فالسماح للرجل بالزواج من أربع نساء لا يمثل تكريمًا للمرأة، وجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل ونصيبها في الميراث أقل من نصيب الرجل لا يمثل تكريمًا، كما أن وصفها في الخطاب الديني بـ”ناقصة عقل ودين” يثير أسئلة إضافية حول معنى التكريم المقصود.

وعليه، يمكننا القول إن الإسلام منح المرأة جزءًا يسيرًا من الحقوق القانونية ومنها نصيبًا محددًا في الميراث وبعض الضمانات الأسرية، لكنه أبقى في الوقت نفسه على تمييز قانوني بين الرجل والمرأة في عدد من المجالات مثل الميراث والشهادة وبعض الأحكام الأسرية. فتصوير المسألة كانتقال من انعدام كامل للحقوق إلى مساواة كاملة لا يعكس الواقع التاريخي ولا الواقع التشريعي.

قراءة التاريخ بعين نقدية تدفع إلى تجاوز ثنائية “الجاهلية” و”التكريم”، والاقتراب أكثر من الواقع الفعلي الذي كان أكثر تركيبًا وتنوعًا وتعقيدًا.

يصعب جدًا من، ناحية موضوعية، التعامل مع تلك المرحلة السابقة للإسلام بوصفها كتلة واحدة أو اختزالها في وصف “الجاهلية”.

بالمعنى الإنساني المعاصر، التكريم هو الاعتراف الكامل بإنسانية المرأة وأهليتها وكرامتها ومساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات والفرص العامة، وأن تكون صاحبة إرادة وقرار، ويحق لها التعليم والعمل والقيادة وتولي مختلف الوظائف العامة متى امتلكت الكفاءة والقبول الشعبي. ومن هذا المنظور، يبقى أي حديث عن تكريم المرأة بحاجة إلى مراجعة ونقاش ما دام لا يعترف بها شريكًا كاملًا ومواطنة كاملة في المجال العام.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *