بيروت التي كتبت نفسها. قراءة في “عيون بيروت، سر اللمعة في العينين” لعزة طويل
حين أغلقت عيون بيروت أدركت أن عزة طويل لم تكتب مرثية لمدينة، بل كتبت وثيقة حياة. وثيقة تقول إن سر اللمعة في العيون ليس بريقا بيولوجيا، بل هي الإرادة الصلبة على البقاء والرؤية والكتابة، حتى حين تحاول كل الانفجارات إطفاءها.
الحب الحقيقي لبيروت ليس الذي لا يرى جراحها، بل الذي يراها كاملة ويقول رغم كل شيء:
هذه بيروتي، وعيونها لا تنطفئ.

في صيف 1993، حملني الحلم إلى بيروت. كانت المدينة تنهض من رمادها، وكان بإمكان جيل كامل أن يؤمن بأن العالم قابل لإعادة الصياغة. لم تكن بيروت مجرد مكان، بل كانت وعدا: وعدا بالتحرر، وبالثقافة، وبالقدرة على تغيير المصير. ومنذ ذلك الحين لم تنقطع صلتي بها، عدتُ إليها مرارا على مدى ثلاثة عقود، أتابع تحولاتها، وأصغي إلى ما يتبدل في ملامحها الظاهرة والخفية. حين قرأت «عيون بيروت» لعزة طويل عام 2026، أدركت أن المدينة لم تغب يوما، بل غيّرت طريقتها في الظهور. وأن هذه الرواية لم تُكتب عن بيروت، بل كتبتها بيروت نفسها، بكل جراحها وعيونها المفقوءة ولمعانها الذي يأبى الانطفاء.
أولا: الإهداء كبيان ـــ الأم والابنة والأصل
لم أقرأ إهداء الرواية مرة واحدة. قرأته ثلاثا.
“إلى الذين ما عادوا الشهود الوحيدين على جنونهم. (تحية إلى رولان بارت)
إلى كلّ عينٍ فُقئت أو شَهَدَت. إلى عبد طويل، يسرى مقدّم، الأصل.
وإلى سيريننا وميلان، دائما”.
كلمة “الأصل” هي التي أوقفتني. ليست “الأم”، ليست “الحب”، ليست حتى “البداية”. الأصل، وهي كلمة تحمل ثقلا معرفيا قبل أن تكون عاطفية. كأنها تقول: منكِ تولّدت الرؤية قبل أن تصير لغة.
يفتح هذا الإهداء ثلاثة آفاق تأويلية متشابكة:
أولها استحضار بارت، بما يحمله من إعلان رمزي لتعدد المعنى وانفلاته من سلطة الصوت الواحد. حين تستحضر عزة طويل بارت في إهدائها، فهي تعلن منذ البداية أن روايتها لن تكون سردية أحادية، وأن المعنى سينتشر بين العيون لا يتمركز في عين واحدة.
وثانيها مركزية “العين” بوصفها مجالا للصراع بين الشهادة والإطفاء، وهو الخيط الدلالي الذي سيسري في كل طبقات الرواية دون استثناء.
وثالثها الإحالة إلى “الأصل”؛ بما يجعل الكتابة امتدادا لذاكرة أعمق من النص نفسه، وسؤالا مفتوحا عن المصدر الأول للغة والرؤية معا.
والإهداء لا ينتهي عند الأصل، بل يمتد إلى المستقبل “سيريننا وميلان، دائما”. كأن الرواية تقف على عتبة بين جذر وأفق، بين من أعطوا الكاتبة لغتها وبين من ستمنحهم هي روايتها.
ثانيا: حوار صامت بين روايتين ـــ الأم والابنة
ما يلفت في معظم القراءات النقدية التي اطلعت عليها أنها توقفت عند العلاقات الداخلية بين الشخصيات، دون أن تنتبه إلى مستوى آخر أكثر عمقا، يتجاوز بنية المتن الروائي إلى ما يمكن تسميته بـ”التناص العائلي في الكتابة”؛ حيث لا يعود النص قائما بذاته، بل يصبح جزءا من سلسلة كتابة تمتد بين نصين حقيقيين: نص الأم ونص الابنة.
يسرى مقدّم ليست مجرد اسم في إهداء؛ هي كاتبة لبنانية مرموقة، وهي أم عزة طويل. وفي روايتها “صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر”، كتبت يسرى مقدم عن ابنتها؛ تلك الابنة التي حذفتها يوما من صورة عائلية ونشرتها بدونها. وقد وصفت يسرى مقدم نصها بأنه “تشكَّل من تلقائه، مختارا لنفسه عمارة هندسية على غير مثال، تبقيه نصا حُرَّاً، سائب الضفاف، فوضوي السياق” وفي هذا الوصف ما يكشف عن حساسية كتابية خاصة، ورثتها الابنة بطريقتها الخاصة.
كتب عباس بيضون عن هذه الرواية قائلا إن الأمومة فيها تتحرك بين ثلاثة أجيال: الجدة المقدسة المعصومة، والأم الممزقة بين الغياب والذوبان، والابنة التي تحذف أمها من الصورة.
ثم جاءت عزة طويل بروايتها وأهدتها لأمها قائلة “الأصل”.
هذا الحوار الصامت بين نصين لا يكاد يُصدَّق في جماله؛ أمٌّ كتبت عن ابنة تحذفها، وابنة ردّت بأن أمها هي جذرها الذي لا ينقطع. ما لم يُقَل في الصورة العائلية، قيل في الرواية. ما أُقصي من الإطار، عاد بوصفه أصلا للسرد ذاته.
وما يزيد هذا التناص عمقا أن كلتيهما التقتا عند رولان بارت؛ يسرى مقدم في “الغرفة المضيئة”، وعزة طويل في إهدائها. وليس هذا التقاء عابرا في مرجع أدبي، فـ”الغرفة المضيئة” هو بالذات الكتاب الذي كتبه بارت حين فقد أمه، ابنٌ يرثي أمه عبر صورة فوتوغرافية، جاعلا من الصورة والغياب والأمومة جوهر تفكيره الأخير. أي أن الأم والابنة لم تلتقيا في مرجع نظري عابر، بل في الكاتب الذي جعل الحزن على الأم فلسفة بأكملها. وهكذا يصبح بارت أرضية ثالثة تقفان عليها معا: يسرى من موقع الأم التي تكتب عن ابنتها الغائبة، وعزة من موقع الابنة التي تُعيد أمها إلى مركز الصورة قائلة: الأصل.
هذا التوارث الأدبي بين أم وابنة ــ كلتاهما تكتبان في الزمن نفسه عن بيروت نفسها وعن بعضهما ــ ليس مجرد تقاطع موضوعات، بل سؤال مفتوح حول من يكتب من، ومن يعيد كتابة من، في هذا الامتداد السردي النادر.
ثالثا: من الحلم الجماعي إلى السرد الفردي
جيلي ــ جيل الستينيات ــ عاش الحلم بصيغة الجمع. كان الحلم كبيرا بقدر ما كانت الهزيمة كبيرة: حلم الوحدة العربية، والتحرر الوطني، والثورة الاجتماعية، وإنسان جديد يصنع العالم على مقاسه. عشنا هذا الحلم بيقين لا يتزعزع، ثم عشنا انكساراته واحدا واحدا، من هزيمة 1967 التي شقّت الوجدان العربي، إلى اجتياح بيروت الذي استقر في الذاكرة كجرح لم يندمل، إلى الحروب العربية ــ العربية التي بدّدت ما تبقى من الحلم المشترك، إلى قمع المناضلين في سجون أنظمة رفعت شعارات التحرر، إلى أوسلو الذي بدا كأنه الإعلان الرسمي عن نهاية اليقين، وصولا إلى انفجار بيروت الذي جاء كأنه الخاتمة الرمزية لعصر كامل، لا لأن مدينة انهارت فحسب، بل لأن وهما قديما انهار معها: وهم أن المدن التي أحببناها يمكن أن تبقى إلى الأبد.
حين وصلت إلى بيروت صيف 1993 لأول مرة، كنت أحمل معي كل هذا الثقل، ثقل جيل رأى أحلامه تتآكل ببطء ولم يجد لغة جديدة يصف بها ما حدث. كنا نتحدث عن الثورة بصوت خفيض، ونحتسي نبيذنا ونشعل سجائرنا على ساحل الروشة، وفي أعماقنا شيء يتساءل: هل كنا على عتبة الوهم طوال الوقت؟
حاولت يوما أن أكتب عن هذا كله في نص سميته “كان لي أصدقاء شيوعيون” وكان محاولة لفهم ما الذي بقي منا بعد أن ذهبت الأحلام الكبرى، وما الذي تركته بيروت فينا حين غادرناها محملين بنبضها وكلماتها غير المكتملة. وصلت يومها إلى جملة واحدة لخّصت كل شيء: “ربما الحلم لا يموت، بل ينهك.”
حين قرأت “عيون بيروت”، وجدت هذه الجملة تسري في روح الرواية كلها، لمياء لم يمت حلمها، لكنه أُنهك. وبيروت لم تمت، لكنها أُنهكت، و”عيون بيروت” تكتب هذا التحول الجذري الذي عاشه جيلي: الانتقال القسري من “نحن” إلى “أنا”، من المشروع الجماعي إلى النجاة الفردية.
لمياء لا تكتب بوصفها جزءا من مشروع جماعي، بل بوصفها ذاتا تستعيد صوتها داخل عالم فقد يقينياته الكبرى. لم يعد السرد أداة لتجميع المعنى، بل وسيلة لحماية ما تبقى منه. الكتابة هنا فعل نجاة فردي، وهذا التحول ليس تراجعا ولا استسلاما، بل هو الشكل الوحيد الممكن للمقاومة حين تنهار الأحلام الكبرى وتتركنا وجها لوجه مع أنفسنا.
ربما لهذا وجدت في هذه الرواية ما لم أجده في كثير من النصوص التي قرأتها عن بيروت، لأنها لا تبكي على الحلم المفقود، بل تسأل بهدوء: كيف نعيش بعده؟
رابعا: سيميولوجيا العين ــ من اللمعة إلى الإنهاك
الرواية تشتغل على مبدأ يمكن تسميته بمنطق التشابه المتكرر، أي النمط نفسه يتكرر في كل المستويات، من الأصغر إلى الأكبر.
في غرفة مغلقة، يحاول رامي ــ الكاتب النرجسي الذي يكبر لمياء بخمسة وعشرين عاما ــ أن يسرق بريق عينيها ويجعله ملكا له. يقول “سأمتلئ بها كل يوم أكثر، حتى تصبح عيناها في عيني، ويصبح بريقهما لي”. هذا ليس حبا مريضا فحسب، هو نموذج مصغر لشيء أكبر بكثير.
وفي شارع مفتوح، تُفقأ عيون متظاهرين طالبوا بكرامتهم. يوثّق كنان بكاميرته هذه اللحظات في معرضه “عين التغيير”، قائلا “العين مدخل إلى الروح، إذا لم تُفقأ.”
لم يكن هذا المعرض بالنسبة إليّ مجرد عمل فني عن العنف السياسي. فقد عايشت بعض تلك المظاهرات، ورأيت عن قرب وجوها أعرفها تعود مثقلة بالخوف وآثار القمع. وما زلت أحتفظ بصور موثّقة لأصدقاء تعرّضوا لعنف شديد في تلك الأيام؛ صورٌ بدت كأنها الامتداد الواقعي لما أراد كنان قوله: حين تُستهدف العين، لا يُصاب الجسد وحده، بل تُصاب الروح أيضا.
وفي مدينة بأكملها، ينفجر المرفأ في الرابع من آب/أغسطس 2020 فيحطم كل زجاج في بيروت، ليس الزجاج المادي فحسب، بل الحاجز الذي كان يفصل الداخل عن الخارج. حين نفد الزجاج من أسواق بيروت، وجدت الشخصيات نفسها عارية أمام حقيقة علاقاتها، بلا حواجز تقي من البرد أو من الحقيقة.
النمط واحد في كل مستوى: سلطة تسعى لإطفاء لمعة ما، لمعة عيني لمياء، ولمعة عيون المتظاهرين، ولمعة روح المدينة. واللمعة لا تنطفئ دفعة واحدة، بل تخفت تدريجيا. وهذا هو الإنهاك الحقيقي الذي تكتبه الرواية: ليس الموت المفاجئ، بل الاحتراق البطيء.
خامسا: معركة السرد ــ من يملك الحكاية؟
تطرح “عيون بيروت” سؤالا فلسفيا عميقا لا يُطرح صراحة بل يسري في عروق الرواية كلها: من يملك الحق في كتابة حياة الآخر؟
رامي كتب لمياء في روايته “لعنة الحب”، فاضحا تفاصيل علاقتهما، مُحوّلا إنسانة إلى شخصية، مستعيرا حياتها ليزيّن نصَّه. هذا ليس خيانة عاطفية فحسب، هذا استعمار سردي؛ يريد أن يكون المؤلف الوحيد لحياتها، تماما كما أرادت السلطة كتابة مصير المدينة بوصفها عقارا مستباحا.
لمياء ترد في خاتمة الرواية ــ التي هي في الوقت نفسه بدايتها الزمنية ــ بكتابة روايتها الأولى. تقف أمام الجمهور وتقول “لم أكتب لأختبئ في شخصياتي”. الكتابة هنا ليست علاجا نفسيا ولا انتقاما، إنها إعلان سيادة على الذات، استرداد الحق في أن تكون مؤلفة حياتها لا شخصية في رواية غيرها.
وهذا بالضبط ما فعلته عزة طويل حين صاغت روايتها، ردّت على كل سردية أحادية بسردية متعددة العيون، لا مركز لها ولا صوت واحد يهيمن عليها. مثلما ردَّت لمياء على رامي، ردت الابنة على كل من حاول كتابتها بدلا منها.
سادسا: الكتابة ضد الفوضى
حين ينفجر المرفأ، تستسلم بيروت لما يسميه علماء الفيزياء بالقصور الحراري (Entropie) ذلك الميل الكوني نحو التشتت وتفكك النظام. كل شيء يتبعثر: الزجاج، العائلات، الأحلام، اليقينيات.
وحتى البناء الشكلي للرواية يوحي بهذا التشظي الزمني. فالفصول الأربعة الأولى لا تتقدم زمنيا بشكل خطي، بل تبدأ بـ 2022، ثم تعود إلى 2018-2019، لتقفز إلى 2005 قبل أن تعود مجددا إلى 2019، ثم تختفي السنوات ليحل محلها ترقيم مجرد يمتد حتى الفصل الثالث والثلاثين. كأن الرواية تبدأ بمحاولة تثبيت الذاكرة داخل زمن معروف، ثم تترك الزمن نفسه يتفكك تدريجيا، فلا يعود ما يهم هو ترتيب الأحداث بقدر ما يهم أثرها النفسي والوجودي داخل الشخصيات.
لكن رواية لمياء ــ التي تُكتب بعد كل هذا الانهيار ــ تمثل القوة المضادة (Néguentropie): الطاقة التي تُولّد نظاما جديدا من رحم الفوضى، ومحاولة لانتزاع معنى من قلب التشظي. الكتابة هنا لا تعد بالشفاء ولا تدّعي ردّ ما انكسر. لكنها تعد بشيء أثمن: المعنى. فبمجرد أن تتحول الصدمة إلى قصة، تبدأ الشخصيات ــ والمدينة ــ في امتلاك زمام مصيرها من جديد. ليس لأن الكتابة تمحو الجرح، بل لأنها تمنحه اسما.
خاتمة: ما تبقّى من اللمعة
في آخر زيارة لي لبيروت عام 2024، وقفت على الكورنيش ونظرت إلى البحر. كان البحر هو البحر نفسه الذي رأيته في 1993، لكن رائحته تغيّرت؛ اختلط بها شيء لم يكن هناك من قبل: رائحة ذاكرة محترقة وصمود في آن.
ثلاثون عاما ونيفا وأنا أحب هذه المدينة. في كل زيارة كنت أجد فيها شيئا يتبدل وشيئا يبقى. وهذه الرواية علّمتني أن ما يبقى دائما هو تلك اللمعة الخافتة في العيون، لمعة ترفض الانطفاء رغم كل الانفجارات، ورغم كل من حاول إطفاءها.
حين أغلقت “عيون بيروت” أدركت أن عزة طويل لم تكتب مرثية لمدينة، بل كتبت وثيقة حياة. وثيقة تقول إن سر اللمعة في العيون ليس بريقا بيولوجيا، بل هي الإرادة الصلبة على البقاء والرؤية والكتابة، حتى حين تحاول كل الانفجارات إطفاءها.
الحب الحقيقي لبيروت ليس الذي لا يرى جراحها، بل الذي يراها كاملة ويقول رغم كل شيء:
هذه بيروتي، وعيونها لا تنطفئ.



