مسيرة “الموسيقار”: كيف صنع عبد الوهاب الدكالي مجد الأغنية المغربية الحديثة؟ - Marayana
×
×

مسيرة “الموسيقار”: كيف صنع عبد الوهاب الدكالي مجد الأغنية المغربية الحديثة؟

منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، لم يكن عبد الوهاب الدكالي مجرد مطرب مؤد، بل كان مشروعا ثقافيا متكاملا نجح في نقل الأغنية المغربية من نطاقها المحلي إلى العالمية.
روائع خالدة مثل “مرسول الحب” و”ما أنا إلا بشر”، جمعت بين الصرامة الكلاسيكية والروح التجديدية جعلت من أغانيه تحفا درامية تروي قصصا إنسانية واجتماعية بليغة.

في الثامن من ماي 2026، ترجل عبد الوهاب الدكالي عن صهوة الإبداع، وغيَّب هذا اليوم، أحد أبرز الأصوات التي ملأت الدنيا شجنا وطربا.

اليوم، يبكي المغرب أحد أعظم أبنائه الذين صانوا ذاكرته الفنية. لم يكُن عبد الوهاب الدكالي مغربيا فقط، بل جعل الرجل من موسيقاه لغة عالمية يفهمها الشرق والغرب.

من “مرسول الحب” التي جابت الآفاق، إلى “كان ياما كان” التي أرخت للذاكرة الإنسانية، يترك الدكالي إرثا لا يمحوه الغياب، وصورة الفنان المثقف الذي ظل وفيا للأصالة مع الانفتاح على العصرنة، لتظل بذلك أعماله علامة فارقة في المشهد الفني المغربي.

من فاس.. بدأت الحكاية

بمدينة فاس العلمية، ولد عبد الوهاب الدكالي سنة 1941. هُناك في تلك المدينة التي تتنفس التاريخ والفن والعلم والأدب، بدأ عبد الوهاب الدكالي شرارته الأولى في عالم الفن والموسيقى.

منذ صغره، بدأ الرجل يتنفس عبق الفن، وكان مشروع فنان مُتكامل، يشغلهُ هاجسُ أن يكون رساما وممثلا وعازفا، قبل أن يجد نفسهُ داخل عوالم الموسيقى.

الدكالي.. صاحب الترانيم السحرية

سنة 1957 سينتقل عبد الوهاب الدكالي إلى مدينة الدار البيضاء، وهُناك ستبدأ مسيرة فنان وسمهُ المغاربة بـ”عميد الأغنية المغربية”.

بعد سنتين من التحاقه بالدار البيضاء، سيصدحُ صوت عبد الوهاب الدكالي في أذن المغاربة، عَبر تسجيل أول أغنية في مساره الفني “مول الخال”، والتي اعتبرها كثير من النقاد، من الأعمال التأسيسية للأغنية المغربية العصرية.

في اللحظة التي بدأ يكتشف فيها المغاربة هذا الصوت الشجي، فاجأهم عبد الوهاب بعد 15 يوما فقط، بأغنيته الشهيرة “يا الغادي في الطموموبيل”، والتي وصلت مبيعاتها إلى أكثر من مليون أسطوانة.

لم يعد عبد الوهاب الدكالي حبيس الجدران المغربية، إذ شكلت سنة 1962 منعطفا آخر في سيرة الفنان المغربي، حيث بدأ جولته في الشرق العربي، قبل أن يستقر به المقام في القاهرة لمدة سبع سنوات.

هُناك بالقاهرة، بدأ رحلة أخرى في عالم الفن، فإلى جانب سهراته الفنية الموسيقية، تلمَّس الرجل طريقه نحو السينما، حيث ظهر سينمائيا سنة 1963 في الفيلمين الاستعراضيين المصريين “القاهرة في الليل” و”منتهى الفرح” لمحمد سالم. إلى جانب تجربة أخرى كممثل في فيلم “رمال من ذهب” للراحل يوسف شاهين إلى جانب عمالقة الفن العربي.

عبد الوهاب الدكالي المجدد

في اللحظة التي كانت فيها الأغنية المغربية تبحثُ عن ملامحها الحديثة والعصرية، ظهر عبد الوهاب الدكالي ليَحمل تجديد الأغنية المغربية على كتفيه.

جمع الدكالي بين التراث الغنائي المغربي الأصيل وبين الإيقاعات المعاصرة، بين الكلمة الراقية واللحن العميق، ليَختار في مختلف أغانيه لغة ولهجة تطربُ لها كل أذن ويفهمُ معانيها كل ذائق للفن الموسيقي.

في كل مقطع موسيقي، يظهر الدكالي كحكواتي بارع؛ حيث لا تكتفي أغانيه بمجرد تقديم نغمات عذبة، بل ترسم مشاهد درامية متكاملة الأركان، تعتمد على التوزيع الموسيقي الثري والكلمة المنتقاة بعناية.

طبيعة أغانيه تكمن في ذلك الفضاء الفلسفي الذي يلامس الوجدان الإنساني، محولة الشجن إلى لوحة فنية، والبهجة إلى طقس احتفالي، ليُصبح بذلك الدكالي رمزا للحداثة التي لا تنفصل عن جذورها التراثية.

“ما أنا إلا بشر”، “حبيب الجماهير”، “هادي هي نتي”، “الليل والنجوم”… في كل أغنية كان الدكالي يرسم لوحة فنية، وفي كل كلمة من كلمات أغانيه كان يخط مسار الأغنية المغربية بأكملها، مؤسسا لفكرة أن الفن رسالة قبل أن يكون شُهرة.

الدكالي ليس مطربا فحسب، بل كان فنانا متكاملا؛ يكتب ويلحن ويمثل، لذلك سيظل الرجل فريدا… فريدا بصناعة اسمه الخاص الذي لا يشبهه أحد.

الساحة الفنية المغربية فقدت أحد رموزها. غيبه الموت، لكن الذاكرة ستظل وفية.

بعض من كلمات أغاني عبد الوهاب الدكالي

-من أغنية “ما أنا إلا بشر”

ما أنا إلا بشــر عندي قلب ونظر
وأنت كلك خطر ما تبقاش تحقق فيا
لا تقول لحتى كلمة أنا ضد الحكمة
راضي بالقسمة وما كتاب في الحب عليا
اللي عشق الجمال البسمة والدلال
اللي عشق الجمال التيهة والدلال
إللي مات يموت حلال مسكين شهيد

-من أغنية “قصة الغرام”

قصة الغرام كانت أحلام
صبحت اليوم عندي مكتوبة
غاب الحبيب ودارت الأيام
تفارق العشيق مع المحبوبة
الله الله الله

دويت في الحب وقلت كلام
حكم الحب وجات النوبة
بغيت نسول ناس الغرام
واش الحب ما فيه التوبة

الساعة اليوم صبحت عام
وأيام الفراق شحال محسوبة

-من أغنية “مرسول الحب”

 

                                                              مرسول الحب في مشيتي وفين غبتي علينا

خايف لاتكون نسيتينا وهجرتنا وحالف متعود

مادام الحب بينا مفقود وأنت من نبعه تسقينا

باسم المحبة باسم الأعماق وأحر الأشواق

كنترجاك سول فينا وارجع لينا

يدوم الصمت وتتكلم أغانينا

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *