حين تتحول دور الرعاية الاجتماعية من حل اضطراري إلى قدر اجتماعي
دور الرعاية ليست شراً مطلقاً، لكنها ليست حلاً نهائياً. هي ضرورة في غياب بدائل، لكنها تصبح خطراً حين تتحول إلى قدر دائم.
الرهان ليس على تحسين الجدران فقط، بل بناء منظومة تجعل الطفل يعيش الانتماء لا الإيواء، وخلق منظومة تجعل الانتماء حقاً طبيعياً لا امتيازاً نادراً.

الاجتماع الإنساني يتطور بشكل مطرد في اتجاه الحفاظ على الجنس البشري. هذا التطور كان مرِنا في بداياته الأولى قبل ظهور الأديان. لم تكن تكبح سرعة انسيابه فرامل الحلال والحرام.
ظهرت المجتمعات الأميسية ثم الأبيسية، وانتقلت الأسرة من تعديد الأزواج إلى تعديد الزوجات، إلى اعتبار الأطفال مشاعا بين رجال القبيلة، ليستقر حال الأسرة على ما هو عليه اليوم، ليس باعتباره الحل الأمثل الذي لا تشوبه النقائص، ولكن لأنه أخف الضررين وأهون الشرين. لأنه النواة التي تحافظ على تماسك المجتمعات من الاندثار والفوضى، ولأنه الإطار الأكثر كفاءة الذي أبان عنه المخاض الإنساني. هذه الأسر قد تُتجاوز إلى أطر أخرى للتساكن والإنجاب؛ وقد تعتريها بعض الهزات الاجتماعية التي تفضي إلى تفكك أسري كالمجاعات والحروب والأوبئة، فتظهر بدائل استثنائية تحتوي تركة التفكك.
من بين هذه البدائل، برز دور الرعاية الاجتماعية كخيار تربوي-اجتماعي، استجابة طارئة لظروف استثنائية، كانت حلاً اضطرارياً لحماية الأطفال من الشارع، من الجوع، ومن الاستغلال. أي أنها وُجدت كـ”جسر عبور” لا كمنزل دائم.
لكن الإشكال بدأ حين تحول الاستثناء إلى نظام، حين أصبحت المؤسسة فضاء إقامة طويلة الأمد لا مرحلة انتقالية. هنا، انتقلنا من منطق الحماية المؤقتة إلى منطق الإيواء البنيوي، وكأن المجتمع اعترف ضمنياً أنه عاجز عن خلق بدائل أسرية كافية. هذا العجز يُعزى لسرعة التحولات الاجتماعية التي لم تواكبها تشريعات ومؤسسات جديدة لاحتواء الإفرازات الناتجة عن التفكك الأسري والعلاقات الرضائية التي تعتبر السبب الرئيس لتضاعف عدد الأطفال خارج إطار الزواج التقليدي.
دور الرعاية الاجتماعية توفر الحد الأدنى: غذاء، لباس، تعليم، انضباط. لكنها تعمل بمنطق جماعي، بينما الطفل كائن فردي يحتاج إلى مرجع عاطفي ثابت، إلى شخص واحد يعتبره “خاصته”. تتوزع العلاقة داخل المؤسسة بين مؤطرين، يتغير بعضهم لظروف شخصية أو غير مهنية وتخضع لنظام إداري صارم. يتربى الطفل في إطار جماعي شبه منظم، لكنه يفتقد غالباً لشعور الانتماء الفردي العميق. الأثر لا يكون ماديا فقط، بل هوياتيا، خصوصا أن بعض المؤسسات تفتقر للحد الأدنى من الخدمات التربوية والنفسية، وبعضها يدار بمنطق إداري صرف، دون مرجعية مهنية واضحة. بل إن بعض الجمعيات المسيرة لا تمتلك تكويناً متخصصاً في المجال الاجتماعي أو التربوي، مما يحول العمل من رسالة تربوية إلى تدبير موسمي أو عاطفي.
أخطر ما في الأمر ليس ضعف الإمكانيات فقط، بل غياب الاستقرار الذي يفاقم حالة التخلي التي يعيشها الطفل دون سند أسري ويضيف طبقة ثالثة على سلم التخلي، فالطفل المقيم طويلاً في مؤسسة اجتماعية يعيش طبقتين من الانفصال:
– انفصال عن الأسرة البيولوجية.
– انفصال عن النسب والامتداد العائلي.
– انفصال رمزي عن المجتمع الذي يعيش خارجه بإقامته الدائمة في دار الرعاية الاجتماعية.
في تجارب دولية، خصوصاً ما وقع في رومانيا بعد سقوط النظام الشيوعي، كشفت الدراسات أن الأطفال الذين قضوا فترات طويلة في مؤسسات كبيرة عانوا من اضطرابات تعلق، وصعوبات في تكوين علاقات مستقرة، وتأخر في النمو الاجتماعي مقارنة بمن تم إدماجهم مبكراً في أسر بديلة أو بيئات صغيرة أكثر استقراراً.
لم يكن المشكل في سوء النية، بل في طبيعة البنية نفسها: النظام الجماعي لا يعوض العلاقة الفردية.
في السياق المغربي، تزيد الأمور تعقيداً الوصمة الاجتماعية المرتبطة بعبارة “ولاد الخيرية”، “دار الأيتام” وحتى “دار الأطفال”، حيث تحمل هذه المدلولات في الوعي الجمعي حمولة قدحية، حتى وإن لم تُقصد كذلك. الاسم ذاته قد يرسّخ إحساساً بالاختلاف والدونية والانفصال. لذلك، يصبح تغيير المسمى ليس مسألة شكلية، بل خطوة في إعادة بناء صورة الطفل داخل المخيال الاجتماعي. الطفل ليس “ابن دار”، بل فردا له مسار مؤقت داخل مؤسسة للرعاية والعبور وليس فردا ازداد بإعاقة بنيوية وانتماءٍ ناقص منذ البداية.
أمام هذه الاكراهات الاجتماعية والنفسية، كان لزاما التفكيرُ في مقاربات موازية أو حلول داعمة لدور الرعاية الاجتماعية كنظام الأسر البديلة على الطريقة الغربية. لكنه اصطدم بواقع اقتصادي وأخلاقي: الأسر المغربية تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية، والحمولة الاجتماعية المرتبطة بالطفل دون سند أسري تجعل الإقبال محدوداً. كما أن الكفالة، رغم أهميتها، لا تستوعب الأعداد التي تزداد سنوياً، وطلبات الكفالة لا ترقى إلى حجم الحاجة. لذلك، لا يمكن الاكتفاء بالقول إن الحل يكمن في نقل نموذج جاهز من الخارج. بعض التجارب القريبة من الواقع، مثل ما تعتمده SOS Villages ، تحاول تجاوز نموذج المؤسسة الكبيرة عبر خلق وحدات أسرية صغيرة، بعدد محدود من الأطفال، تحت إشراف مؤطرة أو مؤطر ثابتين نسبياً. هذا النموذج يقلل من الطابع الجماعي البارد، ويقترب من الإحساس الأسري، لكنه يظل إطاراً مؤسساتياً في نهاية المطاف.
السؤال إذن ليس: هل نغلق دور الرعاية؟ بل: كيف نحولها من فضاء إقامة دائم إلى منصة عبور؟ كيف نبحث عن حلول خارج الصندوق؟
– أولا: تحول جوهري يمكن التفكير فيه هو تقليص مدة الإقامة قدر الإمكان، وجعل المؤسسة مركز تقييم ومواكبة انتقالية، هدفه الأساسي إعادة الإدماج الأسري أو إيجاد صيغة احتضان مناسبة. كل إقامة طويلة هي مؤشر على تعثر الحلول الأخرى.
– ثانياً: بدل استنساخ نظام الأسرة البديلة الكامل، يمكن التفكير في نموذج “عائلات الحي”: شبكة من أسر داخل نفس المجال الجغرافي تشارك في دعم الطفل، سواء عبر استقباله في العطل، أو دعمه دراسياً، أو احتضانه جزئياً. هذا التكاثف الاجتماعي سيوزع العبء، ويوسع العلاقات الاجتماعية للطفل ولا يختزلها في مؤسسة مغلقة.
– ثالثاً: الاستثمار في الوقاية قبل الإيواء، نسبة مهمة من الأطفال ليست يتيمة بالمعنى الصارم، بل ضحية هشاشة أسرية. تحويل جزء من ميزانية الإيواء إلى دعم مباشر للأمهات في وضعية صعبة، ومواكبة نفسية واجتماعية مبكرة، قد يمنع دخول الطفل إلى المؤسسة أصلاً. كل طفل يبقى داخل أسرته هو نجاح حقيقي يفوق أي تحسين في جدران مؤسسة.
– رابعاً: معالجة لحظة ما بعد سن الثامنة عشرة، فالانقطاع المفاجئ عن المؤسسة دون مواكبة يخلق هشاشة جديدة. هنا، يمكن التفكير في عقود مرافقة ممتدة، شراكات مع مقاولات، تخفيضات ضريبية تحفيزية، سكن انتقالي، وضمانات تعليمية…. المشكلة ليست فقط في الطفولة داخل المؤسسة، بل في الصدمة عند الخروج منها.
– خامساً: ضمان الاستقرار الوظيفي للأطر التربوية، لأن استقرار الطفل يبدأ من استقرار من يرافقه، وإرساء مرجع مهني وطني موحد لتلك الأطر داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية: دليل مهني واضح يحدد معايير التكوين، آليات المواكبة النفسية، طرق بناء المشاريع الحياتية للطفل، شروط الاستقرار، وأخلاقيات الممارسة… لا يمكن أن يستمر هذا القطاع بدون إطار مرجعي صارم يشبه ما هو معمول به في قطاعات الصحة أو التعليم.
– سادساً: التفكير في نموذج “الأب/الأم المجتمعي”، وذلك عبر اختيار راشدين من نفس الحي أو المجال الجغرافي، يخضعان لتكوين أساسي في المواكبة النفسية والتربوية، ويتكفلان عاطفياً بعدد محدود من الأطفال دون إيوائهم داخل أسرهم، بل عبر لقاءات منتظمة، متابعة دراسية، حضور في المحطات المفصلية لحياة الطفل، ليصبح لكل طفل مرجع إنساني ثابت خارج المؤسسة، عبر احتضان اجتماعي لا قانوني يخفف من فراغ التعلق ويعيد توزيع المسؤولية على المجتمع بدل حصرها في بناية مغلقة. وهنا لا بد من الإشادة بتجربة رائدة لـ “السيد عبد الحفيظ الرغاي” أحد الأطر العليا سابقاً بالمكتب الشريف للفوسفاط الذي احتضن عشرات الأطفال في دور الرعاية الاجتماعية وبنى معهم مسارهم الشخصي والمهني حتى الوصول للاندماج الاجتماعي الناجح. لكن، للأسف، كان يكره الأضواء والإعلام، الأمر الذي لم يعط إشعاعا لالتزامه، مما كان قد يشجع أشخاصا آخرين على نهج نفس المنوال.
– سابعاً: إرساء نظام عقود اندماج مهني مبكر ابتداء من سن الخامسة عشرة، عبر شراكات ملزمة مع مقاولات ومؤسسات تكوين مهني، تسمح للطفل بالتدرج في مسار عملي مدفوع ومؤطر، مع إحداث حساب ادخار شخصي بالموازاة مع الحساب الذي تُضخ فيه المنحة الحكومية المخصصة للأطفال في وضعية هشاشة. يُفَعّل هذا الحساب تدريجياً بعد بلوغه سن الرشد، حتى لا يكون خروجه من المؤسسة قفزاً في الفراغ بل انتقالاً نحو استقلال مدروس ومؤهل اقتصادياً.
– ثامناً: تفكيك المركزية الإدارية داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية ومنح الوحدات الصغيرة استقلالية وظيفية وتربوية أوسع، مع إحداث مجالس تمثيلية للأطفال داخل المؤسسة نفسها، تُمكنهم من المشاركة في بعض القرارات المرتبطة بحياتهم اليومية، لأن الإحساس بالاختيار، ولو في حدوده الدنيا، يقلص الإحساس بالاحتجاز ويعزز الشعور بالكرامة والفاعلية.
– تاسعاً: إعادة التفكير في الهندسة المعمارية والوظيفية لدور الرعاية، عبر تقليص الكثافة العددية داخل الفضاء الواحد، إحداث غرف فردية أو شبه فردية، مطابخ صغيرة بدل مطاعم مركزية، فضاءات شخصية واضحة المعالم لكل طفل، لأن الفضاء ليس حيادياً، بل يساهم في تشكيل الإحساس بالانتماء أو بالتجريد من الخصوصية، والهندسة قد تكون أداة علاج بقدر ما هي إطار إقامة.
– عاشراً: في ظل مصادقة الحكومة المغربية على القانون 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية للطفولة، يظل الرهان الحقيقي ليس في وجود الإطار القانوني في حد ذاته، بل في طبيعة الأدوار التي ستضطلع بها هذه المؤسسة، إذ ينبغي ألا تختزل وظيفتها في منطق الرقابة والتتبع ورصد الاختلالات، بل أن تتجاوز ذلك نحو خلق رؤية استراتيجية خلاقة للنهوض بأوضاع الطفولة، قادرة على اقتراح نماذج مبتكرة للتكفل، واستشراف التحولات الاجتماعية، وصياغة سياسات عمومية تجعل الوقاية أولوية والإدماج هدفاً، حتى لا تتحول الوكالة إلى جهاز تقني إضافي، بل إلى عقل استراتيجي يقود إصلاحاً عميقاً في فلسفة رعاية الطفولة بالمغرب.
أخيراً، المعركة ثقافية بقدر ما هي اجتماعية: تغيير المصطلحات، محاربة الوصم الاجتماعي إبراز قصص نجاح، إدماج الأطفال في الفضاءات العادية لا الخاصة… كلها خطوات ضرورية لإعادة بناء صورة الطفل في المخيال الجمعي.
دور الرعاية ليست شراً مطلقاً، لكنها ليست حلاً نهائياً. هي ضرورة في غياب بدائل، لكنها تصبح خطراً حين تتحول إلى قدر دائم. الرهان ليس على تحسين الجدران فقط، بل بناء منظومة تجعل الطفل يعيش الانتماء لا الإيواء، وخلق منظومة تجعل الانتماء حقاً طبيعياً لا امتيازاً نادراً.



