الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: منظومة حماية اجتماعية متكاملة ترافق المواطن في كل مراحل حياته (مع فيديو)
يلعب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دورا مهما كفاعل أساسي في تنزيل رؤية دولة اجتماعية أكثر إنصافاً، تُؤمّن الحماية في لحظات الهشاشة، وتدعم الاستقرار في مختلف مراحل الحياة، بما يعزز مبدأ تكافؤ الفرص.
خلال السنوات الأخيرة، شكل ورش إصلاح التأمين الصحي أحد أبرز التحولات البنيوية التي عرفتها البلاد. فقد انتقلت المنظومة من تغطية جزئية محدودة إلى مشروع وطني واسع يهدف إلى تعميم التغطية الصحية وضمان الحق في العلاج لكل المواطنين.
لم يعد الهدف مقتصرا على تعميم التأمين الإجباري عن المرض، بل أصبح مشروعا مجتمعيا وركيزة من ركائز إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية برمتها. إصلاح يستهدف بناء شبكة أمان اجتماعي متكاملة ترافق المواطن في مختلف محطات حياته: من الولوج إلى سوق الشغل، مروراً بفترات المرض والأمومة وفقدان الشغل، وصولاً إلى مرحلة التقاعد.
وفي قلب هذا الورش الوطني، يتجلى الدور المحوري للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، باعتباره الفاعل الأساسي في تدبير مختلف فروع الحماية الاجتماعية وضمان استمرارية الخدمات لفائدة ملايين المؤمن لهم وذوي حقوقهم.
من التغطية الصحية إلى منظومة متكاملة للحماية
شكّل تعميم التأمين الإجباري عن المرض محطة مفصلية في مسار إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب. فقد سمح هذا الورش الوطني برفع نسبة التغطية الصحية من نحو 42% قبل إطلاق عملية التعميم، إلى ما يقارب 88% من السكان في أفق 2025، أي ما يزيد عن 32 مليون مستفيد.
ويتصدر نظام “AMO تضامن“، الموجه للأسر غير القادرة على أداء الاشتراكات، قائمة المستفيدين، إذ يغطي اليوم ما يقارب 11 مليون شخص، مما يجسد التحول العميق الذي عرفه النظام. فالتأمين الصحي، الذي كان في الماضي مقتصرا على موظفي القطاع العام والمستخدمين والأجراء في القطاع الخاص، أصبح اليوم نظاما مجتمعيا شاملا لمختلف الفئات تقريبا.
هذا التطور ليس سوى خطوة ضمن رؤية أشمل تستهدف تحقيق حماية اجتماعية شاملة من خلال حزمة متكاملة من الخدمات التي يوفرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتشمل:
- التأمين الإجباري عن المرض (AMO)
- التعويضات العائلية
- التعويضات اليومية عن المرض
- التعويض عن فقدان الشغل
- المعاشات التقاعد
- خدمات رقمية لتسهيل الولوج وتتبع الملفات
وهكذا، لم يعد الضمان الاجتماعي مجرد آلية لتعويض مصاريف العلاج، بل أصبح رافعة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسر المغربية.
مواكبة المؤمن له في كل مرحلة من مسار حياته
هذا البعد الشمولي، يمكن اقتفاء أثره، من خلال دورالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS في كل محطة من حياة المؤمن له، وذلك عبر منظومة خدمات تضمن الدعم المناسب في كل ظرفية:
عند المرض
يضمن نظام التأمين الإجباري عن المرض AMO، تغطية جزءاً مهم من مصاريف العلاج والأدوية والاستشفاء، إضافة إلى التعويضات اليومية عن المرض التي تعوض الأجير عن فقدان الأجر خلال فترة التوقف المؤقت عن العمل.
عند تكوين أسرة
توفر التعويضات العائلية دعماً مالياً منتظماً للأسر، يساهم في تغطية جزء من مصاريف تربية الأطفال، ويعزز القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المحدود.
عند فقدان الشغل
يشكل التعويض عن فقدان الشغل شبكة أمان مؤقتة تمكّن الأجراء الذين فقدوا عملهم، لأسباب غير إرادية، من الاستفادة من دعم مالي خلال فترة البحث عن وظيفة جديدة.
عند نهاية المسار المهني
يضمن نظام التقاعد دخلاً قاراً بعد انتهاء الحياة المهنية، بما يكرس مبدأ الاستمرارية والحماية طويلة الأمد.
وبهذه المقاربة، يواكب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المؤمن له طيلة مساره المهني؛ منذ انخراطه في سوق الشغل لأول مرة، وصولا إلى ما بعد التقاعد، في إطار رؤية تقوم على الاستمرارية والتكامل
آليات التمويل والاستدامة
يعتمد تمويل هذه المنظومة على مساهمات اشتراكات المشغلين والأجراء والمؤمنين، إضافة إلى مساهمة دعم الدولة، خصوصا في ما يتعلق بالفئات المعوزة، حيث تخصص ميزانيات مهمة لضمان استدامة البرامج الاجتماعية، وفي مقدمتها أداء الاشتراكات الخاصة بالمستفيدين منها تمويل مساهمات المستفيدين من نظام “AMO تضامن”.
ويُعد الحفاظ على التوازن المالي للنظام أحد أبرز التحديات في ظل:
· ارتفاع كلفة الخدمات الصحية
· تنامي معدل الإصابة بالأمراض المزمنة
· التحولات الديمغرافية
· التوسع المتزايد في قاعدة المستفيدين
هذه التحديات تفرض ضرورة مواصلة الإصلاحات التنظيمية والرقمية، بما يضمن حكامة أفضل، وترشيدا أنجع للنفقات.
الرقمنة وتبسيط المساطر
عمد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خلال الس
نوات الأخيرة إلى تسريع وتيرة الرقمنة، مما أسهم في تحسين جودة الخدمات وتبسيط المساطر. وتتجسد هذه الدينامية من خلال:
- إيداع وتتبع الملفات إلكترونيا دون الحاجة إلى التنقل؛
- تطوير خدمات الأداء والتصريح عن بعد ؛
- تقليص آجال معالجة الملفات.
هذه الجهود ساهمت في تعزيز جودة الخدمات وتقريبها من المواطن، من خلال اعتماد التحول الرقمي كآلية أساسية لتحديث منظومة الحماية الاجتماعية.
نحو حماية اجتماعية أكثر إنصافا
لم تعد الحماية الاجتماعية في المغرب اليوم مجرد شعار، بل أصبحت بالفعل… مسارا إصلاحيا متواصلا يهدف إلى تحقيق تحول عميق في حياة المواطنين، من خلال:
- تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية
- تعزيز الاستقرار الاقتصادي للأسر
- تكريس الحق الدستوري في الصحة والعيش الكريم
وفي هذا الإطار، يبرز دور الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كفاعل أساسي في تنزيل رؤية دولة اجتماعية أكثر إنصافاً، تُؤمّن الحماية في لحظات الهشاشة، وتدعم الاستقرار في مختلف مراحل الحياة، بما يعزز مبدأ تكافؤ الفرص.



