×
×

العصر الذهبي للدولة الإسلامية… مجاعات، عبيد ومحاربة العلماء 3/4

حفلت المدونات الفقهية بنظام طبقي يميز بين الأسياد والعبيد، وشُرعت أحكام مُهينة لأهل الذمة، وزَخرت أسواق النخاسة بالجواري والرقيق.
ورغم أن التاريخ قد سجل بعض التمرد على هذه الأعراف، كثورة الزنوج واستيلاء “كافور الاخشيدي” على حكم مصر، لكن ذلك لم يغير شيئا من ثبات منظومة الاستعباد، ولم تختف أسواق النخاسة إلا مع ضغط المنظمات الحقوقية ومصادقة دول العالم الإسلامي على تجريم الرق والاتجار بالبشر.

حسن الحو

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف، كيف تتعارض تلك الصورة الوردية التي يرسمها الحالمون بعصر ذهبي للدولة الإسلامية، مع حقائق التاريخ والواقع، ومع تفاصيل الصراعات المذهبية والعقدية التي عرفتها مرحلة ما يعتبره البعض عصرا ذهبيا.

ووقفنا في الجزء الثاني، عند تفاصيل صراعات من طبيعة أخرى، تتعلق بتاريخ الاقتتال السياسي خلال تلك المرحلة.

في هذا الجزء الثالث، نواصل اقتفاء أثر الحكاية، من خلال النبش في بعض تفاصيل التاريخ الاجتماعي والعلمي للعصر الذي يحن له الكثيرون…

3 – التاريخ الاجتماعي والعلمي

ونقصد بهذا التاريخ، مظاهر التمدن والتحضر ورفاهية العيش و تحقيق الاكتفاء الذاتي والعدالة الاجتماعية في الدولة الاسلامية، والإنتاجات العلمية في مختلف العلوم والمجالات الفكرية.
رغم أن النصوص الدينية تحفل بالكثير من التشريعات، التي تحض على إطعام الفقراء والحث على التكافل الاجتماعي وأداء الزكاة والصدقات، غير أن المسلمين عبر تاريخهم، لم يطوروا مؤسسات عالمية للتكافل والمساعدة الخيرية، أو نظاما اجتماعيا مؤسساتيا غير نظام الأحباس ومؤسسة بيت المال، الذي كان نهبا للحُكام وتحت سيطرتهم، فظل الفقر والجوع مهيمنها على أغلب حواضر العالم الإسلامي، وانتشرت مظاهر البؤس بين عامة الشعب، وكانت سببا في اندلاع ثورات للجياع والمنبوذين…

اقرأ أيضا: توريث جاه النبوة: سياسة للناس، توسيع للنفوذ ومراكمة للثروات! 3/2

فهذا بديع الزمان الهمذاني في أوج الدولة العباسية وسطوتها واقتدارها، يصف لنا جانبا من حياة الفقراء في المقامة البصرية :”نَشَزَتُ عَلَيْنَا البِيضُ، وَشَمَسَتْ مِنَّا الصُّفْر، وأَكَلَتْنَا السُّودُ، وَحَطَّمَتْنَا الحُمْرُ، وانتابنا أبو مالك، فَمَا يَلْقَانَا أبو جابر(يعني رغيف الخبز) إلا عن عفر، وهذه البَصْرَةُ مَاؤُهَا هَضُوم، وَفَقِيرُهَا مهضوم، والمرء مِن ضِرْسِه في شُغْل، ومِن نفسه في كَل، فكيف بمن:

يُطَوِّفُ مَا يُطَوِّفُ ثُمَّ يَأَوِي *** إِلَى زُغْبٍ مُحَدَّدَةِ العُيُونِ

كَسَاهُنَّ الْبِلَى شُعْثاً فَتُمْسِي *** جِيَاعَ النَّابِ ضَامِرَةَ البُطُونِ

وَلَقَدْ أَصْبَحْنَ الْيَوْمَ وَسَرَّحْنَ الطَّرْفَ فِي حَيٍّ كَمَيْتٍ، وَبَيْتٍ كلاَ بَيْتٍ، وَقلَّبْنَ الأَكُفَّ عَلَى لَيْتَ، فَفَضَضْنَ عُقَدَ الضُّلُوعِ، وَأَفَضْنَ مَاءَ الدُّمُوعِ، وَتَدَاعَيْنَ بِاسْمِ الجُوعِ.”
فكيف بمظاهر الحرمان في عصور تخلف الدولة الاسلامية وسنوات الجفاف والقحط والوباء؟!!
وعلى الجانب الحقوقي والأخلاقي والمساواة بين المسلمين فيما بينهم، وكذا مع المتساكنين معهم من الديانات الأخرى، فقد حفلت المدونات الفقهية بنظام طبقي يميز بين الأسياد والعبيد، وشُرعت أحكام مُهينة لأهل الذمة، وزَخرت أسواق النخاسة بالجواري والرقيق.

ورغم أن التاريخ قد سجل بعض التمرد على هذه الأعراف، كثورة الزنوج واستيلاء “كافور الاخشيدي” على حكم مصر، لكن ذلك لم يغير شيئا من ثبات منظومة الاستعباد، ولم تختف أسواق النخاسة إلا مع ضغط المنظمات الحقوقية ومصادقة دول العالم الإسلامي على تجريم الرق والاتجار بالبشر.

شاهد أيضا: فيديو. علي اليوسفي في “مختلف عليه” مع ابراهيم عيسي: الجواري والغلمان والعبيد.. بين الفقه والتاريخ

أما الحديث عن التاريخ العلمي والفكري فحديث ذو شجون وهَمٌّ ذو شؤون، فرغم أن المسلمين يفتخرون بإنجازات علماء المسلمين في هذا المجال وفضل ما تركوه وراكموه على الحضارة الإنسانية، لكنهم يدركون حقيقة أن هذه الإنجازات، لم تكن متبناة في معظمها من طرف الدولة الإسلامية، بل اجتهادات شخصية لأصحابها بوسائلهم الخاصة، كما أن أغلب العلماء تم تكفيرهم وتفسيقهم بل والإفتاء بقتلهم وهدر دمائهم، منذ الفيلسوف العربي الأول “الكندي” مرورا بالفارابي وابن سينا وأبي حيان التوحيدي وانتهاء بابن رشد ولسان الدين ابن الخطيب، وتعمدت المدارس الفقهية تحريم الخوض في المسائل الفلسفية، ولمز المشتغلين بالفلك والكيمياء، ونصبت مجالس القضاء للحكم بردة وزندقة الكثير من الأعلام والقامات الفكرية والعلمية. ليدخل العالم الاسلامي منذ القرن السابع الهجري في سبات عميق…

سبات عميق، استفاق منه على وقع حوافر خيول ” نابليون ” وهو يدك أسوار مصر المحروسة.

 

لقراءة الجزء الأول: العصر الذهبي للدولة الإسلامية… التاريخ الديني 1/4

لقراءة الجزء الثاني: العصر الذهبي للدولة الإسلامية… تاريخ الاقتتال السياسي 2/4

لقراءة الجزء الرابع: العصر الذهبي للدولة الإسلامية… حين شهد الإمام مالك على فساد العصر 4/4

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *