×
×

ديمقراطيتنا تعاني شللا نصفيا!

طالما آمنت أن الديمقراطية للديمقراطيين والحرية لمن آمن بها، وأن كل شعار للدمقرطة يأتي على أفواه المستبدين باسم الدين والسياسة، سم في العسل، ووباء قاتل يتفشى في الجسم اﻹجتماعي دون أعراض، سيؤول حتما إلى بؤرة استبداد أعتى وأشد.

في العالم الثالث -الشرق أوسطي كما الشمال افريقي-، يريدون من الديمقراطية شكلها وجسدها الفاتن، ويقبضون روحها. يلقونها جثة هامدة مزينة بمساحيق تشريعية وشعارات سياسية ومقولات فكرية، لتلتقط معها السلطة صورا ويقضي منها اﻹسلاميون وطرا. يتغزل بها المفكرون وتتحرش بها الشعوب، ويتخلص منها الجميع عند أول اختبار، بتنكيل درامي مؤلم لكل الديمقراطيين.

إن هذا المشهد على مجازيته، يظل قابلا للتوصيف بأدبيات دستورية أدق. مفاد هذا التوصيف، إيمان متطرف بالمنهجية الديمقراطية، وكفر بواح بالقيم والروح والمضمون الديمقراطي. مفارقة فكرية آل بها الزمن السياسي إلى ممارسات عقيمة؛ صناديق حرة أنتجت قوانين ضد الحرية، ومؤسسات عالية الأسوار رهاناتها عند العتبة وأدنى …!

انتهى كل هذا مؤخرا إلى كاريكاتورية ساخرة، لشعب يعيش حالة ايمان فجائية وشديدة بـ “حرية التعبير”، وحالة كفر أشد بـ “حرية الفكر والمعتقد والضمير”. التسريبات المعلومة المقتطفة من مشروع قانون 22.20، لم تكن كاشفة فقط لنية مبيتة لدى الحكومة، وﻷمر دبر بليل هناك.. بل كشفت بذات القدر من “الفضح” عن فهم شعبي مشلول للديمقراطية، فقد سيقت “حرية التعبير” فيه بضاعة كاسدة على أرصفة السوق الفيسبوكية الشعبية، بأبخس اﻷثمان، درهم.. درهمان.. حليب وماء ونار!!

نقاش… تمثل في موضوعه البضائع والسلع واﻷثمنة والمقاطعة، ولا صلة فيه بالقيم… بالديمقراطية الجميلة ال “فوق_مادية”، وفي منهجيته تم اعتماد المطلب شعبيا بعدائية، ويقينا سيمارس يوما ما بعدائية. نفسية جماعية مشحونة يحركها المنطق الهجومي التكتيكي، تحكمها غريزة الانتزاع والتغلب، بديلا فاشيا عن فلسفة الحوار واﻹختيارات الكبرى.

التعاقدات اﻹجتماعية الجديدة كما هو معهود في ديمقراطيات ما وراء البحار، لا يمكن أن تتأسس على مطالب خبزية الطبيعة، هوبزية المنهج والمنطق..

أعقد ما في الوضع أن أي محاولة لإثارة نقطة نظام وتقويم لمسار النقاش، وإنقاذ حرية التعبير بعد أن أغرقت في الحليب والماء والوقود.. أي محاولة من هذا القبيل ستضع صاحبها في مواجهة “جماهير غوستاف لوبون” المندفعة، وسيحاكم بـ “قانون الوحدة العقلية للجماهير”، وحكمها تخوين، عزلة، تنمر، ووصم… لحظة ستبدل فيها اﻷرض غير اﻷرض والسنوات.. سيعجلون بقيامته وقيامة الديمقراطية وحرية التعبير!!

تعليقات

  1. عزوز البوسعيدي

    يا استاذ،يااخي الكريم..
    انك تتكلم عن الديمقراطية وحرية التعبير مع من ؟ولمن توجه هذا الخطاب،هل لفئة قليلة من المثقفين،ام هي صيحة في فراغ..؟لبس كل من ينتمي الى حزب سياسي له درابة بهذه المفاهيم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *