×
×

على هامش حملة التشهير ودعوات العنف. لعموري يكتب: المثلوفوبيا البينية* أو نقد التفاهة في مجتمع الميم

بالعودة لما قامت به المدعوة صوفيا طالوني من تشهير في حق مجتمع الميم الذي تعد واحدة منه، وتسببت بالتالي في التشهير بعدد من المثليين… فإن القانون يعاقب على ذلك، وسيكون على كل متضرر، باعتباره مواطنا لا بصفته “مثليا”، أن يتقدم بشكوى لتحريك الدعوى ضد هذا المتحول.

من حين لآخر، أجد نفسي كاتبا في موضوع من أكثر المواضيع إثارة للجدل، في مجتمع يعج بغرائب الأمور وأكثرها حمقا وسخافة ووساخة… وهو موضوع مستفز ويسكت عن مناقشته الخطاب الرسمي، ويتبرم منه الناس خوفا من الوقوع في قفص الإتهام، ويهجم عليه دعاة التدين الزائف، من إسلاميين ومتطرفي الفكر، وهو موضوع المثلية الجنسية التي تعاش… ولا تناقش.

مناسبة العودة إلى هذا الموضوع – بعد أن فصلت فيه سابقا عبر مقالات محددة، حاولت خلالها تصحيح عدد من المفاهيم والتعريفات التي تندرج ضمن عالم المثلية ومجتمع الميم – ما صار يعرف كموضوع للساعة، بخرجة المتحول الجنسي صوفيا طالوني، الذي يعيش بالديار التركية، وينشط بمواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير، والذي خرج مؤخرا بتصريحات، “يتهم” فيها الجميع بالمثلية! موجها كلامه؛ عبر فيديو حصد عددا كبيرا من المشاهدات؛ إلى النساء اللواتي يتباهين بفحولة الرجال ذوي العضلات المفتولة واللحى المثيرة على وجوههم، بأنهن مخدوعات وأن هؤلاء الرجال يترددون على تطبيقات ومواقع الدردشة الخاصة بالمثليين ومجتمع الميم وذكر بعضها، وحث “النساء المخدوعات” وكذا العائلات والأسر على الدخول لتلك المواقع بحسابات وهمية للتأكد والوقوف على حقائق صادمة، وبأنهن سيكتشفن الحقيقة المرة… فهذه أم ابنها مثلي وهذه زوجة مخدوعة في زوجها وتلك خطيبة “مضحوك” عليها…الخ

في إطار الخوف من العواقب ومن “الفضيحة”، ومن تبعات كل ذلك على حياة عدد كبير من الشباب الذي ينتمي لمجتمع الميم؛ سوف يتخلى كل متضرر عن حقه في رفع الدعوى لأن عددا منهم؛ إما لجهله بالقانون ربما؛ يخشى أن تتم متابعته بتهمة “الشذوذ” المنصوص عليها في الفصل 489 من القانون الجنائي المغربي ، وكذلك مخافة التسبب لعائلته في مشاكل مع المجتمع.

دعونا بداية، وقبل الإدلاء برأي فيما اقترفته تلك المتحولة المدعوة صوفيا من جرم يعاقب عليه القانون، نناقش حقيقة تغيب عن العديد من المغاربة الذين يحجبون الشمس بالغربال، ذلك أن القول بأن الكثير من الشباب يتردد على مواقع الدردشة الخاصة بالمثليين يبدو لي بأنه شيء طبيعي، لأن الكثير من الأسر المغربية تجهل الميولات الجنسية لأبنائها وبناتها، وتتعامل مع كل ابن أو بنت على أساس ذكوريته أو أنوثتها، أي اتمائهما للجنس البيولوجي الذي يظهران عليه/ها. وبالنسبة للذي يجهل الفرق بين الجنس والجنسانية والميول الجنسي، يسهل عليه مطابقة الذكورة بالميول للجنس الآخر، ويصعب عليه كذلك، تمثل أو تخيل أن يكون لابنه أو ابنته ميولات جنسية مثلية أو مزدوجة الجنس.

اقرأ أيضا: أسماء بن العربي: مشكلتك… فرصتك لتخلق البوز

نعم ما خفي كان أعظم، فالمجتمع القائم على أساس صلب من العقيدة التي تفرض نهجا ثابتا في القيم الذكورية/الدينية، وعلى قناعات هشة تفضح المفارقة ما بين الانضباط لتلك القيم النمطية السائدة، وبين الممارسات اليومية التي يخرقها، هو مجتمع منافق بشكل أو بآخر، لأن النفاق هو نوع من الكذب الذي يداري الفعل الحر، بخطاب التعمية والتستر على حقيقة الأمور كما تعاش في الواقع، وهذا ما يجعل الشاب، الذي تراه أمه “سيد الرجال”، يميل لنفس الجنس ويرتاح معه، وقد تكون له ميولات متفاوتة الدرجة للجنسين معا، تارة تجاه الرجل وتارة أخرى تجاه المرأة، لا مشكل لديه في ذلك حسب الرغبة والمزاج…

ولهذا قلت سابقا وفي مقال آخر، وحسب دراسات علمية أقيمت على مجتمعات غربية(1)، إن القاعدة العريضة التي لا يظهر منها للسطح وللعلن إلا وجهها، الذي يحافظ على استمرار نفس الجنس النمطي؛ هي الثنائية الجنسية، أي ميول الذكر للجنسين معا على صعيد الممارسة والفعل، بعيدا عن خطاب النفاق الاجتماعي السائد.

طبعا يبقى مرد هذا التناقض بين الخطاب والممارسة، وبين القول والفعل، وبين المعيار والواقع، هو الثقافة المجتمعية التي تؤطر “الليبيدو” البشري حسب تعبير العالم فرويد، تلك الثقافة التي تأسست على إقصاء كل شكل من الجنسانية لا يحقق لها شرط الإنجاب ولا يتماهى مع المعيار الذكوري المهيمن.

بالعودة لما قامت به المدعوة صوفيا طالوني من تشهير في حق مجتمع الميم الذي تعد واحدة منه، وتسببت بالتالي في التشهير بعدد من المثليين، بعد أن دلت العديد من المتابعين لصفحتها على مواقع الدردشة الخاصة بمجتمع الميم، وبعد نشرها لصور عدد من المثليين والمتحولين على صفحتها بالفيسبوك، فإن القانون يعاقب على ذلك، وسيكون على كل متضرر، باعتباره مواطنا لا بصفته “مثليا”، أن يتقدم بشكوى لتحريك الدعوى ضد هذا المتحول. فهناك الفصل 447 من القانون الجنائي المغربي، الذي يعاقب على جريمة التشهير وانتهاك الخصوصي، وذلك في مواده 447.1 و447.2 و447.3، وهي كلها مواد تعاقب بالحبس والغرامة لمن أراد الاطلاع عليها…

المجتمع القائم على أساس صلب من العقيدة التي تفرض نهجا ثابتا في القيم الذكورية/الدينية، وعلى قناعات هشة تفضح المفارقة ما بين الانضباط لتلك القيم النمطية السائدة، وبين الممارسات اليومية التي يخرقها، هو مجتمع منافق بشكل أو بآخر، لأن النفاق هو نوع من الكذب الذي يداري الفعل الحر، بخطاب التعمية والتستر على حقيقة الأمور كما تعاش في الواقع

للأسف طبعا؛ في إطار الخوف من العواقب ومن “الفضيحة”، ومن تبعات كل ذلك على حياة عدد كبير من الشباب الذي ينتمي لمجتمع الميم؛ سوف يتخلى كل متضرر عن حقه في رفع الدعوى لأن عددا منهم؛ إما لجهله بالقانون ربما؛ يخشى أن تتم متابعته بتهمة “الشذوذ” المنصوص عليها في الفصل 489 من القانون الجنائي المغربي ، وكذلك مخافة التسبب لعائلته في مشاكل مع المجتمع.

طبعا ما قام به هذا المتحول، يدخل تحت طائلة المساءلة القانونية، لكنه أيضا، يندرج ضمن التفاهة التي صرنا نعيشها كمشاهد يومية تبعث على الاشمئزاز والغثيان.

تفاهات في ميدان الفن (فضيحة حساب حمزة مون بيبي)، في ميدان الطب والعلم (فضيحة صمد دوك والفايد) وفي التحصيل العلمي (ما يعرف بفضائح الجنس مقابل النقطة في بعض الجامعات) وفي الدين (فضيحة الرقاة “الشرعيين” وفتاوى التطرف والعنف مثل خرجات أبو النعيم ومن على شاكلته)… الخ.

اقرأ لنفس الكاتب: “مجتمع الميم”… بين الوجود والإيجاد

لهذا… ففي كل مجال وفي كل ميدان، سنجد التافهين ومروجي الرداءة وغلاة التطرف الديني والجنسي والسياسي… الخ

هكذا، وحتى لا نرمي مجتمع الميم بأنه مصدر التفاهة، بسبب عنصر نشاز لا يمثل إلا نفسه، ومثلما لا يمكن مؤاخذة الوسط الفني والديني والثقافي بجريرة التافهين والمتطفلين عليه، أدليت بهذا المقال التوضيحي تعميما للفائدة ومحاولة مني للفصل ما بين المثلية والوصم البيني للمثلية.

 

 

(*) نقصد بالمثولوفوبيا البينية هو الوصم والتمييز الذي يقع داخل مجتمع الميم بين أفراده، بحيث لا يتقبل المثليُّ المتحولَ، ويكره المتحول المثلي ويخاف المثلي الموجب المثلي السالب المتأنث وهلم جرا.

(1) Guy Ménard :  L’homosexualité : questions et réponses collection marabout service , du page 13 à la page 16.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *