×
×

نصائح الدكتور “الفايد” بين العلم والخرافة

الدكتور الفايد بخرجاته المتكررة على الفضاء الأزرق، يجسد ما يسمى بالعلم غير النافع شخصيا، ويمثل أحد أكبر أصنام أشباه العلماء.

أتعجب دفاع البعض عن عطار يخلط بين كل الأعشاب لعلاج كل الأمراض باسم العلم، ليؤسس لتخصص جديد خارج الضوابط  المعرفية للعلوم، أو ما يمكن أن نطلق عليه “الطب العقائدي”… حتى الطب البديل لا يتجرأ على النط بهذا الشكل وينتظر تأكيد مختبرات الطب الحديث لما يقترحه من علاجات تقليدية بعد الدراسة والتجريب والتأكد من فعالية هذا الدواء أو ذلك في علاج مرض من الأمراض؛ مع التدقيق في وضع لائحة بالأعراض الجانبية المحتملة بعد تناوله، كما هو الشأن مع نموذج الطب الصيني الذي ساهم ولازال يساهم في تطوير الطب الحديث.

صحيح أن هناك لوبي للصناعة الغذائية وله مصالح تجارية في تسويق منتوجاته بالرغم مما تتضمنه من مواد كيميائية ومسرطنة، وهذا أمر لا غبار عليه. لكن الفقيه الفاضل يقوم بلي عنق أي معلومة حسب هواه لمحاربة -حسب تعبيره- العلمانية والكفار تارة والمسلمين المزورين الضعاف الإيمان تارة أخرى… دائم الشرود في التراث الفقهي في محاضراته عن التغدية بحثا عن قشة أمل لتأكيد أوهام مشروع أيديولوجي فاشل.

أنسي الخبراء والباحثون في المجال الطبي وكل الخبراء الذين يشتغلون على فيروس كورونا وعلى إيجاد لقاح له… هل نسوا جميعهم هذا المعطى وتذكره الدكتور الفايد؟ أم أنه مجرد تمويه و مراوغة لمن هم مثلي ومثلك بعيدون عن هذا التخصص ؟

رأيت ما تيسر من فيديوهاته على اليوتوب، منها ما يحمل رسائل مؤدلجة تنطوي على كراهية صريحة لكل من هم خارج جماعته. “دكتور كبير” يحرض ضد من لا يستطيعون ذبح كبش الأضحية بأنفسهم أو من يضطرون للهروب يوم العيد خارج المدن لتجنب هذا الطقس الديني؛ بل ويضيف بوقاحة “هادو كاع ما عندنا مانديرو بيهم..”. هكذا تفتقت عبقريته وانبثق علمه كراهيةً لمن يعتبرهم شواذا عن المجتمع وقيمه.

يضيف نفس العالم الجليل أن سرقة الأحذية من المساجد حاشا أن تكون من شيم وأخلاق المسلمين وأنه يشك في أن أطرافا ما قد تكون مسؤولة عن هذا الفعل “لتشويه الإسلام وربطه بالسرقة”. كل هذا يبين أن السيد الفايد مجرد داعية بغطاء علم الأعشاب. داعية لا يتردد في تغطية كل باطل بغطاء ديني لتنطوي الحيلة على العقول الصغيرة وضعاف النفوس.

كلام الشيخ العلامة في كثير من تدخلاته الموثقة على يوتيوب تنم عن استخدام هذا الأخير لما يسمى بـ “المغالطات المنطقية” التي يدحضها المعطى التالي: “حتى وإن كانت كل المعطيات صحيحة، فمن الممكن للحجة أن تكون غير سليمة إذا كان المنطق المستخدم غير سليم”.  الأمر الذي تضمنه خطاب السيد الفايد في عدة مناسبات منها:

يكفي استعراض ديبلوماته ودراساته وشواهده العلمية حتى تتحول استنتاجاته وأحكامه و آراؤه الشخصية إلى مادة وحقيقة علمية لا تقبل الجدال حتى دون اثبات.

1\ “مغالطة إلتماس المشاعر” appeal to emotion؛ والتي تفيد محاولة إثارة المشاعر بدلا من تقديم حجة سليمة و قوية، والسيد الفايد في عدة مرات استخدم هذه المغالطة للتمويه؛ خصوصا عند استخدامه المستمر لعنصر الإيمان الديني الذي يثير مشاعر الإيمان والتعلق، بدلا من الإقناع بالحجة نفسها، كقوله “الطب ينصح بالصيام” و “الدين يأمر بالصيام”… إذن، فالدين والطب سيان في دعوتهما للصيام… لكنه لم يوضح أي صيام ينصح به الطب وما إيقاعه وشروطه؟

صحيح أن بعض مكونات العالم الغربي تقوم بممارسة الإمساك عن الطعام، لكن ليس بنفس المعنى الديني الذي يحاول الفايد ربطه به. الصيام الطبي هو كف عن تناول الطعام لمدة ساعات محددة، باعتباره حمية غدائية صحية وليس صياما من شروق الشمس إلى غروبها.

ثم إن هذا، الصيام كما هو معلوم، لا يشمل الصيام عن شرب الماء لما في ذلك من عواقب وأضرار على صحة الأفراد بشكل كبير؛ وهو ما حاول السيد الفايد إقناعنا به في حواره المباشر على قناة البلاد TV؛ حين تحدث عن الصيام الصحيح الذي سيقضي على فيروس كورونا، مقدما نصائح عامة بشكل متفائل لطبيعة طعام الإفطار الذي وجب أن يكون طبيعيا… دون أن يجيب عن سؤال الصحفي عن كيفية القضاء على كورونا من خلال الصيام.

2\ مغالطة الاحتكام إلى سلطة argument from authority ؛ وهي من أشهر المغالطات، ويتم هذا الأمر عبر إسناد النتيجة إلى حكم شخص أو أشخاص خبراء بموضوع الحجة؛ وهي من أشهر المغالطات المُقَنّعة حتى بالسيد الفايد نفسه، فيكفي استعراض ديبلوماته ودراساته وشواهده العلمية حتى تتحول استنتاجاته وأحكامه و آراؤه الشخصية إلى مادة وحقيقة علمية لا تقبل الجدال حتى دون اثبات.

هناك خط فاصل بين الإيديولوجيا والعلم، وإن كانت لديه دراسات تثبت صحة كلامه إكلينيكيا في مجال الطب، فليتقدم بإحالاته.. أما عرض دراسات متفرقة وإخراجها من سياقها، أو دراسات مشكوك في جديتها، فهذا لا يعد دليلا علميا. بل أن فيه تعريضا لحياة المريض للخطر…

3\ مغالطة عدم الترابط non-sequitur; وتكون عندما تكون نتيجة الحجة لا تنبع بالضرورة من المعطيات، في نوع من تعميم النتيجة الأولى على باقي النتائج، كما وضح ذلك الفايد في حوار على إحدى قنوات يوتيوب عندما راهن وأكد أن عملية التدمير الذاتي “لوطوفاجي : l’authophagie” (وهي العملية التي تقوم بها الخلايا عبر تفكيك وإعادة تدوير مكوناتها نتيجة إصابتها بعدوى أو مرض ما) هو ميكانزيم صحيح علميا. لكن، هل يمكن تعميمه على فيروس خطير ككورونا بهذه البساطة؟ أنسي الخبراء والباحثون في المجال الطبي وكل الخبراء الذين يشتغلون على فيروس كورونا وعلى إيجاد لقاح له… هل نسوا جميعهم هذا المعطى وتذكره الدكتور الفايد؟ أم أنه مجرد تمويه و مراوغة لمن هم مثلي ومثلك بعيدون عن هذا التخصص ؟

أن يكون الفايد مختصا في علم التغذية، فهذا شيء جميل… لكن، هل يعطيه ذلك مثلا مشروعية تقديم نصائح طبية لمرضى السكري بالصيام  “على مسؤوليته”؟

هناك خط فاصل بين الإيديولوجيا والعلم، وإن كانت لديه دراسات تثبت صحة كلامه إكلينيكيا في مجال الطب، فليتقدم بإحالاته.. أما عرض دراسات متفرقة وإخراجها من سياقها، أو دراسات مشكوك في جديتها، فهذا لا يعد دليلا علميا. بل أن فيه تعريضا لحياة المريض للخطر…

على سبيل المثال، هناك دراسات علمية تثبت أن السم مفيد لصحة الإنسان. هذا كلام صحيح ونحن نعرف أن الكثير من الأدوية تشتق بعض مكوناتها منه. وعليه، هل يصبح السم وصفة صالحة لكل شخص مريض!؟ تعميم المعلومات بشكل يقيني لعامة الناس البسطاء سيؤدي حتما إلى وفاة الكثيرين بالسم.

لكل هذا ولأسباب أخرى كثيرة، على الدكتور الفايد أن يتحمل مسؤولية تصريحاته الأخلاقية والقانونية، والاكتفاء بتقديم نصائح في الحمية والتغذية الصحية لا غير… ما عدا ذلك، ففيه تهديد لحياة الناس. وهذا أمر يعاقب عليه القانون. وتعاقب عليه الأخلاقيات…

 

 

تعليقات

  1. عمر

    ساحة العلوم كبيرة ، وتحتاج الى عدة تجارب لتكون النتيجة المرجوة هي الهدف ،والتجربة تبقى وسيلة ،ومن اجل ذلك يجب ان نجرب اقتراحات الباحثين عوض اعتراض نصائحهم بعدوانية ، فحربنا ضد الوباء ،لنتعاون بيننا ، فما يوجد في النهر لا يوجد في البحر ، الاهم هو الوصول الى حقيقة الاشياء لانقاذ البشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *