×
×

وداد لصفر: كل الرضى لوالدي

أْعتقد أنه، بعد كل تلك الدعوات بالرضى التي أغدقني إياها والدي، وكل المنطق الذي علمني أن أحتكم إليه، قد حان الوقت كي أخبره اليوم بدوري أنني أيضا “راضية عليه”، فلا منطق يقول إن وحدهم الآباء من يرضون على أبنائهم وبناتهم…

هذه السنة، استثناء، قررت أن أخصص بوحي في اليوم العالمي لحقوق النساء لأشكر شخصا ساهم في تكوين شخصية هذه المرأة التي تكتب إليكم.

لقد ساهم الكثيرون والكثيرات في تكوين شخصيتي، بعيوبها ومحاسنها. ساهم قريبون وقريبات، بعيدون وبعيدات.

كل هؤلاء تأثرت بهم وبهن، أحيانا بقصد منهم ومنهن وأحيانا بدون قصد. لكنني، كلما كبرت (سنا وإدراكا للأمور)، اكتشفت أنني محظوظة جدا لأن شخصا بالذات ساهم بجميع الأشكال التي يمكن تصورها في أن أصبح ما أنا عليه. أن أصبح امرأة حرة لا سلطة لأحد عليها. امرأة مستقلة الفكر والتوجه والقرارات. امرأة لا تتبع القطيع. امرأة تنتج فكرا (وإن كان غير صائب). لا تستهلك ما يلوكه الآخرون (وإن أصابوا).

لم يخبرني يوما أن احترام الناس لي رهين بما أرتدي من لباس، بل أخبرني أنه رهين بما أحصله من علم ومعرفة

إنه شخص كان بإمكانه أن يمارس سلطته علي ويطمس في كل ما قد يخرج عن المألوف والمعتاد. كان بإمكانه أن يجعلني نسخة ممن حولي. كان بإمكانه أن يسجنني في جلبابه الطويل العتيق ولا يسمح لي بصنع تنورتي وسروالي بكل حرية. أنا ممتنة كثيرا للطبيعة التي جعلت هذا الشخص والدي.

والحق أنني لم أكن ممتنة لوالدي، لأنني كنت أعتقد أن ما علمني إياه يعلمه كل الآباء لبناتهم؛ إلى أن كبرت وتنقلت ودرست وانتبهت ولاحظت وحللت واستنتجت وعلمت أن ما كان يربيه والدي فينا كان استثنائيا في عفويته. كان شيئا عظيما في بساطته.

لم أدرك فلسفته إلى أن كبرت وأدركت أن إيماني بالمساواة وممارستها لم ينبع من كتب أو مدرسة أو جامعة، بل جاء من بيئة تربيت فيها أولا…

بيئة أسرية لم تفرق بيني وبين إخوتي الذكور، فوالدي علمني أن العلم طريقنا إلى النجاح.

كل الرضى لوالدي وكل الشكر له لأنه لم يجعلني يوما أشعر بأنني “امرأة” بل جعلني أدرك أنني إنسان وكفى.

لم يخبرني يوما أن احترام الناس لي رهين بما أرتدي من لباس، بل أخبرني أنه رهين بما أحصله من علم ومعرفة. لم يخبرني والدي يوما أنه علي ان أتحدث بصوت منخفض كي لا يظن الناس بي سوءً، بل أخبرني أن ظنون الناس وأحكامهم تعنيهم وحدهم مادمت مقتنعة بما أفعل. لم يخبرني والدي يوما أنه علي أن أتعلم الطبخ كي أجد زوجا. حتى أن أمي، وبعد إلحاحي الشديد عليها، كانت تعلمني صنع السترات الصوفية أو الطرز خفية عن والدي، لأنه كان يصر أن أخصص كل وقتي للدراسة.

عندما كنت أدخل للمطبخ للمساعدة، كما كان يفعل إخوتي الذكور أيضا، كان يغرقني مديحا ودعوات بالرضى؛ حتى أنني لم أنتبه يوما أن جملة “الله يرضي عليك أبنتي” أو “سعدي ببنتي كتصايب لينا الغدا”، لم تكن مجرد دعوة أو إطراء؛ بل كانت اعترافا بأن عملي داخل المطبخ كان استثناء لا قاعدة، وأن ما أفعله هناك كان تطوعا لا واجبا مفروضا علي.

والدي شجعني على خوض السياسة وأنا بنت الثامنة عشر. لم يخبرني أن السياسة ميدان للرجال. لم يعترض يوما على ولوجي المقاهي التي كانت تعتبر أماكن رجالية في مدينتنا الصغيرة.

والدي لم يعترض على تأخري خارج البيت. لم يستنطقني يوما عن من أرافق وأين أرافق ومتى أرافق. لم يختر أصدقائي ولا صديقاتي. أبي لم يصنع قيودا حولي كي لا يضطرني يوما للكذب عليه كلما كسرت قيدا غفلة منه.

عندما كنت أدخل للمطبخ للمساعدة، كما كان يفعل إخوتي الذكور أيضا، كان يغرقني مديحا ودعوات بالرضى؛ حتى أنني لم أنتبه يوما أن جملة “الله يرضي عليك أبنتي” أو “سعدي ببنتي كتصايب لينا الغدا”، لم تكن مجرد دعوة أو إطراء؛ بل كانت اعترافا بأن عملي داخل المطبخ كان استثناء لا قاعدة، وأن ما أفعله هناك كان تطوعا لا واجبا مفروضا علي.

أبي لم يظهر يوما خوفا شديدا علي، لأنه لم يعتبرني يوما هشة لدرجة أنه يمكن أن يجرني أحدهم أو إحداهن لطريق غير الذي حددته لنفسي، بل كان متأكدا أن كل من أعاشرهم وأعاشرهن، أنا من أجرهم وأجرهن لطريقي وأؤثر بهم وبهن.

أبي علمني كما علم إخوتي الذكور. بارك عملي رغم قراري بالابتعاد عن منزل العائلة. والدي علمني أن أكون قادرة على تحمل المسؤولية وعلى أن أعتمد على نفسي. لم يمنح والدي حق الوصاية علي لأحد من إخوتي الذكور. لم يسمح لأحدهم أن يعنفني أو يحاسبني، بل إنه لم يكلف أحدهم بحمايتي وأخبرني أنني الوحيدة المسؤولة عن حماية نفسي.

أبي  افتخر بي وبمثابرتي ودراستي، كما فعل مع إخوتي الذكور. تركني أحلق عاليا بأجنحتي فور بلوغي سن الرشد كما فعل مع إخوتي الذكور. علمني أن أسافر وأكتشف وألاحظ وأحلل. علمني أن أثق في العلم وأنبذ الخرافة وأن لا أثق إلا بالعقل.

أبي ليس نتاج عائلة برجوازية، ولم يكبر ببيئة منفتحة وتقدمية؛ بل هو ابن عائلة بسيطة محافظة بمدينة صغيرة في شرق المغرب الذي لازال يعاني الكثير من مظاهر التمييز والفكر الذكوري للأسف. وهو لم يدرس المساواة أو تلقى تكوينا خاصا فيها. والدي كان ولازال يحتكم في قراراته وأفكاره للفطرة السليمة “Le bon sen”.

لم يمنح والدي حق الوصاية علي لأحد من إخوتي الذكور. لم يسمح لأحدهم أن يعنفني أو يحاسبني، بل إنه لم يكلف أحدهم بحمايتي

كان ولازال يتخذ العقل مرجعا له. أناقشه بالمنطق، يناقشني بالمثل ويتركني اتخذ قرارتي بكل حرية. شعاره الوحيد “تحملي مسؤوليتك”..

انا ممتنة لأبي لأنه ساهم في ما أنا عليه اليوم. ممتنة له لأنه علمني ما لم تعلمني إياه المدرسة وجعلني أتشبث انطلاقا من ذات الفطرة السليمة والمنطق العقلاني بحقي في الحرية والكرامة والعدل والمساواة وأناضل في سبيل تحقيقها ونشر ثقافتها.

هي أمور علمني إياها والدي، قد تبدو بسيطة جدا وبديهية، لكنها تبقى استثنائية في مجتمع لازال يتعثر في خطواته نحو الحداثة والتقدم والمساواة…

أْعتقد أنه، بعد كل تلك الدعوات بالرضى التي أغدقني إياها والدي، وكل المنطق الذي علمني أن أحتكم إليه، قد حان الوقت كي أخبره اليوم بدوري أنني أيضا “راضية عليه”، فلا منطق يقول إن وحدهم الآباء من يرضون على أبنائهم وبناتهم…

فكل الرضى لوالدي وكل الشكر له لأنه لم يجعلني يوما أشعر بأنني “امرأة” بل جعلني أدرك أنني إنسان وكفى.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *