×
×

دين إبراهيم في “الجاهلية”: هل الحنيفية مجرد تجميعة منقحة لعقائد الديانات التي كانت تجاورها؟ 3/3

يرى الإخباريون أن الحنفاء استمدوا علومهم من محيطهم التوحيدي، الذي كان شديد التنوع والغنى، قبل أن يبدؤوا بعدها نشاطا توحيديا مستقلا، ميزهم على نحو واضح عن الديانات القائمة في المنطقة منذ قرون.

تعرفنا في الجزء الثاني عمن يكون الحنفاء، صفاتهم التي ميزتهم، وهل كانوا أفرادا أم جماعة، وما كانت كتبهم الدينية… في هذا الجزء الثالث والأخير، نتابع بعضا من التفاعل الذي حدث بين الحنيفية وباقي ديانات شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام.

كان الحنفاء يوجدون في معظم أنحاء شبه الجزيرة العربية. ولما كانت تيارات توحيدية عدة تتوزع فيها، فإننا نلمح وفق الباحث المصري عماد الصباغ[1]، مستويين من التفاعل الذهني بين الحنيفية وباقي الديانات:

  • مستوى محلي خاص، يتم مع المذاهب المحلية الموجودة في كل منطقة على حدة، بحيث أعطى لحنفاء كل منطقة خصوصية تميزهم بطريقة ما عن حنفاء المناطق الأخرى، كما شاهدنا في الجزء الثاني من هذا الملف؛
  • مستوى عام شامل، يتم مع مختلف مذاهب شبه الجزيرة التوحيدية، أيا كان تمركزها الجغرافي، ويبرز وحدة الفكر الحنيفي. بناء على هذا المستوى، ظهرت النقاط المشتركة بين الحنفاء ككل.

بالمجمل، يرى الإخباريون أن الحنفاء استمدوا علومهم من محيطهم التوحيدي، الذي كان شديد التنوع والغنى، قبل أن يبدؤوا بعدها نشاطا توحيديا مستقلا، ميزهم على نحو واضح عن الديانات القائمة في المنطقة منذ قرون.

روايات الإخباريين تفيد بأن حنفاء “الجاهلية” تواصلوا مع النصارى وأخذوا عنهم، وبأنهم قاموا بالعديد من الرحلات إلى العراق والشام.

غير أن البحث عن مصادر محتملة للفكر الحنيفي، يقول الصباغ، لا يعني إلحاق الحنفاء بديانة أو أخرى من ديانات شبه الجزيرة، إنما إيجاد منابع أخذوا عنها، قبل صياغة العقائد الدينية الخاصة بهم.

هذه العقائد، وإن تمايزت بينها كما رأينا قبل قليل، حسب خصوصية كل بقعة جغرافية كانوا فيها، إلا أنها شكلت وحدة متميزة قياسا بمحيطهم الخارجي، لها تفردها الإيماني والطقوسي والأخلاقي.

اقرأ أيضا: تاريخ الحج قبل الإسلام: بين القطيعة والاستمرارية 1\3

على أن تصنيف هذه الديانة أو تلك، كمصدر محتمل للفكر الحنيفي، ينبني على شرطين:

  • مدى اقتراب هذه الديانات من التوحيد الحنيفي، الذي يعلن عن ذاته عبر الإيمان بخالق واحد أحد، لا ند له ولا مثيل ولا ولد؛
  • الوجود الفعلي لأصحاب الديانة في الجوار القريب للحنفاء على أرض شبه الجزيرة، ما يجعل الحوار العقيدي بينهما، نشاطا فكريا واقعيا يدور في مكان وزمان محددين.

من خلال هذين الشرطين، نحاول إذن أن نلمح تأثير أهم ديانات شبه الجزيرة آنذاك في صياغة الفكر الحنيفي…

الحنفاء والنصرانية

يعترض البعض على تأثير محتمل للنصرانية في الحنيفية، ويبنون ذلك على التثليث الأقنومي[2] وألوهة المسيح لدى النصارى، فيما لا نجد شيئا من هذا في الأدب الديني للحنفاء.

غير أن روايات الإخباريين تفيد بأن حنفاء “الجاهلية” تواصلوا مع النصارى وأخذوا عنهم، وبأنهم قاموا بالعديد من الرحلات إلى العراق والشام.

في حين لا نلمح حضورا طقسيا للنصرانية لدى الحنفاء، نلمح بوضوح تقاطعا في في الجانب الطقسي بين الحنفاء والصابئة.

الواقع أن هذا الاعتراض ينتفي بشطب المسيحية الرسمية. بعبارة أخرى، المذاهب النصرانية في شبه الجزيرة، كانت تعارض المسيحية الرسمية.

اقرأ أيضا: الإسرائيليات في الثقافة الإسلامية: أصل الحكاية

هذه المذاهب المحلية هي التي يحتمل أن تكون قد أثرت في الفكر الحنيفي، لعقيدتها التوحيدية المنزهة من جهة، ولانتشارها الملموس النشط في شبه الجزيرة من جهة أخرى، وتمثلها فرقتان رئيسيتان:

  • العقيدة النسطورية، وتقول بأن يسوع مجرد إنسان اختارته الحكمة الإلهية للتبشير برسالة دينية سماوية، وبأن الله غمره بنعمته منذ الحبل، وشد قواه لتحمل التجارب حتى ينقذ البشرية من ضلالها؛
  • العقيدة الآريوسية، وتقول بأن يسوع مجرد مخلوق، وليس من جوهر الله، الذي تبناه فأصبح ابنا له بالمعنى المجازي للكلمة، وكذلك هي ألوهته، التي تنسب إليه مجازا، على اعتبار أنه ابن الله بالتبني وليس بالولادة.

وقد تابعنا في الجزء الثاني رأيا للمؤرخ العراقي جواد علي[3]، يقول فيه إن كثيرا من الإخباريين يوردون بعض الأسماء كنصارى وحنفاء في الآن ذاته، بنوع من الخلط يشي بأن عقائد هؤلاء قد تشابهت عليهم.

الحنفاء والصابئة

نلاحظ حضورا شديد الوضوح للصابئة[4]، في سياق الحديث عن المصادر الفكرية التي نهل منها الحنفاء.

اقرأ أيضا: من تاريخ الخمر: في البدء كان شراب الخلود (الجزء الأول)

يمكن أن نستشف ذلك من كلمة “صبأ” في السريانية و”حنف” في العربية، المتطابقتان من حيث المعنى، فكلاهما تعني الخروج عن دين الآباء إلى الديانة الصحيحة؛ وأيضا، من التشابه بين الحنيفية والصابئة، على نحو جعل بعض الباحثين الإسلاميين، مثل سيد قطب في كتابه “في ظلال القرآن”، يجعلون الحنفاء والصابئة اسمين لمذهب واحد.

إضافة إلى التوحيد المنزه، ظلت الطقوس القديمة ملازمة لليهود، كالختان، التطهر بالماء والامتناع عن تناول المحرمات… هذه الطقوس نلمحها بوضوح في الطقوس الحنيفية.

الصباغ، بالمناسبة، لا يتفق مع هذا الرأي. بالنسبة له، لعب الصابئة، المندائيين منهم تحديدا، دورا شديد الأهمية كمصدر للفكر الحنيفي. نميز ذلك، بحسبه، من خلال اثنين من أعلام الحنفاء:

  • أمية بن أبي الصلت، الذي سافر إلى البحرين، واستقر بها ثماني سنوات يستكمل فيها علومه الدينية قبل أن يكون حنيفا؛
  • قس بن ساعدة، الذي وردت إشارات كثيرة إلى كونه على الرّكوسية، وهي فرقة بين الصابئة والنصارى.

أيا يكن، ففي حين لا نلمح حضورا طقسيا للنصرانية لدى الحنفاء، نلمح بوضوح تقاطعا في في الجانب الطقسي بين الحنفاء والصابئة، نوجزه في الوضوء والاغتسال من الجنابة، أداء ثلاث صلوات يوميا، والحضور القوي لإبراهيم في طقسي الصلاة والوضوء…

الحنفاء واليهودية

إذ نطالع روايات الإخباريين، نجدها تؤكد أن الحنفاء قد دارسوا اليهود أيضا، وأنهم أخذوا عن الرهبان والأحبار…

اقرأ أيضا: ميمونيدس.. مفكر يهودي أم مفكر إسلامي؟

لكن، حين نتحدث عن تأثير لليهودية في الحنيفية، إنما نقصد، وفق الصباغ، المذاهب الخارجة عن الإطار التلمودي[5]، الخارجة عن النسق الأخلاقي لليهودية الرسمية.

إضافة إلى التوحيد المنزه، ظلت الطقوس القديمة ملازمة لليهود، كالختان، التطهر بالماء والامتناع عن تناول المحرمات… هذه الطقوس نلمحها بوضوح في الطقوس الحنيفية.

وقد تابعنا في الجزء الأول، ببعض من التفصيل، احتمال أن تكون الحنيفية قد نهلت من اليهودية اسمها وكثيرا من طقوسها.

لقراءة الجزء الأول: الحنيفية: عن دين إبراهيم في “الجاهلية”! 3/1

لقراءة الجزء الثاني: دين إبراهيم في “الجاهلية”: من هم الحنفاء؟ هل كانوا أفرادا أم فرقة؟ وما كانت كتبهم الدينية؟ 3/2


[1]  عن “الأحناف… دراسة في الفكر الديني التوحيدي في المنطقة العربية قبل الإسلام”.
[2]  الأب والد للابن وباثق للروح القدس.
[3]  المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
[4]  دين إبراهيمي توحيدي، كان أتباعه يتبعون أنبياء الله، آدم، شيث، إدريس، نوح، سام بن نوح، ويحيى بن زكريا.
[5]  التعاليم الشفهية التي لقنها الله لموسى.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *