×
×

هذه أهم المراكز العلمية التي غزاها العرب فكانت المفتاح في انتقال العلوم اليونانية إليهم… 4/2

أيا كانت أسبابها، وهي كثيرة على أي حال، فإن ما يسمى بـ”الفتوحات الإسلامية” لم تكن مجرد حركة توسعية في الجغرافيا… سرعان ما سيدرك العرب بعدها، أنهم حازوا على مدن في البلاد “المفتوحة”، كانت مراكز علمية جد مهمة آنذاك.

قدمنا في الجزء الأول من هذا الملف لمحة عن بدايات ترجمة العلوم إلى اللغة العربية. وقد لاحظنا أن ذلك في العصر الأموي، لم يَعْدُ أن يكون محاولات فردية لأسباب متعددة… محاولات ستغدو منظمة بعد ذلك لتأخذ هيئة حركة مع ميلاد العصر العباسي.

بعدما أوردنا بعض الدوافع التي حذت بالعباسيين إلى المضي بإصرار نحو دعم العلوم، حتى برزت حركة الترجمة تلك؛ في هذا الجزء الثاني، نرى كيف أسهمت “الفتوحات الإسلامية” في الحصول على مراكز علمية بارزة آنذاك، وفرت أسسا قوية لنجاح الحركة.

أيا كانت أسبابها، وهي كثيرة على أي حال، فإن ما يسمى بـ”الفتوحات الإسلامية” لم تكن مجرد حركة توسعية في الجغرافيا… سرعان ما سيدرك العرب بعدها، أنهم حازوا على مدن في البلاد “المفتوحة”، كانت مراكز علمية جد مهمة آنذاك.

كانت بهذه المدن مدارس تحتضن التراث اليوناني وتصونه وتتعهده بالترجمة إلى لغتها، كما فعل السريان، الذين نهضوا بدور كبير في ترجمة المعارف اليونانية إلى لغتهم، التي نقل عنها العرب كثيرا في وقت لاحق.

اقرأ أيضا: الإلحاد في تاريخ الإسلام: حين استنفدت الروح العربية قواها الدينية! (الجزء الأول)

الفرس من جهتهم تعهدوا ذلك التراث العلمي بكثير من الرعاية، وكانوا لاحقا، بنيلهم مكانة بارزة في الدولة العباسية، حلقة مهمة جدا في وصوله إلى العرب.

فما هي إذن أهم هذه المراكز العلمية؟ هذه بعض منها…

جُنْدَيْسَابور

غزا العرب جُنْدَيْسَابور في خلافة عمر بن الخطاب، وكانت عاصمة لإقليم خوزستان الفارسي. هذه المدينة برزت كمركز مهم للثقافة اليونانية في بلاد فارس، على عهد الإمبراطور الساساني كسرى أنوشروان.

كان كسرى معجبا بالثقافة الهيلينية رغم عدائه للبيزنطيين، حتى إن معاصره، الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، إذ أغلق مدرسة أثينا الفلسفية، كان هو يرحب بأساتذتها في إمبراطوريته.

مدرسة جنديسابور في الطب والفلسفة لن تتضمن دروسا نظرية وحسب، إنما أيضا بيمارستانا كبيرا (مستشفى)، كان نموذجا للبيمارستانات التي ستنشأ بعده في العالم الإسلامي.

كسرى، ليفعّل إعجابه عمليا، قرر حينذاك أن ينشئ في جنديسابور مدرسة تهتم بتدريس الطب اليوناني والفلسفة اليونانية.

هذه المدرسة لن تتضمن دروسا نظرية وحسب، إنما أيضا بيمارستانا كبيرا (مستشفى)، كان نموذجا للبيمارستانات التي ستنشأ بعده في العالم الإسلامي.

اقرأ أيضا: تاريخ الدواء: حين ألهمت الحيواناتُ الإنسانَ الطريقَ إلى معالجة أمراضه! 3/1

كان تلاميذ هذه المدرسة في معظمهم من النساطرة السريان، الذين تعرضوا لاضطهاد ديني في بيزنطة، بسبب اختلاف عقيدتهم عن الأرثذوكسية، فطردوا من هناك.

هؤلاء كانوا يجيدون اللغة اليونانية. ولأنهم كذلك، فقد ترجموا أهم الأعمال الطبية والفلسفية إلى السريانية… التي كانت لغة التعليم الأساسية.

أنطاكية

كانت أنطاكية، التي تقع اليوم في تركيا، مسرحا لصراع طويل بين البيزنطيين والفرس، قبل أن يضع المسلمون حدا لذلك بغزوها في خلافة عمر بن الخطاب.

هذه المدينة شكلت مركزا مهما للثقافة اليونانية في شمال الشام آنذاك، وكانت تهتم بالفلسفة اليونانية عامة، وفلسفة أرسطو ومنطقه بشكل خاص.

بعد “الفتح الإسلامي”، باتت أهميتها الثقافية أكبر، إذ أصبحت دمشق مركزا لإدارة الدولة الإسلامية، حتى إنها سحبت البساط من الإسكندرية كمركز ثقافي بارز آنذاك.

منذ إنشائها على يد الإسكندر الأكبر، احتضنت الإسكندرية الثقافة اليونانية، وتميزت مدرستها أكثر ما تميزت في العلوم، بالطب وما ارتبط به من كيمياء، على نحو أسهم في توفير المادة الأولية للعرب، التي جعلتهم لاحقا يبرعون في هذا المجال.

هذا ناهيك عن أن موقعها الجغرافي جعل إحضار المخطوطات إليها من آسيا الصغرى سهلا، وذلك قصد إنشاء مكتبات جديدة، أو إغناء مكتبات أنشئت سابقا.

ظلت أنطاكية على مكانتها المتميزة في الثقافة منذ انتقال مدرسة الإسكندرية إليها، قبل أن تحتل مدينة حران هذه المكانة على عهد الخليفة العباسي المتوكل.

الرُّها ونصيبين

كانت الرُّها المركز الرئيس للنساطرة السريان في البلاد التي كانت تخضع للإمبراطورية البيزنطية.

كما أشرنا سابقا، نظرا لخلاف مذهبي بين النساطرة والبيزنطيين، فقد أغلق الإمبراطور زينون بدوره، عام 489م، المدرسة النسطورية هناك وطرد أساتذتها.

إلا أن إمبراطور فارس، كسرى أنوشروان، رحب بهؤلاء في إمبراطوريته، إذ كانوا خصوما لعدوه، فاستقروا في نصيبين، وكانت تخضع آنذاك للفرس، وأسسوا بها مدرسة جديدة أحيوا بها مدرسة الرها.

اقرأ أيضا: إتلاف الكتب في صدر الإسلام… هذه حكاية نبذ العرب للكتابة 3/1

المدرسة النسطورية في الرها، ثم في نصيبين، خصت أرسطو باهتمام بالغ قصد المتح من أعماله المنطقية.

ينقل أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم بالقاهرة، عبد الرحمن أحمد سالم[1]، عن الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل قوله، إن الفلاسفة العرب وجهوا اهتماما خاصا لمنطق أرسطو، بعدما ترجم النساطرة إلى السريانية أعمال الفلاسفة اليونانيين وشراحها، ذلك أن قدرا من المعرفة بهؤلاء كان ضروريا لفهم اللاهوت.

حرّان

غزا المسلمون حران في خلافة عمر بن الخطاب، وكانت أحد روافد الفرات الصغيرة؛ مدينة قديمة جدا، تقع اليوم في تركيا، ويومها… في وسط الثقافة السريانية المسيحية.

كانت الدراسات اليونانية متقدمة في هذه المنطقة بأسرها، بخاصة في حران، التي أطلق عليها آباء الكنيسة اسم “هيلينو بوليس”؛ أي مدينة اليونانيين الوثنية.

الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل: وجه الفلاسفة العرب اهتماما خاصا لمنطق أرسطو، بعدما ترجم النساطرة إلى السريانية أعمال الفلاسفة اليونانيين وشراحها، ذلك أن قدرا من المعرفة بهؤلاء كان ضروريا لفهم اللاهوت.

ترتبط حران تاريخيا بالصابئة الوثنيين، وظلت كذلك لقرون عديدة بعد “الفتح الإسلامي”، كما ظلت ترعى التراث اليوناني وتشجعه.

كما أشرنا إلى ذلك سابقا، زادت أهمية حران كمركز ثقافي بعدما انتقلت إليها المدرسة اليونانية في الطب والفلسفة من أنطاكية على عهد المتوكل.

الإسكندرية

أدى غزو الإسكندر الأكبر لمصر وغرب آسيا، إلى انتشار الحضارة اليونانية هناك، حد أن اكتست هذه المنطقة طابعا خاصا، جعل بعض المؤرخين يطلقون عليها اسم “الحضارة الهلينستية”.

اقرأ أيضا: الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… كما رسمته المصادر الإسلامية السنية 1/5

لاحقا… على يد عمرو بن العاص، غزا المسلمون الإسكندرية في خلافة عمر بن الخطاب، وكانت آنذاك، عاصمة مصر البيزنطية، التي شكلت أحد المراكز الأساسية للتراث اليوناني.

منذ إنشائها على يد الإسكندر الأكبر، احتضنت الإسكندرية الثقافة اليونانية، وتميزت مدرستها أكثر ما تميزت في العلوم، بالطب وما ارتبط به من كيمياء، على نحو أسهم في توفير المادة الأولية للعرب، التي جعلتهم لاحقا يبرعون في هذا المجال.

في الجزء الثالث… نتابع كيف اهتم الخلفاء العباسيون بالعلوم والمعارف وبترجمتها إلى اللغة العربية.

لقراءة الجزء الأول: الترجمة إلى العربية: حين أدرك العرب أن العلم وحده المدخل إلى حياة الحضارة 4/1

لقراءة الجزء الثالث: الوجه الآخر للخلفاء العباسيين… الاهتمام بالعلوم والمعارف وترجمتها إلى اللغة العربية 4/3

لقراءة الجزء الرابع: حركة الترجمة في العصر العباسي: هؤلاء أول من نقل العلوم والمعارف اليونانية إلى اللغة العربية! 4/4


[1]  عن مقاله: “حركة الترجمة من التراث اليوناني في العصر العباسي”.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *