×
×

أحمد المهداوي يكتب: السلفية بالمغرب… غربة “اختيارية” خارج الزمن

مريدو الخطاب الديني السلفي، يميلون ميلا واضحا إلى العيش في كنف العزلة، والانصهار في بوثقة الغربة، التي تغذي الانتماء إلى زمن الصحابة والتابعين على حد تعبيرهم.
… هذه الغربة، ليست في نهاية المطاف، إلا تجسيدا لما جاء في حديث محمد نبي الإسلام (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء)

أحمد المهداوي، باحث في مجال الدراسات الإسلامية

من المعلوم أن نهر الحياة دائما ما يُتابع جريانه نحو المصائر المجهولة، وأنَّ الزَّمن الدائري يسير بلا منتهى، بيد أنَّ هذا الأمر لا يطيب لأتباع الخطاب الديني السَّلفي؛ إذ الزمن عند هؤلاء مصابٌ بالشلل، ثابتٌ بلا حراك عند أطلال السَّلف، لا يسير إلا وِفق رؤاهم الخاصة، حتى ما إن قبلوا بسيرورته، يظل الماضي ينبض في قلب الحاضر بقوة، ويبقى اليوم شبيها بالبارحة إذا توافق وما أتى به السلف.

ولعل الأمر عينه ينطبق على كل الإتجاهات السلفية في كل بقاع المعمورة؛ إذ أن السلفيين المغاربة يصدرون، هم ونظراؤهم المشارقة، من مشكاة أيديولوجية واحدة ووحيدة؛ تتلخص بادئ الأمر في عقيدة التوحيد، التي تضع نصب أعينها تجريد الأشخاص والأشياء والأفكار من هالة القدسية على حد الزعم، وفي اتباع السلف والسير على آثار الشرب الأول في رفضٍ بائن لتقبُّل فكرة الزمن المتغير، والأنساق المجتمعية المتبدلة؛ في إغفال تام لجدليَّة الوحي والتاريخ، ومن هنا تسعى لتوظيف العاطفة الدينية في أشكال محددة وبدقة، على اعتبار، كما في مخيال السلفيين، أنها ترجمة صحيحة للتعاليم الإسلامية الصحيحة، فيقومون بذلك بدغدغة المشاعر لدى فئات المجتمع وأطيافه… هذا من جهة.

السلفي يستلذ بمخالفة المجتمع، خاصة على مستوى السَّمت (القميص، اللحية، حف الشارب…)، إضافة إلى أنه يستعذب الشعور بالعزلة عن محيطه، مما يساعده على الشعور بالنشوة الطهورية والنقاوة، حتى بلغ الحال أن يتغنى هؤلاء بهذه الغربة في أنشودة طالما ردِّدت خلف القضبان تحت عنوان (غرباء)

ومن جهة أخرى، “يؤدي وضوح هذا الهدف الأيديولوجي إلى تماثل كبير بين الأفكار السلفية أيًّا كان القائلون بها؛ بحيث نجد لديهم مقاومة كبرى للتغيير الذي يمكن أن يطال هذا السقف الأيديولوجي، وبذلك لا يمكن التمييز بين الخطابات السلفية من حيث مرونتها وتشددها إلا من خلال تفاصيل صغيرة جدا، أهمها رؤيتهم للعالم الخارجي، والموقف مما يتجاذبه من أفكار تتصل بالدين أو يعتقد أنها كذلك، ومنها على الخصوص إعادة تأويل عقيدة الولاء والبراء بشكل يمكن بعض هذه الاتجاهات في مواجهة أعداء الإسلام في الداخل والخارج” (1) حسب المنظور السلفي القائم على موالاة (المسلم) ومعاداة الآخر (الكافر).

اقرأ أيضا: الطريق إلى الإرهاب: واجب الجهاد ضدّ الجاهلية الجديدة

من هذا المنطلق، يمكن تصنيف التيارات السلفية المتواجدة على الساحة المغربية إلى اتجاهات مختلفة أهمها:

1- اتجاه تنطبق عليه محددات الطائفية بالمعنى السوسيولوجي للكلمة (2)، أو إن شئت القول، إنه اتجاه يمثل منهج السلفية العلمية، وذلك من حيث قلة تأثره بالبيئة المحلية، مع محافظته على الارتباط بالشبكات الدعوية كمرجع أيديولوجي-ديني، من الأمثلة على ذلك: (جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة بمراكش، جمعية دار القرآن والعلوم الشرعية بطنجة، ودار الشاطبي لعلوم القرآن بتطوان).

2-  أما الاتجاه الآخر، فقد تبنى على نحو مغاير، أيديولوجية ذات سمة يغلب عليها التشدد والعنف، أو إن شئنا القول، هي تعبير محض عن اتجاه سلفي جهادي ينهل من مصنفات ابن تيمية، وكتب سيد قطب، وكلمات محمد بن عبد الوهاب، إضافة إلى كتاب (الفريضة الغائبة) لمحمد عبد السلام فرج، ومثال ذلك: (التيار الدعوي المناصر للقاعدة، والتيار الجهادي الذي ارتكب أعمال 16 ماي 2003).

3- أما الاتجاه الأخير، فقد تبنى أيديولوجية حركية، أصبحت تنفلت نوعا ما من طابعها الديني-السلفي، لتصبح في انخراط شبه تام في قضايا المجتمع، داعية إلى المصالحة مع باقي التيارات الأخرى، مصالحة صورية، ويتمثل هذا الاتجاه في: (حركة التوحيد والإصلاح).

تظل هذه الاتجاهات، هي التي تؤثث المشهد السلفي في المغرب، لكن، وإن بدت متغايرة فيما بينها على مستوى الشكل، إلا أنها تظل في الوقت نفسه رهينة فكر تقليداني-رجعي على مستوى المضمون، فالخطاب الديني السلفي في نهاية الأمر، لا تمايز فيه بين الخطاب “المعتدل” و”المتطرف”، فكلاهما ينبع من مشكاة أيديولوجية واحدة، وينهل من نفس المصادر، والمراجع التكفيرية، فيظل عاكفا على صنم الوحدوية، لا يرى إلا من زاوية نظر واحدة، في نرجسية قاتمة ذات نزعة قائمة على العنجهية المتطرفة في كبر وغطرسة، يصلان أحيانا لحد الجهل والحمق المؤدي إلى التصرف العشوائي المليء بصخب الضجيج والفوضوية البعيدة عن روح اللباقة والذوق العام.

هذه الغربة اختيارية… حتى يتمكن السلفي في نهاية الأمر، من محاكاة الشِّرب الأول المتمثل في الصحابة، ويمسي المجتمع في الآن نفسه، الكائن (الجاهلي) الذي يأبى إلا أن يُخالف تعاليم الدين، كما عند سيد ومحمد قطب.

ولعل هذا ما يجعل مريدي الخطاب الديني السلفي يميلون ميلا واضحا إلى العيش في كنف العزلة، والانصهار في بوثقة الغربة، التي تغذي الانتماء إلى زمن الصحابة والتابعين على حد تعبيرهم، فليست هذه الغربة في نهاية المطاف إلا تجسيدا لما جاء في حديث محمد نبي الإسلام (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء) (3).

إن هذا الحديث من الأحاديث المحورية في نمط التعامل و(التعايش السلفي) في المجتمع، حيث إن السلفي يستلذ بمخالفة المجتمع، خاصة على مستوى السَّمت (القميص، اللحية، حف الشارب…)، إضافة إلى أنه يستعذب الشعور بالعزلة عن محيطه، مما يساعده على الشعور بالنشوة الطهورية والنقاوة، حتى بلغ الحال أن يتغنى هؤلاء بهذه الغربة في أنشودة طالما ردِّدت خلف القضبان تحت عنوان (غرباء)، ولعل من أبرز مقاطعها: (غرباء وارتضيناها شعارا للحياة)، مما يدل على أن هذه الغربة اختيارية حتى يتمكن السلفي في نهاية الأمر، من محاكاة الشِّرب الأول المتمثل في الصحابة، ويمسي المجتمع في الآن نفسه، الكائن (الجاهلي) الذي يأبى إلا أن يُخالف تعاليم الدين، كما عند سيد ومحمد قطب.

اقرأ لنفس الكاتب: التكفير والتطرف… من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب. أصل المأساة!

وبالرجوع إلى المجتمع المغربي نجد الشاب المغربي الذي سلك طريق (الالتزام) بمعناه السلفي، ما ينفك يقع في أزمة المشاكل والصراعات المجتمعية/الأسرية (خاصة)، بسبب فرضه لأسلوب ونمط معين للتدين على من يرى أنهم على ضلال، بحجة أنه على الحق الذي لا مراء فيه، ومن ثم يصير غريبا بين ظهراني مجتمعه، بل بين أهل بيته أنفسهم، ليحاول بعد ذلك خلق عالم خاص به، ويمسي يدور في فلك بوثقة مجتمع مصغَّر، يملؤه بمن اصطفى ممن هم على شاكلته في السَّمت الخارجي؛ فإن كانوا يقاسمونه نفس التوجه السلفي (الملتزم)، فمرحبا بهم، وإلا فإنه يرفض كل علاقة من شأنها أن تكسر حاجز الغربة، محاولا في الوقت نفسه أن يحمي (ذاته السلفية) من المجتمع (الجاهلي) الغارق في الانحلال حسب منظوره.

وبالنظر إلى حال أتباع الخطاب الديني السلفي… تجد بينهم جوا حميميا، لا يسمحون لأحد من باقي أفراد المجتمع أن يعكر صفو هذا الجو، في محاولة منهم بالنأي بـ(ذاتهم السلفية) والابتعاد عن العالم الخارجي الملوث بالذنوب والمعاصي على حد نظرتهم للمجتمع؛ الذي تضيق صدورهم لرؤيته على تلك الحالة من (الجاهلية)، في الوقت الذي يتحرقون شوقا لإصلاحه وِفق ماضٍ تليد متمثل في السَّلف، ليجسدوا بذلك تتمة حديث محمد نبي الإسلام المذكور آنفا: (قيل: ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) غافلين أو متغافلين عن الفارق الزماني والمكاني بين عهد الصحابة بما يمثله، والزمن الحالي بما له من خصائص تختلف تماما عن الأزمنة التي سبقته.

__________________________

(1) سوسيولوجيا الحركات السلفية في المغرب، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة الأطروحات، 2009.

(2) المرجع نفسه

(3) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا، ح: 389.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *