×
×

الموت الرحيم (Euthanasia): تخليص للمريض أم تحد للمشيئة الإلاهية؟ 2/2

في الجزء الثاني والأخير من هذا الملف عن اليوثانية، نعرض آراء المدافعين عنها وكذا معارضيها، وفي مقدمتهم فقهاء ورجال الدين في الديانات الإبراهيمية.

بعدما تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف المقصود باليوثانية، أو القتل/الموت الرحيم، وتابعنا أيضا بعضا من جذورها التاريخية وكذا تطبيقاتها اليوم، في هذا الجزء الثاني والأخير، نعرض آراء المدافعين عنها وأيضا معارضيها الذين يتقدمهم فقهاء ورجال دين الديانات الثلاث.

فيه مصلحة للمريض، لعائلته، وللدولة…

اليوثانية، حسب مؤيديها، تأتي في مصلحة المريض الذي يعاني على الأرجح من آلام جسدية ونفسية لم يعد يطيق تحملها. على هذا الأساس، يرى هؤلاء أن الإنسان حر في تقرير مصيره وله حرية التصرف في جسده أنى يشاء. وطالما أن الموت قدر محتوم، فللإنسان أن يطلب موته إذا لم يعد قادرا على العيش بالشكل الذي يتمناه صحيا.

إلى جانب الشفقة التي يبديها هؤلاء تجاه المرضى لتخليصهم من معاناتهم وعذاباتهم، فإنهم يعتبرون أن الحياة تقاس بما يمكن أن يسهم فيه الإنسان داخل مجتمعه، أما إذا كانت حياته تعتمد على الغير في قضاء احتياجاته، فحينذاك يصبح الإنسان مجرد كتلة لحمية، ومن ثم فالحياة والموت سيان، والموت في هذه الحالة أولى.

المبررات التي يسوقها المدافعون عن تشريع قوانين تتيح القتل/الموت الرحيم كأحد بنود الحرية الشخصية، يقابلها المعارضون، وأبرزهم رجال الدين، بأنها قد تأخذ القتل الرحيم إلى مواضع تتجاوز فيها الغايات التي تنشدها.

اليوثانية تخفف الآلام النفسية أيضا لمن يتولون العبء الثقيل في رعاية المريض، وفق مؤيديها. وللعامل الاقتصادي والأعباء المالية التي تتحملها الأسرة والدولة دور مهم أيضا، إذ أن قتل المريض الميؤوس من شفائه يوفر الكثير على الكل، حسب هؤلاء دائما.

اقرأ أيضا: البيمارَسْتانات… مستشفيات العرب في صدر الإسلام! 1\3

لكن المبررات التي يسوقها هؤلاء، ودفاعهم عن تشريع قوانين تتيح القتل/الموت الرحيم كأحد بنود الحرية الشخصية، يقابلها المعارضون، وأبرزهم رجال الدين، بأنها قد تأخذ القتل الرحيم إلى مواضع تتجاوز فيها الغايات التي تنشدها. فماذا تقول الديانات الثلاث بهذا الصدد؟

اليوثانية تحد للإرادة الإلهية

حالات نادرة هي التي يحدث أن يتوافق فيها رجال دين الديانات السماوية الثلاث، كاعتبارهم القتل/الموت الرحيم مثلا ضدا للمشيئة الإلهية وتحد لها…

  • اليهودية

تحرم اليهودية قتل النفس، بناء على ما جاء بالمِشْنَاه: “المحتضر كالحي في كل شيء”، أي أن المريض حكمه أن تحرم إصابته ولا يشهد عليه بالموت إلا بعد خروج روحه فعليا ولكن بصورة طبيعية.

يرى المسيحيون أن القتل/الموت الرحيم انتهاك “خطير” لشريعة الله بصفته قتلا متعمدا لشخص بشري. والأمر نفسه ينسحب على الانتحار وعلى المساعدة عليه.

في هذا السياق يقول مائير كاهانا، وهو حاخام يهودي: “مثل الشمعة التي تسيل، حينما يمسها إنسان ليطفئها. كذلك كل من يغمض عيني المحتضر كأنه سلب روحه”. ويذهب الحاخام موشيه بن ميمون إلى أن من يقتل سليما أو مريضا مشرفا على الموت أو عجل بموت محتضر، يعد قاتلا وخارجا عن تشريعات البشر ويستوجب حكم القتل.

اقرأ أيضا: أشهر المتهمين بالإلحاد في التاريخ الإسلامي: أعظم أطباء الإنسانية… الرازي (الجزء الرابع)

إجمالا، تنتهي الأحكام التشريعية اليهودية إلى عدم جواز القتل الرحيم، حتى لو كان المحتضر يعاني آلاما مبرحة، أو كان هو نفسه الذي يطلب الموت، فلا يجوز قتله بأي حال من الأحوال إلى أن تخرج روحه بشكل طبيعي وينتهي أجله المحدد من قبل “السماء”.

  • المسيحية

يرى المسيحيون أن القتل/الموت الرحيم انتهاك “خطير” لشريعة الله بصفته قتلا متعمدا لشخص بشري. والأمر نفسه ينسحب على الانتحار وعلى المساعدة عليه. وتنبثق عقيدة عدم جواز الموت الرحيم هذه حسب المسيحيين على الشريعة الطبيعية وعلى “كلام الله المكتوب”.

مجمع الفقه الإسلامي اعتبر في اجتماعه للدورة الـ22 في مكة سنة 2015، أن قضية اليوثانية ترجع “في نهايتها إلى تقدير الأطباء في إيقاف العلاج عن المريض الميؤوس من شفائه”.

وفق المسيحية، فإن الله هو صاحب السيادة المطلقة، وإذا كان الموت الجسدي لا مناص منه، فلله وحده السلطة عن كيفية ووقت موت الإنسان. من ثم، فالموت الرحيم هو محاولة من الإنسان لسلب هذه السلطة من يد الله، ولا أدل على ذلك من سفر الجامعة 8:8 الذي يقول: “ليس لإنسان سلطان على الروح ليمسك الروح ولا سلطان على يوم الموت”.

في هذا السياق، يقول القديس أوغسطينوس: “لا يحل أبدا أن يقتل إنسان آخر حتى وإن أراد ذلك، حتى وإن طلب ذلك لأنه معلق بين الحياة والموت ويتوسل أن يُساعَد في إعتاق نفسه المجاهدة ضد قيود الجسد ويرغب في التخلّص منها، لا يحل ذلك حتى وإن لم يعد المريض قادرا على العيش”.

  • الإسلام

يستدل أغلب فقهاء الإسلام على تحريم القتل الرحيم، بآية “وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ” (البقرة، 195) وآية “وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا” (النساء، 29). تأسيسا على ذلك، يقول هؤلاء أن حياة الإنسان يجب أن تصان وأن يحافظ فيها على بدنه.

اقرأ أيضا: الموت خطأ تقني

شيخ الأزهر الأسبق، محمد سيد طنطاوي، كان قد رفض سابقا كل الزوبعة المثارة حول موضوع القتل/الموت الرحيم، مؤكدا أن قتل المريض الميؤوس من شفائه ليس قرارا متاحا من الناحية الشرعية للطبيب أو لأسرة المريض أو للمريض نفسه حتى. بيد أنه بجانب ذلك، يقر الشيخ بأن الأمر يختلف عن حالات الوفاة المخية، حيث يجوز للطبيب أن يفصل الأجهزة الطبية عن المريض ليتوقف قلبه إذا تأكد أن عودته للحياة مستحيلة.

مجمع الفقه الإسلامي اعتبر في اجتماعه للدورة الـ22 في مكة سنة 2015، أن الأمر يرجع “في نهايته إلى تقدير الأطباء في إيقاف العلاج عن المريض الميؤوس من شفائه، وتوافقت معظم الآراء الفقهية في المجمع على ذلك، إذ رأت أنه لا حرج من رفع الأجهزة الطبية عنه، بعد ثبوت عدم جدوى علاجه.

يخلص البعض إلى اعتبار اليوثانية تخاذلا أو استسلاما من الأطباء عن أداء مهمتهم الأسمى وهي محاولة الحفاظ على الحياة رغم كل شيء، فيما يخلص آخرون إلى أنها تحد للإرادة الإلهية التي تعتبر وحدها الأقدر على تقرير الموت وتنفيذه، بينما يعتقد المنادون إلى إقرارها قانونيا، أن اليوثانية هي في النهاية، انتصار لكرامة الإنسان، وتخليص له من حياة يفقد فيها هذه الكرامة، ويفقد فيها جوهر وجوده كإنسان.

بالمقابل، يعارض معظم فقهاء الشيعة فكرة اعتبار الميت دماغيا ميتا، حتى ولو كان يعيش بواسطة أجهزة الإنعاش، وهذا ما يتبين من فتاويهم حول هذا الموضوع، سواء التي أصدرها السيستاني أو خامنئي.

المرجعية الدينية العليا آية الله السيستاني رد سابقا على موقعه الرسمي عن استفتاء على جواز القتل الرحيم وهل يمكن للأطباء فصل الأجهزة الطبية عن المريض الذي يعاني من موت دماغ، فأجاب بالمختصر بأنه لا يجوز. مضيفا أنه “حتى لو كان أهل المريض غير قادرين على دفع تكاليف تطبيبه، إذا كان المريض مسلماً فلا يجوز ذلك وعدم تمكن أهل المريض من توفير كلفة استخدام الأجهزة ليس عذرا في قطعها عنه فإن واجب الآخرين توفيرها، إذ يجب على كل متمكن المساهمة في إدامة حياة المسلم، وعلى الطبيب الملتزم بدينه الامتناع عن إيقاف الأجهزة ولا يضره قيام غيره بذلك”.

اقرأ أيضا: “حجر الفلاسفة”… هذه قصة مادة إذا صنعت، خلد الإنسان!

في الأخير، يخلص البعض إلى اعتبار اليوثانية تخاذلا أو استسلاما من الأطباء عن أداء مهمتهم الأسمى وهي محاولة الحفاظ على الحياة رغم كل شيء، فيما يخلص آخرون إلى أنها تحد للإرادة الإلهية التي تعتبر وحدها الأقدر على تقرير الموت وتنفيذه، بينما يعتقد المنادون إلى إقرارها قانونيا، أن اليوثانية هي في النهاية، انتصار لكرامة الإنسان، وتخليص له من حياة يفقد فيها هذه الكرامة، ويفقد فيها جوهر وجوده كإنسان.

بين هذا وذاك، استنادا إلى التطبيقات المختلفة لليوثانية، يبدو أن للأخيرة مزايا فيما يخص بعض الحالات الميؤوس منها، وسيئات أخرى قد تتعلق باستغلالها في غايات محظورة… وكل نفس ذائقة الموت في جميع الأحوال!

لقراءة الجزء الأول: اليوثانية أو “القتل الرحيم”: حين يصبح الطبيب أخطر رجل في الدولة 2/1

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *