×
×

من أشهر المتهمين بالإلحاد في التاريخ الإسلامي: أبو العلاء المعري (الجزء الخامس)

ما كان دين أبي العلاء المعري وماذا اعتقد حقا؟ صفوة القول إن القارئ لتراثه يخرج بتناقض شكلي كبير في فكره… كيف ذلك؟ ذاك ما نتابعه في الجزء الخامس من هذا الملف عن أشهر المتهمين بالإلحاد في التاريخ الإسلامي.

بعد أن تابعنا في الجزء الأول شذرات عامة عن الإلحاد في التاريخ الإسلامي، شرعنا منذ الجزء الثاني في تقديم حكايات بعض من أشهر “الزنادقة” في الإسلام”، حكايات ابن المقفع، ابن الراوندي، وأبو بكر الرازي. في هذا الجزء، نواصل الملف مع حكاية “إلحاد” رجل آخر يعد من أبرز شعراء العصر العباسي… رجل اسمه أبو العلاء المعري.

اسمه أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري، ويعرف اختصارا بـ”أبو العلاء المعري”. ولد عام 363هـ في معرة النعمان (شمال سوريا)، وفيها توفي عام 449 هـ. المعري أحد أشهر شعراء العصر العباسي. كان فيلسوفا أيضا.

فقد المعري بصره مبكرا بسبب مرض الجذري، فظل محبس العمى وكذا محبس بيته، بعد اعتزاله الناس، ولذلك لقب بـ”رهين المحبسين”.

اقرأ أيضا: هؤلاء 10 من أشهر شعراء العرب… يهود ومسيحيون في زمن الجاهلية! 2/1

مما يعرف عن المعري أيضا، أنه كان نباتيا؛ لا يأكل لحوم الحيوانات. تأثر في ذلك بالفلسفات الهندية. كثيرا ما استخدم تعبير “إيلام الحيوانات” لينهى الناس عن أكل لحومها، وكان هذا التعبير وقتها شائعا في الثقافة الهندية.

يقول المعري: “وإني وإن كنت الأخير زمانه… لآت بما لم تستطعه الأوائل”. كان المعري فيما يبدو شخصية قلقة، لا يسكن إلى الرأي السائد. الشك ظل منهجه في الوصول إلى قناعاته عن الأشياء كلها.

في رأي الأديب المصري، طه حسين[1]، فالمعري “لم يجتمع لأحد ممن سبقوه أو أتوا من بعده، مثل ما اجتمع له من إتقان العلم وسعة المعرفة والعمق، إلى أقصى غايات السعة والعمق”.

على أن الناس إذا لم يختلفوا كثيرا في ما يقوله طه حسين، فالحياة الدينية لأبي العلاء كانت وما زالت محط جدل كبير، بين من يقول إنه كان من المؤمنين، ورعا تقيا؛ ومن وصمه بالإلحاد والزندقة.

يقول المعري: “وإني وإن كنت الأخير زمانه… لآت بما لم تستطعه الأوائل”. كان المعري فيما يبدو شخصية قلقة، لا يسكن إلى الرأي السائد. الشك ظل منهجه في الوصول إلى قناعاته عن الأشياء كلها.

والحال هذه، إذ يجمع الكثيرون أن أهم ما دعا إليه المعري، إعمال العقل، اصطدم بكل ما هو متوارث. ليس ثمة من شيء مقدس بالنسبة إليه، والفضل ليس للمتقدمين، فهو يجزم أنه آت بما لم يستطعه الأوائل.

اقرأ أيضا: في الذكرى الـ21 لرحيله: نزار قباني… الشّاعرُ الذي هَدّتْ قصَائدهُ طابوهات القيّم العربيّة!

انتقاد المعري لنظرية النبوة، كان كافيا ليدخل خانة ملحدي التاريخ الإسلامي. الإلحاد العربي، كما عرفنا منذ الجزء الأول، يقوم على إنكار النبوة والأنبياء.

رأى المعري، حسب ما ينسب إليه، أن الأديان أورثت للناس التباغض والعداوة، واتهم النبوات بالتسبب في الحرب، وإباحة استرقاق الإنسان: “إن الشرائع ألقت بيننا إحنا (بمعنى أحقادا)، وأورثتنا أفانين العداوات. وهل أبيحت نساء الروم عن عرض للعرب، إلا بأحكام النبوات؟”.

من خلال شعره ونثره، يمكن أن نستنبط أن المعري حكم العقل في أشياء كثيرة جدا. لكن إحكام العقل ولد لدى المعري شيئا من الشك والحيرة والإلحاد… فعلى إيمانه بوجود الله، صور في كثير من شعره ونثره، شكوكه وحيرته.

على غرار ابن الراوندي والرازي، يظهر أن أبا العلاء لم ينكر الألوهية… يقول طه حسين إن أبا العلاء “قد هداه عقله إلى أن لهذا العالم خالقا، وإلى أن هذا الخالق حكيم. لا يشك في ذلك، أو على الأقل لا يظهر فيه شكا… وهو إذا تحدث عن هذا الخالق الحكيم، تحدث عنه في لهجة صادق يظهر فيها الإخلاص واضحا جليا”.

أما هو، أي المعري، فيفصح عن ذلك في كتابه اللزوميات، فيقول: “الله لا ريب فيه، وهو محتجب باد… أثبت لي خالقا حكيما، ولست من معشر نفاة…”.

لكنه، في خضم قلق شخصيته دائما، يعود في ذات الكتاب ويقول:

“قلتم لنا خالق حكيم، قلنا صدقتم كذا نقول

زعمتموه بلا مكان ولا زمان ألا فقولوا

هذا كلام خبئ معناه ليست لنا عقول”.

اقرأ أيضا: بين الأسطورة والعلم: كيف كانت بداية الكون في الواقع؟ 4/2

من خلال شعره ونثره، يمكن أن نستنبط أن المعري حكم العقل في أشياء كثيرة جدا. لكن إحكام العقل ولد لدى المعري شيئا من الشك والحيرة والإلحاد، يقول طه حسين. فعلى إيمانه بوجود الله، صور في كثير من شعره ونثره، شكوكه وحيرته.

تعابيره في ذلك، توحي بالخروج عن الدين. ثم حين وازن بين الديانات الإبراهيمية في ما كتبه، انتهى إلى رفضها جميعا وقال: “تلوا باطلا وجلوا صارما[2]، وقالوا صدقنا فقلنا نعم”.

يقول في ذلك أيضا بصريح العبارة مثلا: “أفيقوا أفيقوا يا غواة… فإنما دياناتكم مكر من القدماء”. وفي موضع آخر: “فلا تحسب مقال الرسل حقا ولكن قول زور سطروه/ وكان الناس في يمن رغيد فجاؤوا بالمحال فكدروه”.

الغريب في المعري بالمناسبة، أنه كان من أشد منتقدي ابن الراوندي دينيا، ففي كتابه “رسالة الغفران”، يقول عن الأخير: “وقد سمعت من يخبر أن لابن الراوندي معاشر تذكر أن اللاهوت سكنه، وأنه من علم مكنه، ويختصرون له فضائل يشهد الخالق وأهل المعقول أن كذبها غير مصقول، وهو في هذا أحد الكفرة، لا يحسب من الكرام البررة”.

اقرأ أيضا: بين الأسطورة والعلم: كيف كانت بداية البشرية في الواقع؟ 4/3

فما كان دين المعري وماذا اعتقد حقا؟ صفوة القول إن القارئ لتراثه يخرج بتناقض شكلي كبير في فكره… أو بالأحرى، بقلق كبير وسفر بين أشكال الشك والتساؤل.

و”هذا ما جناه أبي عليّ… وما جنيت على أحد”، بيت أوصى المعري بكتابته شاهدا على قبره، فواصل بذلك حكاية شخصيته القلقة إلى الأبد.

في الجزء السادس والأخير، نختم الملف مع حكايات عدد من أشهر العلماء المسلمين الذين اتهمهم “الفقهاء” بالإلحاد.


[1]  عن كتابه “تعريف القدماء بأبي العلاء”.
[2]  السيف.

لقراءة الجزء الأول: الإلحاد في تاريخ الإسلام: حين استنفدت الروح العربية قواها الدينية! (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثاني: من أشهر المتهمين بالإلحاد في التاريخ الإسلامي: ابن المقفع (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: من أشهر المتهمين بالإلحاد في التاريخ الإسلامي: ابن الراوندي (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: من أشهر المتهمين بالإلحاد في التاريخ الإسلامي: أعظم أطباء الإنسانية… الرازي (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء السادس والأخير: علماء قتلهم الفقهاء… هؤلاء 6 من أهم علماء الإنسانية المسلمين الذين اتهموا بالزندقة والكفر (الجزء السادس والأخير)

تعليقات

  1. عبد الحي

    المرجو افادتنا بخصوص جمع القران،ولماذا لم يجمعه الرسول صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *