×
×

بمناسبة عيد العمال واحتفاء بالعاملات المغربيات في حقول التوت بإسبانيا. من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: شجرة الدم

لقد جاء في الأسطورة، أن شجرة التوت كانت شجرة بيضاء، لكنها تحولت إلى شجرة حمراء، بعد نهاية حزينة لعاشٍقَين، سالت دماؤهما فوق أوراقها، وارتوت به جذورها فأصبح لون حباتها أحمرا…

هشام الرميلي

ابتسمت ناتاشا بدلع، مططت صوتها المتغنج وهي تطلب هدية عيد ميلادها :

– أريد علبة توت… وقارورة شمبانيا… وشمعا نفاذا أشعله حول حوض الحمام الساخن.

كم تعشق هي طعم التوت، وكم تتلذذ بقضم حباته، لم أكن أفهم لماذا هي مغرمة به إلى هذه الدرجة؟ ولماذا تفرحها حباته الجميلة؟ لكني كنت أجد لونه الاحمر القاني، وشكله “القلبي” الجميل مناسبا جدا لرقتها…

بحثت في سر الفاكهة الجميلة، فوجدت أنه في الأسطورة، يعتبر التوت رمزا لإلهة الحب”venus” . وفي فلكلور بعض الدول ومعتقداتها: لو أن شخصا اقتسم حبتي توت متلاصقتين، مع شخص من الجنس الآخر فسيقعان في الحب… يحضر التوت أيضا في بعض المناسبات السياسية والإجتماعية، كرمز للرخاء والسلام…

جاء في الأسطورة، أن شجرة التوت كانت شجرة بيضاء، لكنها تحولت إلى شجرة حمراء، بعد نهاية حزينة لعاشٍقَين، سالت دماؤهما فوق أوراقها، وارتوت به جذورها فأصبح لون حباتها أحمرا… لكن، يبدو أن شجرة التوت، بحاجة إلى المزيد من الدماء للحفاظ على لونها القاني… ويبدو أنها لم تجد أرخص من دم بنات بلادي “المعذبات”، لتسفكه بخسا فوق جذورها.

إذن هي فاكهة حب وجمال… تركز في مذاقها كل الأفكار الأنثوية اللذيذة، التي قد تداعب أحلام الفتيات، وتسبب لهن فرحة، تشبه فرحتهن بنزول المطر الخفيف…

يحضر في كل المناسبات الأنيقة، يغمس في الشكولاتة.. فلا يستطعن مقاومة إغرائه، ويتسابقن نحوه بكامل أناقتهن، وروائح عطرهن التي تسكر العقل…

إقرأ أيضا: بعد عقد من المخاض… قانون العمل المنزليّ يدخل حيز التنفيذ وسط انتقادات عدة!

كأن هناك إحساسا خاصا، أو تعبيرا أنثويا، لا يكتمل توهجه، ولا يتألق، إلا بحضور الفاكهة الجميلة…

إنه فاكهتن الخالصة، وهدية الطبيعة الخاصة لإسعادهن…

ناتاشا فتاة رقيقة حالمة، لم أشأ أن أعكر صفو مزاجها الرائق، وفرحتها بعيد ميلادها…

لم أشأ أن أحكي لها عن حقول التوت، والفتيات اللواتي يقطفن حباته.

فتيات لا يستلقين على الأريك الفاخر، ولا يقضمن حباته بغنج كما تفعل هي…

لا يغمسن أجسادهن المتعبة في حوض الحمام الساخن ولا ينتشين ببخاره…

هن… لا يركبن سيارات الليموزين الفارهة، لا يحتسين أكواب الشمبانيا بداخلها، ولا يعقبنها بحبات الفراولة اللذيذة…

لا يدركن أسرار هذه الفاكهة الجميلة… ولا تثير لديهن أي أفكار أنثوية… ولا يفرحهن نزول المطر الخفيف…

فتيات يتركن آخر ما تبقى من أنوثتهن في قراهن البائسة، ويخرجن لاستقبال حقول توت قاسية، متوحشة… لا ترحم…

هن يا عزيزتي يتغاضين عن سفاهة الإقطاعي وتحرش أزلامه، من أجل ضمان قطعة خبز حاف، وفرصة عمل تدرء عنهن بعضا من سوء العذاب المسلط على بؤساء البلد، الذين لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم العذاب…

يخرجن مع خيوط الفجر الأولى… يتنقلن في شاحنات لا تشبه حافلة الشغل المرفهة التي تنتظر ناتاشا في الخارج كل صباح، لا يجلسن على مقاعدها الوثيرة… ولا يرسلن قبلات إلى أحبائهن مودعين من وراء النافذة…

هن لا يقفن أمام المرآة كل صباح قبل الخروج ليرطبن أيديهن الناعمة بكريمات الفراولة ولا يضعن مُلمّع الشفاه المضمخ بنكهتها الساحرة.

إقرأ أيضا: سناء العاجي: كلكم شركاء في الجريمة…

فتيات لا يعرفن أن التوت فاكهة حب، وجمال، ودلع، بل… يعرفنه رديفا لقسوة الزمن ولاستغلال بشع…

تترامى أمامهن الحقول مجحفة، ظالمة، تستنزف قواهن ساعات طوال بأجر زهيد… تلفحهن أشعة الشمس الحارقة، وتجرح خدودهن المتوردة لفحات الصباح الباكر…

لا يخرجن من حقائبهن الجلدية الأنيقة مناديل ورقية لتجفيف العرق المتصبب من جباههن كما تفعل ناتاشا وصديقاتها، بل يمسحنه بأيديهن الخشنة، فيختلط تراب الأرض بقطرات عرقهن الساخن.

هن يا ناتاشا!…

لا يستطعن رفع شكواهن ضد التعسف والتحرش الجنسي، كما فعلت صديقتك ضد مديرها في العمل انتصارا لكرامتها، وغير خائفة على مستقبلها في الشركة، لأن هناك قانونا صارما، وقوانين شغل عادلة تحميها…

هن يا عزيزتي يتغاضين عن سفاهة الإقطاعي وتحرش أزلامه، من أجل ضمان قطعة خبز حاف، وفرصة عمل تذرء عنهن بعضا من سوء العذاب المسلط على بؤساء البلد، الذين لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم العذاب…

هن لا يمكثن في الفراش صباحا لأنهن أحسسن بحرارتهن مرتفعة أو لأنهن أصبن بمغص حاد…  يحملن أوجاعهن. يتأبطنها. يتألمن ويذرفن الدمع… وهن يقطفن حبات الفرح اللذيذة التي تحسن مزاجك…

هؤلاء المسكينات يا “ناتاشا” يشتغلن بدون ضمانات وبدون تأمين وبدون وجه حق.

هن… لا يذهبن إلى الحديقة المجاورة أثناء الاستراحة ليستمتعن بوجبة غذاء لذيذة، تحت أشعة الشمس، ويتبادلن ضحكات مع رفيقاتهن في العمل، ويحكين عن قصص الحب، والحفلات الراقصة، وحصيلة “الشوبينغ”، ويقلبن مجلات الموضة…

لقد ماتت المسكينات يا ناتاش! دون أن يدركن أن لحبات التوت معانٍ أخرى كما تدركين، وأنه فاكهتهن الخاصة، ودون أن يبحن بأسرارهن الأنثوية إليها كما تفعلين.

يتناولن كسرة خبز حاف، ويعدن إلى قطف حبات الفراولة، يهمهمن بأحزانهن، ويبثثن شكواهن في أهازيجهن الحزينة…

هؤلاء المسكينات… هن من أريتك صورهن ممددات على الأرض، جثتا هامدة وقد سفحت دماؤهن على الإسفلت، بعد انقلاب الحافلة المهترئة التي كانت تقلهن.

إقرأ لنفس الكاتب: بائعة الكبريت وراعي الغنم

لقد ماتت المسكينات يا ناتاشا دون أن يدركن أن لحبات التوت معانٍ أخرى كما تدركين، وأنه فاكهتهن الخاصة، ودون أن يبحن بأسرارهن الأنثوية إليها كما تفعلين.

لقد جاء في الأسطورة، أن شجرة التوت كانت شجرة بيضاء، لكنها تحولت إلى شجرة حمراء، بعد نهاية حزينة لعاشٍقَين، سالت دماؤهما فوق أوراقها، وارتوت به جذورها فأصبح لون حباتها أحمرا…

لكن… يبدو أن شجرة التوت، بحاجة إلى المزيد من الدماء للحفاظ على لونها القاني…

ويبدو أنها لم تجد أرخص من دم بنات بلادي “المعذبات”، لتسفكه بخسا فوق جذورها.

– ناتاشا سأحضر لك هدية عيد ميلادك… لكن رجاء، بدون علبة توت… بدون أثر لدم فتيات بلادي الشهيدات…

تعليقات

  1. Abdelhadi

    اعتقد ان هناك خطأ في المفاهيم.(التوت و الفرولة) الصورة لمغربيات في حقول الفرولة و ليس التوت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *