×
×

هل تعرف ما هي “السرنديبية”؟ فلنكتشف ذلك معا ودون مصادفة! 2/1

لاصق الفيلكرو، البنسلين، أشعة إكس، الديناميت… لا تجمع بين هذه الأشياء أي علاقة، أليس كذلك؟ بلى. ثمة علاقة، هي “السرنديبية”… كل هذه الأشياء، أو الاكتشافات في زمن ما، كانت وليدة المصادفة، شأنها في ذلك شأن أشياء كثيرة قد نكون نستخدمها في حياتنا اليومية.

كريم الهاني
كريم الهاني

كان يا ما كان في قديم الزمان، تحديدا في القرن الثالث قبل الميلاد، ملكٌ يحكم مدينة يونانية اسمها سرقوسة (مدينة إيطالية اليوم). وكأي ملك، رأى في أحد الأيام أن يزين رأسه بتاج جديد، فعهد إلى أحد الصائغين بأن يصنع له واحدا من الذهب الخالص.

وفّر الملكُ للصائغِ الذهبَ الخالص، وراح الأخير يصنع التاج كما اتفقا، إلى أن فرغ منه. لكن؛ حين استلم الملك -وبالمناسبة اسمه هيرو-، تاجه، خالجه الشك في أن يكون مصنوعا من الذهب الخالص.

يومها كان معروفا أن الذهب قد يمزج بالفضة والنحاس، غير أن الإشكال كان في أن هذا المزيج، كان يحتفظ بلون الذهب ولو أضيفت له كميات كبيرة من معادن أخرى.

هكذا، راح الملك يتساءل إن كان الصائغ قد استبدل بعض الذهب الذي وفره له، بمعادن أقل قيمة منه، واحتفظ به لنفسه. لكن، كيف يمكنه أن يتأكد من ذلك؟

اقرأ أيضا: استخدام المغاربة للشبكات الاجتماعية… حينما يصبح الافتراضي واقعا!

كان للملك صديق مقرب، اسمه أرشميدس؛ وهو مهندس وعالم رياضيات بارع. ومع أن التحليل الكيميائي لم يكن متقدما حينذاك، عهد الملك إلى صديقه بمهمة اكتشاف ما إذا كان التاج يحتوي على كل الذهب الخالص الذي وفره للصائغ.

أرشميدس هذا كان قد توصل فيما مضى إلى صيغ رياضية لقياس حجم الأجسام الصلبة، المنتظمة، مثل الأجسام الكروية والأسطوانية، فانتهى إلى أنه إذا استطاع قياس حجم تاج الملك، سيستطيع حتما تحديد ما إذا كان التاج مصنوعا من الذهب الخالص أم أنه مزيج من الذهب ومعادن أخرى. لكن كيف سيفعل ذلك؟

بينما كان أرشميدس يفكر في طريقة ما، دون نتيجة، حدث أن كان مصادفة في أحد الحمامات العامة، فلاحظ،-على نحو عَرَضيّ، أنه حين يضع قدميه في المغطس، يفيض الماء، فاكتشف أن حجم الماء المُزاح، مساو تماما لحجم الشيء المغمور فيه.

في هذه اللحظة، حدثت واقعة أرشميدس الشهيرة؛ إذ انتابه فرح عارم، فخرج من الحمام يركض دون أن ينتبه إلى أنه عار، يصرخ “وجدتها!”.

اقرأ أيضا: عندما يخاف العلم من نجاحاته.. التعديل الجيني للبشر

كيف ذلك؟ لنفترض أن الملك قد أعطى للصائغ كيلوغرامين من الذهب، حجم السبيكة إذن هو 118 سنتمترا مكعبا، ومن ثم، أيا كان شكل التاج، إن كان مصنوعا كله من الذهب، سيظل بذات الحجم.

أما إذا كان مزيجا من الذهب ومعادن أخرى، فإنه طالما أن المعادن الأخرى كثافتها أقل من الذهب، سينتج منها، حجم تاج أكبر من 118 سنتمترا مكعبا، وهكذا سيفيض ماء أكثر.

انتهت القصة بالتاج في الماء، وبالصائغ معدما، وبأرشميدس حائزا اليوم لقبا تاريخيا هو: صاحب أقدم اكتشاف عَرَضي.

أو هكذا، على الأقل، يقدمه كتاب “السرنديبية… اكتشافات علمية وليدة الصدفة”، لصاحبه أستاذ الكيمياء في جامعة تيكساس، الأمريكي رويستون إم روبرتس.

قد يتساءل أحدكم، لماذا قصة أرشميدس؟ بكل بساطة لأنها كانت فاتحة لحكاية اسمها “السرنديبية”.

اقرأ أيضا: التسامح: مفهوم ينخره النفاق؟ 2\3

هذه أول مرة تصادف فيها مصطلح “السرنديبية”؟ حسنا، هذا هو موضوع الملف، وهذه المفردة وفق القواميس المعاصرة، تعني القدرة على اكتشاف أشياء قيّمة أو رائعة دون السعي وراءها، أو القدرة على اكتشاف أشياء مهمة وغير متوقعة على نحو عَرَضي.

وفق كتاب إم روبرتس الذي ألمحنا إليه أعلاه، فإن أول من صاغ هذه المفردة هو الأديب الإنجليزي هوراس والبول، في خطاب له إلى صديقه المصلح الأمريكي هوراس مان، عام 1754.

“في واقع الأمر، عادة ما يكون للمصادفة دور في الاكتشاف، لكن ثمة جوانب كبيرة متضمنة في عملية الاختراع أكثر من الاعتقاد الشائع بحدوث مصادفة مفاجئة؛ فالمعرفة العميقة من المتطلبات الأساسية، وإن لم يكن العقل مستعدا مسبقا، استعدادا تاما، فربما لن تجد شرارة العبقرية شيئا تشعله”.

كان والبول معجبا بقصة خيالية قرأها عن مغامرات “أمراء سرنديب الثلاثة”، وبالمناسبة، سرنديب هذه دولة تعرف اليوم باسم سيرلانكا. أما أمراؤها في القصة، فقد كانوا يكتشفون بالمصادفة والفطنة أشياء لم يكونوا يسعون وراء اكتشافها.

من هنا، استخدم والبول المفردة لوصف بعض اكتشافاته الوليدة بالمصادفة، ثم صارت اليوم “السرنديبية”، تطلق على كل ما إلى ذلك.

اقرأ أيضا: “حجر الفلاسفة”… هذه قصة مادة إذا صنعت، خلد الإنسان!

وفق كتاب “السرنديبية… اكتشافات علمية وليدة الصدفة”، فإن الأشخاص الذين نعموا بالسرنديبية لا يمانعون في الاعتراف بدور الحظ في اكتشافاتهم، وهم عادة يكونون مستعدين لوصف الكيفية التي توصلوا بها إليها، ويدركون أن السرنديبية لا تقلل من الفضل الذي ينسب إليهم في صنع اكتشافاتهم.

عالم الكمياء والطب الفرنسي، لويس باستور، مثلا، يقول إن “المصادفة في مجال العلوم، لا تواتي إلا العقول المستعدة”.

الكميائي الأمريكي، بول فلوري، أيضا، يقول إنه “في واقع الأمر، عادة ما يكون للمصادفة دور في الاكتشاف، لكن ثمة جوانب كبيرة متضمنة في عملية الاختراع أكثر من الاعتقاد الشائع بحدوث مصادفة مفاجئة؛ فالمعرفة العميقة من المتطلبات الأساسية، وإن لم يكن العقل مستعدا مسبقا، استعدادا تاما، فربما لن تجد شرارة العبقرية شيئا تشعله”.

اقرأ أيضا: لغز الأحلام… بين تصورات القدماء واعتقاد المسلمين ونظريات العلماء ! 2/1

من هنا ندرك إذن، ما قصده والبول قبل قليل عندما وصف السرنديبية بأنها اكتشافات تحدث بـ”المصادفة والفطنة”!

عالمنا اليوم مليء باكتشافات سرنديبية، منها ما نستخدمه في حياتنا دون أن يعلم كثيرون منا بذلك، مثل ما سنكتشفه وإياكم، لكن هذه المرة عن قصد، في الجزء الثاني من هذا الملف.

لقراءة الجزء الثاني: السرنديبية: هذه بعض أهم الاكتشافات التي ولدت مصادفة! 2/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *