×
×

المغرب ومحاربة الرشوة: إجراءات عدة… لا تأتي أكلها في الواقع والتصنيفات العالمية! 2/2هذا ما تكبده الرشوة للمغرب من خسائر مالية

يرجع البنك الدولي انخفاض معدل النمو بالدول الإفريقية بشكل أساسي إلى الرشوة… الأخيرة تؤدي إلى تضييع فرص الاستثمار وعدم اتباع معايير الجودة والسلامة مما يؤثر سلبا على تنافسية الشركات والدولة بشكل عام، ومن ثم تكبيد الأخيرة خسائر مالية مهمة.

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف، بعضا من النتائج التي أسفر عنها إطلاق خطوط خضراء قصد التبليغ عن الرشوة والفساد بشكل عام… نتائج يمكن وصفها بـ”الهزيلة” بالنظر إلى ترسخ الظاهرة في المجتمع وأسباب أخرى تعرفنا عليها في ذات الجزء.

في هذا الجزء، الثاني والأخير، نتابع الملف مع إجراءات أخرى تنفذها الدولة على أمل القضاء على الرشوة أو التقليل منها، كما نتعرف إلى حجم الخسائر التي تُكبدها الرشوة للمغرب.

جريمة الرشوة

يصعب إيجاد تعريف واضح للرشوة التي تطرح كمفهوم إشكالا لغويا حين يتعلق الأمر بترجمته من العربية إلى الفرنسية. “Corruption” بالعربية تعني الرشوة، لكنها بالفرنسية تحيل إلى الفساد بشكل عام، وتشمل إهدار المال العام واستغلال النفوذ وتقديم الامتيازات النقدية وغير النقدية وما إلى ذلك.

لكن الرشوة بمفهومها الضيق، تعني إعطاء المال نقدا أو عينا أو عملا من أجل الحصول على امتياز أو حق. منظمة الشفافية العالمية (ترانسبارانسي) تعرفها بـ”التعسف في استعمال سلطة منتدبة من أجل غايات خاصة”. نفس التعريف ذهب فيه البنك الدولي، إذ يقصد بالرشوة “استعمال وضْعِه كمسؤول عن خدمة عمومية من أجل مكاسب خاصة”.

بالرغم من كل الإجراءات التي ينفذها المغرب لمحاربة الرشوة، فإن الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة تؤكد أن الإحساس العام في المغرب يقول بأن الرشوة مستقرة أو في تزايد.

وفق الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة، فإن الرشوة هي “كل عمل غير مشروع ينتج عن تعسف في استعمال سلطة سياسية أو قضائية أو إدارية أو اقتصادية، وتوجيهها لخدمة مصلحة خاصة. وتشتمل عموما على فرض تعويض غير قانوني من أجل منح امتياز لمن لا حق له أو لإعطاء حق يتعذر الوصول إليه”.

اقرأ أيضا: بعض من كلام: هؤلاء… هم أعداء الملك

أما أسباب انتشار الظاهرة، فيعزوها استطلاع رأي سابق قامت به الجمعية عبر استجواب عدد من الأسر والمقاولات، إلى غياب العقاب في حق مرتكبي جرائم الرشوة والرغبة في الاغتناء وتدني الأجور، ثم ضغوط الرؤساء الإداريين وغياب الشفافية وقواعد سلوك واضحة، إضافة إلى عدم جدية سياسة مكافحة الجريمة.

إجراءات عدة لمحاربة الرشوة، ومع ذلك، فالأخيرة مستقرة أو تتزايد!

نظرا لخطورتها، أقر المغرب مجموعة من الإجراءات للعمل من أجل الحد من ظاهرة الرشوة. هكذا، فقد وقع على الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد سنة 2007، كما غيّر وتمّم القانون 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية في شأن حماية الضحايا والشهود والخبراء المبلغين في ما يخص جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وغيره.

إضافة إلى تعديل القانون الجنائي في الفروع الخاصة بشطط الموظفين في استعمال سلطتهم إزاء الأفراد، وبالغدر والاختلاس الذي يرتكبه الموظفون العموميون، وبالرشوة واستغلال النفوذ، قام المغرب أيضا بسن قانون 05.43 المتعلق بمكافحة الفساد.

بجانب ذلك، أحدث هيأة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وهي هيئة دستورية، كما احتضن المؤتمر الرابع للهيأة الدولية لمحاربة الرشوة الذي أصدر لأول مرة إعلان مراكش للقضاء على مظاهر الفساد والرشوة، ناهيك عن قيامه بوضع خط أخضر رهن إشارة المواطنين من أجل التبليغ عن حوادث الرشوة.

اقرأ أيضا: عبد الإله أبعصيص: شرعية “البنية” أو شرعية القهر؟

لكن، وبالرغم من ذلك، تؤكد الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة أن الإحساس العام في المغرب يقول بأن الرشوة مستقرة أو في تزايد.

الرشوة تكلف المغرب 2 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، ومراتب متأخرة في المؤشرات الاقتصادية

خلصت دراسة أجرتها جمعية الشعلة للتربية والثقافة بتعاون مع الاتحاد الأوروبي سنة 2012، إلى أن الرشوة بشكل عام تشكل ضربة قوية للمسار الديمقراطي في المغرب، وتضرب في الصميم مبدأ سيادة القانون وسموه، وتخاطر بجميع الضمانات التي تكفل حقوق المواطنين، ومن ثم تضعف قوة المؤسسات وتفقدها مصداقيتها.

المشرف على الدراسة، عبد الكريم البريبري، أكد في استهلالها أن محاربة الرشوة “ليست من قبيل ترف المثقفين، إنما تدخل في صميم مسلسل التنمية، حيث ستسمح بتحسين المؤشرات الأساسية التي تتحكم في التنمية البشرية المستدامة، كمعدل التمدرس ومعدل وفيات الأطفال”.

تعد الرشوة إحدى العوائق الكبرى في المغرب بالنسبة لمناخ الأعمال حسب الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة… معطى تعكسه المراتب التي يحتلها في جل المؤشرات العالمية ذات الصلة.

ويرجع البنك الدولي انخفاض معدل النمو بالدول الإفريقية بشكل أساسي إلى الرشوة. الأخيرة تضيع على الدول أكثر من 2 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، بسبب تضييع فرص الاستثمار وعدم اتباع معايير الجودة والسلامة، مما يؤثر سلبا على تنافسية الشركات والدولة بشكل عام.

لقد احتل المغرب سنة 2016 في مؤشر إدراك الرشوة الذي تصدره منظمة ترانسبارنسي الدولية سنويا، المرتبة 90 من ضمن 176 دولة شملها التصنيف، بنقطة 37 على 100، محتلا بذلك المرتبة التاسعة في الدول العربية.

اقرأ أيضا: مدننا: ذاك الخراب الساكن فينا ليل نهار

بجانب ذلك، تبوأ المرتبة 69 ضمن 190 دولة بمعدل 67.91 نقطة في مؤشر مناخ الأعمال السنوي الذي أصدره البنك الدولي لسنة 2017. كما احتل المرتبة 71 ضمن 137 دولة في تقرير المنافسة العالمية الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي عن سنة 2017، حيث بوأ المغرب مركزا جد متدن على مستوى فاعلية سوق العمل بنيله المرتبة 120 عالميا.

هكذ، تعد الرشوة إذن إحدى العوائق الكبرى في المغرب بالنسبة لمناخ الأعمال حسب الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة… معطى تعكسه المراتب التي يحتلها في جل المؤشرات العالمية ذات الصلة.

لقراءة الجزء الأول: بعد سنوات من انطلاقها… المغاربة ما زالوا “يهابون” التبليغ عن الرشوة في الخطوط الخضراء 1/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *