×
×

في ذكرى وفاته: العربي باطما… نغمة مهمومة مثل صيف…

منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، وإلى بدايات القرن الحالي، اجتاح المغرب نمط جديد من الأنماط الموسيقية، عرف بالظاهرة الغيوانية…

هذه الظاهرة، لا شك أنها لم تكن وليدة فراغ، إنما وليدة سياق اجتماعي وسياسي… لم تكن أيضا وليدة السياق وحده، إنما ثمة أشخاص وراء ظهورها، من بينهم عضو فرقة ناس الغيوان، العربي باطما.

العربي باطما… رجل بسيط بشاربه الكث وشعره المنفوش الذي يحيل على “الهيبيز”، كان نجما غنائيا ذائع الصيت في زمن مضى… نجم بمفهوم غير المفهوم الحالي. نجم شارك الشعب معاناته وآماله وكان صدى لها، من خلال غنائه وألحانه وزجله، وأيضا من خلال كتاباته.

في هذا البورتريه، وبمناسبة الذكرى 22 لوفاته، نتذكر سيرة أسطورة الغيوان… العربي باطما!

العربي باطما

ثمة نوع من الشجر المعمر اسمه “بطمة”… طبعا لن نتحدث عن الأشجار هنا، لكن شجرة “بطمة” هذه، ضربت بجذورها قبالة بيت يقع بقرية أولاد بوزيري في الشاوية، فاختار رب هذا البيت اسم الشجرة، تيمنا بها، لقبا للعائلة.

ما يهمنا أنه في هذا البيت، بهذه القرية، وبهذا اللقب، سيولد، سنة 1948، فتى اختاروا له من الأسماء: العربي، وسيعمر لقب العائلة  فيما بعد، كما لو أنه امتداد لذات الشجرة.

يقول في مذكراته: “اسم أبي رحال. اسم جدي رحال. اسم أمي حادة. الرحيل، الحدود، الحدة، أسماء تعني العنف والألم وعدم الاستقرار. هكذا كانت طفولتي رحيلا بين الدار البيضاء والقرية. عشت بين الشك واليقين، وفي كل مرة، كنت أسأل نفسي، وأجد الحكمة تطفو فوق كل التساؤلات: المهم، ولا شيء مهم إلا أنا”.

صحيح أن ظروف عائلته المادية لم تسعفه لإتمام دراسته، وربما قد زكى ذلك بعض من عدم انضباطه الدراسي؛ إضافة إلى فترات سجن قضاها بسبب مشاركته في مظاهرات وإضرابات تلاميذية، لكن… مع ذلك، المستقبل كان يخبئ للعربي أشياء كثيرة.

اقرأ أيضا: محمد الحياني: في ذكرى رحيله، مرايانا تستحضر تفاصيل مسيرة أيقونة الأغنية المغربية 2/1

من حرفة إلى أخرى، من صنعة إلى ثانية، جال العربي باطما وصال في حياته الفتية حينذاك يحاول تفادي مطباتها، لا يجد لنفسه في ذلك مستقرا؛ حتى عثر على ضالته، في مجال ربما لا يمكن أن يعهد على آت من مثل بيئته.

من قال إن الدراسة في المدارس، وحدها، تجعل من الإنسان متعلما وواعيا؟ العربي رمى في الأخير بزورقه وسط محيطه، وشق بحر النجومية على نحو عصامي، من خلال تكوين تابعه في دور الشباب والمسارح البلدية والعمل الجمعوي.

العربي كان في الواقع مصابا بحب التراث الشعبي المغربي، فكان يبحث فيه ويقرأ عنه، ويواصل سفره هذا إلى أوقات متأخرة من الليل، وفي أحيان كثيرة ينسى نفسه داخل البيت لأيام.

بعدما ضاقت سبل العيش بعائلته فهاجرت إلى الدار البيضاء، انخرط العربي في جمعية المنار الذهبية بالحي المحمدي عام 1964، ثم التحق بجمعية “رواد الخشبة” المسرحية، وفيما بعد التحق بفرقة المسرح البلدي، تحت إشراف الراحل الطيب الصديقي.

في هذه الفترة، تعرف على بوجميع وعمر السيد وعلال يعلى وعبد العزيز الطاهيري… هؤلاء جميعا، ومعا، سيكونون النواة المؤسسة لفرقة موسيقية، ستكون بعد ذلك إحدى أهم الفرق التي ستمثل صوت الطبقة المهمشة في المغرب، كصدى لإحباطاتها ومعاناتها، في ظل واقع سياسي مضطرب آنذاك… فرقة ناس الغيوان.

الحقيقة أن والد العربي، رحال، كان شخصا يحب الغناء والرقص والأعراس… والدته حادة، أيضا، كانت مسكونة بالعيوط والسواكن. كل هذا لعب دورا خفيا في صنع مستقبل العربي باطما.

اقرأ أيضا: “هؤلاء 6 نساء بصمن تاريخ الكتابة الأدبية في المغرب 1\3”

يروي العربي في الجزء الأول من سيرته الذاتية، “الرحيل”، أنه كان يوما مصابا بمرض الرمد، فأخذته أمه… لا، لم تأخذه إلى طبيب، أخذته إلى معلم كناوي في كاريان سنطرال  ليعالجه  بـ”الودع”. غير أنه، حين أخذ الكناوي يعزف “السنتير”، دخل الطفل باطما في نوبة “جدبة”، اندهشت لها والدته.

العربي كان في الواقع مصابا بحب التراث الشعبي المغربي، فكان يبحث فيه ويقرأ عنه، ويواصل سفره هذا إلى أوقات متأخرة من الليل، وفي أحيان كثيرة ينسى نفسه داخل البيت لأيام.

لم يكن يقرأ فحسب. كان كاتبا وزجالا بارعا بشهادة أقرانه. كتب العربي بعض القصص، لكنها لم تنشر. وكتب نصوصا مسرحية، منها “الهبال في الكشينة”، و”هاجوج وماجوج”، ومسرحية “ثانوية العصافير” التي أدتها فرقة مسرح الحي بعد تغيير عنوانها إلى “العقل والسبورة”، إضافة إلى سيناريوهات أفلام مثل “جنب البير”، ثم روايتين، إحداهما عنوانها “خناثة” والأخرى “رحلة إلى الشرق”.

اقرأ أيضا: في العبقرية: ما كنه هذا السر الغامض الذي يسمى عبقرية؟ 1\2

أما في الزجل، فقد كتب ما صار يعد به، صاحب أطول نص زجلي في المغرب: كتاب “حسام همام”. يأتي الكتاب في ثلاثة أجزاء، لم يمهله الموت في الواقع لإتمام الثالث منها، بينما الجزأين الأولين فقط، كانا يتضمنان أزيد من 17 ألف بيت زجل. لكن الرجل، مع ذلك، كرر أكثر من مرة، في حديثه عن أخيه الراحل محمد باطما، عضو فرقة المشاهب، أن: “أخي محمد، أزجل مني”.

العربي باطما يتوسط أعضاء فرقة ناس الغيوان

لا شك أن فرقة ناس الغيوان، منذ بداياتها نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، قد أسهمت على نحو فارق، في تأسيس اسم العربي باطما. هذه الفرقة الغنائية، كانت تعد حالة استثنائية، وسط الأنماط الغنائية المتعارف عليها في المغرب.

بفصحى ودارجة بسيطتين، أنيقتين ونفاذتين، وألحان مستلهمة أساسا من التراث الشعبي، ثم بصوت العربي باطما، ذي البحة المتميزة، استطاعت هذه الفرقة أن تكون ثورة غنائية في وجه الفقر والظلم والمعاناة. لذلك، سرعان ما انتشرت في الأوساط المجتمعية، كانتشار النار في الهشيم، فأصبحت أشبه ما يكون بالظاهرة… الظاهرة الغيوانية!

العربي كتب للفرقة ولحن لها، وقد تجاوز في ذلك انشغالات الشعب المغربي، إلى انشغالات أخرى أبرزها القضية الفلسطينية، التي كتب عنها واحدة من أشهر أغاني المجموعة: “الدنيا سكتات، صهيون دارت ما بغات، صبرا وشتيلا المجزرة الكبيرة…”.

اقرأ أيضا: من فلسطين، عامر أبو شباب يكتب: الفلسطينيون وسدرة المنتهى!

في السنوات الأخيرة من تسعينيات القرن الماضي، اكتشف العربي أنه مصاب بمرض السرطان، وسارع منذ ذلك الوقت الزمن ليكتب سيرته الذاتية. وكما جاء في “الرحيل”، الجزء الأول منها: “أكتب هذا وأنا في سباق مع الموت. لقد أخبرني الأطباء أن المرض قد امتلك الجانب الأيمن من رئتي، بعدما تجاوز الجانب الأيسر”.

“لو كنت أعلم الغيب، لبقيت حارسا للدراجات، أو اشتغلت في السكك الحديدية مكان أبي”، يقول باطما آخر حياته متسائلا: “إنني أقول لنفسي الآن، أما كان الأجدر بي أن أبقى في باديتي الحبيبة لأموت هناك؟ بعيدا عن الأضواء والشهرة ومحاصرة أعين الناس من كل جانب؟”.

أما الجزء الثاني منها، والمعنون بـ”الألم”، فقد كتبه باطما في ظرف زمني لا يتعدى الأسبوع، وصور فيها أساسا معاناة الفقراء مع المستشفيات العمومية والعيادات الخاصة، حيث تغيب أي قيمة إنسانية.

الجزء الأول نشر في آخر حياة باطما، فيما نشر الجزء الثاني، بعد وفاته بالدار البيضاء يوم 7 فبراير 1997. الجزءان معا حققا عدد مبيعات قياسي خلال السنوات التي تلت وفاة العربي باطما.

اقرأ أيضا: بالفيديو: مرايانا تناقش “المغاربة” في حديث مع الصحافة

رحل باطما وقد كتب: “لو كنت أعلم الغيب، لبقيت حارسا للدراجات، أو اشتغلت في السكك الحديدية مكان أبي… إنني أقول لنفسي الآن، أما كان الأجدر بي أن أبقى في باديتي الحبيبة لأموت هناك؟ بعيدا عن الأضواء والشهرة ومحاصرة أعين الناس من كل جانب؟”.

رحل باطما وربما لم يكن يعرف أنه بفنه الصادق، أنى كان تصنيفه، قد دخل تاريخ المغرب من أوسع أبوابه، وأن اسمه باق وصامد في الزمن والأذهان، لا تطاله أي علة في نفوس البسطاء… رحل ولا زالت كلمته حية تصلح لهذا الزمن، وربما لأزمان أخرى قادمة.

تعليقات

  1. سهام النگادي

    هل تستطيعون إمدادنا بنسخ رقمية من سيرته الذاتية؟ لم أجد لها أثرا بمكتبات الجهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *