×
×

الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… مُلك مصر أهم من حرب الصليبيين! 4/5

في الجزء الأول والثاني والثالث من هذا الملف، وقفنا على عدد من النصوص والمصادر التي تقدم صورة مغايرة لما درج المخيال الشعبي على تمثله بالنسبة لشخصية صلاح الدين الأيوبي. في …

يوسف المساتي

في الجزء الأول والثاني والثالث من هذا الملف، وقفنا على عدد من النصوص والمصادر التي تقدم صورة مغايرة لما درج المخيال الشعبي على تمثله بالنسبة لشخصية صلاح الدين الأيوبي.

في هذا الجزء الرابع، نواصل البحث في عدد من المعطيات التي أوردتها عدد من الوثائق والمصادر التاريخية، في محاولة لفهم الكثير من المسكوت عنه في تاريخ موثق.

صلاح الدين: متقاعس عن حرب الصليبيين؟

ارتبطت شهرة صلاح الدين بالحرب ضد الصليبيين وتحرير القدس، غير أن استقراء المصادر التاريخية الإسلامية، يضعنا أمام صورة مغايرة؛ فصلاح الدين لم يدخل معارك كثيرة في مواجهتهم كما فعل نور الدين زنكي مثلا، وأغلب معارك صلاح الدين إما أنها كانت معارك صغيرة، أو أنها انتهت بانهزامه، ونصر حطين ما كان أن يتأتى لولا تسميمه مياه الآبار. لكن أبرز ما سجل التاريخ في هذا الخصوص، بحسب عدد من المصادر، كان “تقاعسه” عن القتال حماية لأطماعه الخاصة.

إقرأ أيضا: التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10

ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 567 هجرية: “في هذه السنة جرت أمور أوجبت أن تأثّر نور الدين من صلاح الدين، ولم يُظهر ذلك، وكان سببه أن صلاح الدين يوسف بن أيوب سار عن مصر في صفر من هذه السنة إلى بلاد الفرنج غازياً، ونازل حصن الشوبك، وبينه وبين الكرك يوم، وحصره، وضيَّق على مَنْ به من الفرنج، وأدام القتال، وطلبوا الأمان، واستمهلوه عشرة أيام، فأجابهم إلى ذلك…

كتب (صلاح الدين) إلى نور الدين يعتذر باختلال البلاد المصرية لأمور بلغتْه عن بعض شيعته العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها، فإنه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوم أهلها على من تخلّف بها، فيخرجوهم وتعود ممتنعة، وأطال الاعتذار، فلم يقبلها نور الدين منه، وتغيَّر عليه، وعزم على الدخول إلى مصر وإخراجه عنها

…فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصداً بلاد الفرنج أيضاً؛ ليدخل إليها من جهة أخرى، فقيل لصلاح الدين: إن دخل نور الدين بلاد الفرنج وهم على هذه الحال: أنت من جانب ونور الدين من جانب، ملكها، ومتى زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام مع نور الدين، وإن جاء نور الدين إليك وأنت ههنا، فلا بد لك من الاجتماع به، وحينئذ يكون هو المتحكّم فيك بما شاء، إن شاء تركك، وإن شاء عزلك، فقد لا تقدر على الامتناع عليه، والمصلحة الرجوع إلى مصر. فرحل عن الشوبك عائداً إلى مصر، ولم يأخذه من الفرنج، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال البلاد المصرية لأمور بلغتْه عن بعض شيعته العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها، فإنه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوم أهلها على من تخلّف بها، فيخرجوهم وتعود ممتنعة، وأطال الاعتذار، فلم يقبلها نور الدين منه، وتغيَّر عليه، وعزم على الدخول إلى مصر وإخراجه عنها”.[1]

وقعت نفرة بين الملك نور الدين والملك صلاح الدين الناصر، وذلك أن الملك نور الدين غزا في هذه السنة بلاد الفرنج…ثم عزم على محاصرة الكرك، وكتب إلى صلاح الدين أن يلتقيه بالعساكر المصرية إلى بلاد الكرك… فتوهم من ذلك الملك صلاح الدين، وخاف أن يكون لهذا الأمر غائلة يزول بها ما حصل له من التمكن من بلاد مصر

يكشف هذا النص بجلاء عن أطماع صلاح الدين وأسرته، وأن فتح البلاد كان لأهداف شخصية. أما قتال الصليبيين الذين كانوا يعيثون في الشام وحدود مصر، فيبدو انه لم يكن مطروحا في جدول أعمال صلاح الدين، الذي يبدو من خلال هذه النصوص والمصادر، مثل أي أمير سيطر على الملك ويسعى للحفاظ عليه، ولا يجد غضاضة في أن يتقاعس عن مواجهة العدو الأخطر، “الصليبيين”، حتى يحمي ما وصل إليه.

إقرأ أيضا: تاريخ الحج قبل الإسلام: بين القطيعة والاستمرارية 1\3

يؤكد ذلك نص آخر لصاحب البداية والنهاية قال فيه: “وفيها: وقعت نفرة بين الملك نور الدين والملك صلاح الدين الناصر، وذلك أن الملك نور الدين غزا في هذه السنة بلاد الفرنج في السواحل فأحل بهم بأسا شديدا، وقرر في أنفسهم منه نقمة ووعيدا، ثم عزم على محاصرة الكرك، وكتب إلى صلاح الدين أن يلتقيه بالعساكر المصرية إلى بلاد الكرك، ليجتمعا هنالك ويتفقا على المصالح فيما يعود نفعه على المسلمين، فتوهم من ذلك الملك صلاح الدين، وخاف أن يكون لهذا الأمر غائلة يزول بها ما حصل له من التمكن من بلاد مصر، ولكنه مع ذلك ركب في جيشه من (الديار المصرية) لأجل امتثال المرسوم، فسار أياما، ثم كر راجعا معتلا بقلة الظهر والخوف على اختلال الديار المصرية إذا بعد منها، واشتغل عنها، وأرسل يعتذر بذلك إلى السلطان الملك العادل نور الدين رحمه الله”[2].

ملحوظة: فضلنا ادراج النصوص الأصلية كما ساقها أصحابها تلافيا لأي اتهام كيفما كان.

[1]-  ابن الأثير، مرجع سابق، صص 35-36.
[2] – ابن كثير، مرجع سابق، ص 214.

لقراءة الجزء الأول: الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… كما رسمته المصادر الإسلامية السنية 1/5

لقراءة الجزء الثاني: الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… سر الخلاف مع الملك نور الدين 2/5

لقراءة الجزء الثالث: الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… الانقلاب على نور الدين وخلع العاضد3/5 

لقراءة الجزء الخامس: الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… انتصار الإيديولوجيا! 5/5

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *