×
×

السترات الصفراء: الفرنسيون غاضبون… يتضامنون… يحتجون 3\3

اطلعنا في الجزء الأول والجزء الثاني من هذا الروبورتاج على بدايات الاحتجاجات، على طبيعة المطالب وعلى دور الإعلام في “ثورة” أصحاب السترات الصفراء. في هذا الجزء، الثالث والأخير، سنواصل سرد …

وسام الناصر، باحث سوري

اطلعنا في الجزء الأول والجزء الثاني من هذا الروبورتاج على بدايات الاحتجاجات، على طبيعة المطالب وعلى دور الإعلام في “ثورة” أصحاب السترات الصفراء.

في هذا الجزء، الثالث والأخير، سنواصل سرد تفاصيل اليوم الذي قضيناه مع بعض المحتجين في الجنوب الفرنسي.

انضممتُ إذن لمجموعة من الشبان والشابات الذين يغنون تارةً، ويلوحون للمارة بإشارات النصر تارةً أخرى. تبادلتُ أطراف الحديث مع الشاب الثلاثيني بجانبي. سألته: “أتأتي يومياً إلى هنا؟” قال: “نعم، وسأستمر حتى تنتصر إرادتنا”.

إنه رجل غاضب ممتلئ حتى الانفجار… يشرح بأنه يعمل 25 ساعة في الأسبوع، وأنه مصاب بإعاقه جزئية؛ لذلك فراتبه لا يتجاوز 800 يورو في الشهر. “إنهم يسرقوننا… كيف تريد أن لا أحضر إلى هنا كل يوم؟”.

ينضمُ لنا رجل وصل للتو. يشرح بأنه أتى إلى الاعتصام من العمل مباشرة. كان بالفعل قد وصل بثياب العمل المتسخة. يضيفُ هذا الأخير بأن لديه عائلة وأولادا.. لا يستطيع أن يحضر يومياً، لكنه متضامن مع السترات الصفراء إلى أبعد حد، تماما كما باقي المحتجين الذين تابعنا مواقفهم في الجزء الأول والجزء الثاني من هذا الروبورتاج.

تعود الاستمرارية في الاعتصام إلى تناغم أفراد المجموعة الذين أصبحوا يعرفون بعضهم بشكل جيد. يتقاسمون المهام والحضور، حيث يتعهدُ الشبان والشابات بالمناوبات الليّلية، بينما يدعمهم الباقون من المتزوجين والمتقاعدين بالحضور بأجزاء من الليل وخلال ساعات النهار.

أثارت الهتافات وأصوات الشاحنات الصاخبة حماس أحد الشبان. وجه الكلام إلينا: “هل سنبقى واقفين نلوّحُ بأيدينا للعابرين ونبتسم لهم؟”

يرى هذا الشاب بأنه يجب أن نفعلَ شيئاً أخر؛ كأن نشعل ناراً في الألواح الخشبية على سبيل المثال. بدأ بعض الحاضرين يوضحون له ضرورة الالتزام بالهدوء والحرص على عكس صورة حضارية للتجمع؛ لأن العنف سيعطي ذريعة للشرطة للتدخل وإخلاء المكان…

مائدة مفتوحة لجميع المحتجين. الصورة التقطها الكاتب في ديسمبر 2018

اتجهتُ إلى المائدة المفتوحة، قبل موعد الغداء بقليل، لتناول فنجان من القهوة مع شابتين تحضران بعض السندويشات للحضور.

سألتُ: “ألم تتعبا؟ هل ستصمدان لوقت طويل؟”

بدأت الفتاتان، بحماس و ثقة، تتبادلان الأدوار في تناغم واضح للإجابة على تساؤلاتي. تؤكدُ الأولى بأن ما ينسيهم تعبهم ويحفزهم على الاستمرار، هو التضامن والدعم الذي يقدمه سكان البلدات المجاورة لهم. تضيفُ صديقتها بأن كل ما هو موجود من طعام ومشروبات، يقدّمهُ لهم مجاناً مواطنون من أصحاب الحرف والمهن المختلفة.

مطعم “البيتزا” المقابل يزودهم بوجبات كافية بشكل شبه يومي، والخباز يرسل لهم الخبز وغيره من المعجنات. كما أن كل من يأتي هنا للمشاركة يُحضِرُ شيئاً معه (ماء، عصير، طعام.. الخ).

توسّعتْ الشابتان في تبيان دور الفايسبوك في التنسيق والتنظيم: حين ينقص أي شيء، يتم طلبه من أعضاء الصفحة، ومن ثمة، يتم تلبية الطلب ممن لديه الوقت أو الإمكانية.

هل ستصمد حكومة “التكنقراط” ذات التوجهات اللبرالية المفقِرة أمام هؤلاء المنتفضين؟ أم أن الفرنسيين سيخطون سطراً جديداً من سطور التاريخ و الثورات؟

تساعدهم الصفحة أيضاً في ضمان التواجد الدائم في المكان، ليلاً ونهارأ. تعود الاستمرارية في الاعتصام، كما فهمتُ من الشابتين، إلى تناغم أفراد المجموعة الذين أصبحوا يعرفون بعضهم بشكل جيد. يتقاسمون المهام والحضور، حيث يتعهدُ الشبان والشابات بالمناوبات الليّلية، بينما يدعمهم الباقون من المتزوجين والمتقاعدين بالحضور بأجزاء من الليل وخلال ساعات النهار.

يبدو واضحا أن أعداد المنضمين للاعتصام في تزايد مستمر. يسعى أصحاب “السترات الصفراء” في هذا المعبر إلى جذب وتشجيع المزيد من المواطنين للحضور لمساندتهم. ضمن هذا السياق، أطلقتْ صفحة الفيسبوك الخاصة بالمجموعة مبادرة لجمع لعب الأطفال، لتقديمها كهدية للجمعيات التي تساعد الأطفال المحتاجين خلال فترة الأعياد.

لاتزالُ حركة “السترات الصفراء” في طورها الأول ولم تأخذ بعد شكلها النهائي، سواء من حيث القوى المنضوية فيها، أو من حيث مطالبها التي لم تتبلور بشكل واضح بعد. هل ستصمد حكومة “التكنقراط” ذات التوجهات اللبرالية المفقِرة أمام هؤلاء المنتفضين؟ أم أن الفرنسيين سيخطون سطراً جديداً من سطور التاريخ والثورات؟

الجزء الأول من اليوم الذي قضاه وسام الناصر مع أصحاب السترات الصفراء

الجزء الثاني من اليوم الذي قضاه وسام الناصر مع أصحاب السترات الصفراء

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *