×
×

يوم مع السترات الصفراء: هل نحن أمام ثورة فرنسية جديدة؟ 2\3

يتواجد في المعبر مواطنون من شرائح اجتماعيّة وعمريّة مختلفة بدون ألوان سياسيّة أو نقابيّة معلنة. رأيتً متقاعدين تزيد أعمارهم عن 60 عاماً، وشبانا بين 25-40، من أصحاب مهن مختلفة، مستثمرين …

وسام الناصر، باحث سوري

يتواجد في المعبر مواطنون من شرائح اجتماعيّة وعمريّة مختلفة بدون ألوان سياسيّة أو نقابيّة معلنة. رأيتً متقاعدين تزيد أعمارهم عن 60 عاماً، وشبانا بين 25-40، من أصحاب مهن مختلفة، مستثمرين صغارا أو عاطلين عن العمل. شاهدت أيضا حضورا نسائيا فاعلا.

لكن عدد الشبّان دون 18 عاماً كان قليلاُ. كما لاحظتُ غيابَ طلاب الجامعات غياباً شبه كامل حتى اللحظة.

كما رأينا في الجزء الأول، فالمكان مفعم بالحيوية والنشاط. حلقات نقاشيّة عديدة تعقدُ في كل زاوية وركن. المحرك الأساسي لهذه النقاشات هم المتقاعدون، كلٌ يتحدث عن تجربته الحياتيّة وأسباب حضوره للمكان، طارحاً آراءه وتطلعاته من هذا الحراك.

متظاهر: “لماذا لاتنقلون الحقيقة؟ لماذا تركزون على باريس وتتجاهلوننا؟ نحنا هنا منذ ثلاثة أسابيع ولم تحدث أي مشكلة”.

في خضم هذه النقاشات، يقارنُ أحد المتقاعدين ما يحصل الآن مع موجة الاحتجاجات التي وقعت عام 1968. برأيه، لم يكن ليتراجع الجنرال “ديغول” لولا قوة الاحتجاجات وإصرار المتظاهرين:  “نعم، سقط العشرات من الضحايا في تلك المظاهرات… لكن، لابد من ثمن للتغيير”.

يتدخلُ رجل آخر مقاطعاً زميله، حاملاً المقارنة إلى زمان أبعد: الثورة الفرنسية عام 1789. يعتبر هذا الأخير أن خروج الفرنسيين اليوم ليس فقط احتجاجاً عابراً كرد فعل على رفع ضرائب المحروقات ؛ إنما هو نتيجة تراكم سياسات الحكومات المتعاقبة على امتداد ثلاثين عاماً. فالفرنسيون، برأيه، يتحملون ويسكتون منذ فترة طويلة، ومن ثمة، فهم يأخذون حقهم من حكامهم دفعة واحدة في نهاية المطاف.

المعتصمة لورا تفترش الطريق. الصورة التقطها الكاتب في 5 ديسمبر 2018

تدخلتُ هنا في النقاش سائلاً: “أنت تقارن هذه الاحتجاجات بالثورة الفرنسية، ألا تعتقد أنك تتسرع قليلاً ؟”، يقاطع الرجل بثقة وإصرار، ويضيف أن هذه ليست حركة بسيطة، إنها احتجاجات على كامل الأراضي الفرنسية، و نحن في طريقنا للقيام بثورة بكل ما تحتويه الكلمة من معنى.

يستطرد الرجل في عرض مقاربته بأن هذه الاحتجاجات يجب أن تعيد السلطة للشعب من خلال حل البرلمان والحكومة وتشكيل ما يشبه “برلمان الشعب”. يصرّ الرجل بشدة على دور الشعب في استعادة مقاليد السلطة، وعلى عدم السماح للأحزاب السياسيّة أو النقابات بالتدخل واستغلال الموجة الغاضبة.

إن خروج الفرنسيين اليوم ليس فقط احتجاجاً عابراً كرد فعل على رفع ضرائب المحروقات ؛ إنما هو نتيجة تراكم سياسات الحكومات المتعاقبة على امتداد ثلاثين عاماً

أسألهُ مجدداً: “ألا تخشى من انحراف مسار “السترات الصفراء” في ضوء ما رأيناه من عنف في مظاهرات باريس؟”. يومئ الرجل برأسه موافقاً، مؤكداً بنفس الوقت على إمكانية ازدياد وتيرة العنف لتصل في بعض الأحيان إلى “حرب أهلية” اذا لم تستجب الحكومة لمطالب الشعب: “نحن مستمرون بالاعتصام هنا بشكل سلمي وحضاري و لن نذهب إلى باريس للتظاهر، ولكن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة”.

الإعلام الفرنسي غير مرحب به

وصلتْ إلى المكان مراسلة القناة الفرنسية الثانية. تهافتَ عليها عدد من المحتجين توبيخاً وتأففاً، في مشهد يعكسُ غضب المتظاهرين من عدم تغطية وسائل الإعلام الفرنسية لكامل الاعتصامات في فرنسا، وتركيزها فقط على أعمال الشغب في باريس.

يصيح أحد الشبان : “لماذا لاتنقلون الحقيقة؟ لماذا تركزون على باريس وتتجاهلوننا؟ نحنا هنا منذ ثلاثة أسابيع ولم تحدث أي مشكلة”. حاولت المراسلة تهدئة المتظاهرين شارحةً  لهم أنها هنا للتعرف على مطالبهم كي تنقلها للحكومة. ازدادَ ضجيج المعتصمين حول المراسلة مستنكرين تواجدها ومهنية الإعلام الفرنسي في التعامل مع الأحداث. حاولت المراسلة تهدئتهم شارحةً بأن لديها خبرة في نقل الأحداث، وأنها واكبت العديد من الحروب في كل من سوريا والعراق ولبنان.

هذه ليست حركة بسيطة، إنها احتجاجات على كامل الأراضي الفرنسية، و نحن في طريقنا للقيام بثورة بكل ما تحتويه الكلمة من معنى.

من بين المحتجين على وجود الإعلام إمرأةٌ خمسينية، اسمها “لورا”. الكل يعرف لورا، فهي تقضي ليلها ونهارها هنا منذ بداية الاعتصام.

وضعت “لورا” لوحاً خشبياً وفرشته بغطاء تجلس وتنام عليه. حاول بعض الشبان إبعادها من أمام عدسات القناة التلفزيونية؛ فازدادت غضباً وذهبت باتجاه المراسلة قائلة : “اذهبوا من هنا”.

ترددتُ في الاقتراب منها، ولكنها نادتني طالبة سيجارة. أشعَلَتها وهي تقول : “أنا أنتظر هذه اللحظة منذ عشر سنوات “. بررت “لورا” غضبها من وسائل الإعلام بأن هذه الأخيرة لم تذهب لمقابلة الفقراء والمشردين في الشوارع منذ سنين. تشرحُ هذه السيدة أنها على علم بأن تواجدها في وسط الشارع يوحي بأنها مشردة بلا مأوى. لكن الحقيقة أنها عاملة وفي إجازة مرضية الآن، وهذه هي الرسالة الوحيدة التي تريد أن توصلها: “لقد تشردنا بسببكم”.

الجزء الأول من اليوم الذي قضاه وسام الناصر مع أصحاب السترات الصفراء

الجزء الثالث من اليوم الذي قضاه وسام الناصر مع أصحاب السترات الصفراء

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *