×
×

#ألف_حكاية_وحكاية: تاناتوس… موسم الموت

كانوا يضربون رقابهم ورؤوسهم بسكاكين كبيرة. أرى أطرافا من الرقبة ومن الرأس تتدلى. كانت موسيقى غريبة تقرع وهم يصرخون “الله أكبر” ويأكلون البرتقال الممزوج بالدم. كنا أطفالا وكانت أمهاتنا تحملننا …

حنان الدرقاوي

كانوا يضربون رقابهم ورؤوسهم بسكاكين كبيرة. أرى أطرافا من الرقبة ومن الرأس تتدلى. كانت موسيقى غريبة تقرع وهم يصرخون “الله أكبر” ويأكلون البرتقال الممزوج بالدم.

كنا أطفالا وكانت أمهاتنا تحملننا إلى طقس التطهير ذاك. فيما بعد، رأيت آخرين في التلفاز يجلدون أنفسهم بسلاسل حديدية ويصيحون: “يا حسين… يا حسين”. لم أكن أعرف من هو الحسين، لكنه بدا لي شخصا مؤذيا للغاية. كانوا يسيئون لأنفسهم ويمزقون أوصالهم لكي يروا الله جميلا.

كنت صغيرة وكان الأوان موسم سيدي يحيى بتنجداد، حيث تحدث الغرائب. يقولون إن سيدي يحيى ولي الله وإن الله يحب أن يشقى عباده ويتألموا.

كانوا يقصمون رؤوسهم لكي يتجلى لهم الله. إلههم غريب موغل في القسوة مثل أبي. وكأنه أب كوني. أب يزعق على الدوام، يضرب وينتقم ويؤلم ويحب أن نتألم.

كانوا يسيئون لأنفسهم ويمزقون أوصالهم لكي يروا الله جميلا.

كنت صغيرة جدا وكانت أول مرة أحضر فيها موسم سيدي يحيى وعرض السكاكين. أرى تلك المشاهد وأود أن أجري، أن أهرب إلى أي مكان فيه إله رحيم وأناس يحتفلون بالحياة.

أمي تقول إن ذلك احتفال. أي احتفال يا ربي أن تشرع السكاكين وتنزل على الرؤوس؟ كان من بين الضاربين أنفسهم، السي هربوب، صديق لأسرتي. تجعلنا أمي نشاهد وصلته وهي تفتخر بالرجل ذي البركة الكبيرة. يجلد نفسه في سيدي يحيى، وبعد يومين، نلتقيه وقد شفي تماما ويضحك ملء فيه. يحدثنا عن الجذبة التي تتملكه أوان الموسم وعن انتظاره له طيلة السنة.

النساء في المطبخ طيلة اليوم والرجال نائمون. يتحملن عبء الأشغال المنزلية وأعباء العمل في الحقول والعناية بالدواب، ويفجرن غضبهن فينا نحن الأطفال لكي يكون الله أكثر قربا ويكافئهن على سنوات الطاعة لأزواج يستحقون الرجم.

في انتظار سيدي يحيى، كان يأتي طقس آخر لم أكن أفهمه. الكبار يمتنعون عن الأكل والشرب ويصيرون عصبيين، متوترين… ويبدأ ضربنا نحن الصغار بسبب وبدونه. كانوا يجوعون ليروا الله قريبا، وكنا نحن الصغار ككرات بئيسة ننام جوعى؛ وفي الصباح، نلتقط فضلات ما أكلوه في جوف الليل. كان ينقصهم النوم وكان التعب يبدو على أعينهم وهالات زرقاء تحيط بها. يبدون ثقيلين ولا يحتملون الحر، فليشربوا إذن! لكنهم لم يشربوا، بل عطشوا حتى نهاية اليوم ليروا الله جميلا.

اقرأ لنفس الكاتبة – #ألف_حكاية_وحكاية: علي أكوباش، امرأة بجسد رجل

النساء في المطبخ طيلة اليوم والرجال نائمون. يتحملن عبء الأشغال المنزلية وأعباء العمل في الحقول والعناية بالدواب، ويفجرن غضبهن فينا نحن الأطفال لكي يكون الله أكثر قربا ويكافئهن على سنوات الطاعة لأزواج يستحقون الرجم.

لم نفعل شيئا نستحق عليه الزجر، لكن ذلك كان حظنا من طقس العطش ذاك. يجوعون ويعطشون، ونتبهدل نحن لكي يكون الله جميلا وقريبا.

يمضي طقس الجوع ويأتي موسم السكاكين، الجميع بيده سكين، يذبح ويسلخ. أمام البيوت، سواقي من ماء أحمر. القرية كلها دم، ولا أحد يشرح لنا لماذا يحدث كل ذلك.

أهرب من البيت. أتجول في الأزقة وأسمع أصوات الأكباش وهي تبعبع. ما الذي فعلته تلك الأكباش؟ يذبحون ويسلخون ليروا الله جميلا. يتصافحون وأيديهم ملطخة بالدماء. يمتلأ البيت باللحم  ورائحة الدم، وأنا أحلم بكل تلك الأكباش وهي تقفز في البرية.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يعلنها توبة نصوحة

يمضي السلخ والذبح وتأتي الأيام الثقيلة. الزيارات المطولة لمقبرة سيدي بولمان. لا يجب أن ننسى الموتى، أن ننسى أننا نحن أيضا ميتون لا محالة. ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر. في المقابر موت، وفي سيدي يحيى موت وفي العطش موت وفي العيد موت. نرقص رقصة الموت، لا رقصة الحياة لكي يروا الإله جميلا.

لا يهم كيف تعيش، كيف تحتضن طفلا، كيف تقبل امرأة، كيف تتذوق موسيقى، كيف ترسم، كيف تغني. الأهم هو أن ترقص للموت، للتاناتوس،

لا يهم كيف تعيش، كيف تحتضن طفلا، كيف تقبل امرأة، كيف تتذوق موسيقى، كيف ترسم، كيف تغني. الأهم هو أن ترقص للموت، للتاناتوس، لنزعة غريبة في الذوبان في الموت، في التماهي معه؛ فنحن كلنا ميتون ويبقى الإله الجميل، القريب. كل من عليها فان. كلنا فانون هنا. بالعطش سنموت. بالفقر سنموت. بضربة سكين هوجاء سنموت. الجميع خائفون وما يهم هو الماوراء. الحياة لاوجود لها، لامعنى لها. المهم هو أن لا ننسى أننا يوما سنموت. كنت صغيرة وكنت أصرخ: “فليأت الموت إذن! ليلتهم هاته الواحة البئيسة بمساكنها ومقبرتها ومقام سيدي يحيى. لنمت جميعا بضربة واحدة، لننسحب من حياة لا تأتي”.

كنت أريد حياة… عناقا… وقبلا… وكانوا يقترحون علي هلعا، خوفا مرضيا من شيء لن أعرف عنه شيئا في يوم ما. لا ألتقيه، وحين أموت لن أحس به. الموت سياق آخر لا يمكن التعرف عليه. الإنسان لا يلتقي الموت أبدا. أنا حية. أريد الحياة. حياة  فاتنة. وحدهم من يتقنون فنون الغواية يدخلون قلبها.

إنهم يتقنون أصول الألم؛ ولا شيء يقدمونه لي غير القسوة. كانوا يريدون أن يروه قريبا، ولهذا يسلخون أنفسهم وذويهم. كانوا يرون الله جميلا ولهذا يجوعون. وكنت أنا طفلة أريد حياة جميلة… حياة قريبة… فما بها تبتعد عني كل يوم في هاته الواحة المجنونة؟

*حنان الدرقاوي كاتبة مغربية

#ألف_حكاية_وحكاية

اقرأ أيضا – حسين الوادعي: القاتلون باسم الله

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *