×
×

سيرج بيرديغو.. سفير الموروث اليهودي المغربي!

قال الملك الراحل الحسن الثاني يوما: “عندما يغادر يهودي مغربي بلده، نفقد مقيما، ولكننا نربح سفيرا”. نعم، كان اليهود بالمغرب إلى حدود الخمسينيات يعدون بعشرات الآلاف، واليوم لا يتعدون الألفين… …

قال الملك الراحل الحسن الثاني يوما: “عندما يغادر يهودي مغربي بلده، نفقد مقيما، ولكننا نربح سفيرا”.

نعم، كان اليهود بالمغرب إلى حدود الخمسينيات يعدون بعشرات الآلاف، واليوم لا يتعدون الألفين… سوادهم الأعظم هاجر، لكن منهم من ظل بوطنه، ولوطنه.

سيرج بيرديغو واحد من هؤلاء… وقد كان يوما ما وزيرا للسياحة في المغرب، واليوم، هو سفير متجول للمغرب بتعيين من الملك محمد السادس.

سيرج بيرديغو أيضا اليوم، أمين عام لمجلس الطوائف اليهودية بالمغرب، ولا زال يسخر كل جهده لترسيخ ما تبقى من وجود يهودي بوطنه، كما يعمل على نقل الموروث اليهودي للأجيال القادمة، إن في المغرب أو خارجه..

في هذا البورتريه، نسرد بعضا من حكاية يهودي مغربي، اسمه سيرج بيرديغو!

سيرج بيرديغو

بمكناس عام 1937، أطلق، سيرج بيرديغو صرخته الأولى، وسط عائلة تعود جذورها إلى الحاخامات الذين طردوا من الأندلس عام 1492، فنزحوا إلى المغرب مستقبلا إياهم بأذرع مفتوحة وآواهم بكل تسامح.

بيرديغو نشأ وترعرع بذات المدينة، وكان والده رئيس الطائفة اليهودية بالمغرب، من 1937 حتى 1968، سنة وفاته. منصبه هذا، والحديث هنا عن والده دائما، مكنه من الخوض مع الملك الراحل محمد الخامس في شؤون اليهود، ومحاورته فيما تعلق بإنقاذ اليهود من النازية.

يشير المؤرخ المغربي عبد الهادي بوطالب، في حوار سابق له مع جريدة “الشرق الأوسط”، إلى أن محمد الخامس كان له موقف تاريخي حيال اليهود المغاربة، حينما طلب منه الألمان طردهم ومصادرة أموالهم.

الملك الراحل دافع عنهم بكل إصرار وشجاعة وحماهم قائلا: “إنهم رعيتي وهم مواطنون مغاربة ولا يمكن أن يمسوا بسوء ما داموا في المغرب”. هذا الموقف يعترف به يهود المغرب لمحمد الخامس، وحتى يهود إسرائيل يذكرون ذلك بكل امتنان، وفق بوطالب، حتى أنه يوجد شارع اليوم بإسرائيل يحمل اسم محمد الخامس.

بيرديغو اشتغل في بداية مساره المهني مفوضا بالبنك الوطني المغربي للتنمية الاقتصادية عام 1964. وبعد وفاة والده، انتقل إلى الدار البيضاء، حيث سيعمل مديرا عاما لشركة الدراسات والتمثيلية والعمومية.

عام 1970، سيشغل منصب المتصرف الوحيد لشركة الدراسات والتمثيلية والمساهمات الصناعية، ثم عام 1982 سيولى منصب المتصرف المنتدب للشركة الشريفة للأشغال الإفريقية.

تعيين بيرديغو على رأس وزارة السياحة، كان الغرض منه أساسا تشجيع المغاربة اليهود في العالم، وفي إسرائيل أيضا، والذين كان يبلغ تعدادهم 750 ألف، على زيارة وطنهم الأصلي على نحو مكثف.

إلى جانب ذلك، التحق عام 1972 بمجلس الطائفة اليهودية، كما سيصبح عام 1979 ممثلا للمغرب في المؤتمر العالمي لليهود. اهتمام بيرديغو بشؤون اليهود في المغرب حذا به أيضا مع أصدقاء له، إلى تأسيس “تجمع اليهودية المغربية”، وهي منظمة عالمية تعنى بشؤون اليهود المغاربة في العالم، وتعمل على تحسين علاقتهم مع المغرب.

اقرأ أيضا: “أحمد الخمسي يكتب ـ حزن الظن: باب الجياف… باب اليهود!”

ثاني وزير يهودي بالمغرب

حرص المغرب غداة استقلاله على تعيين وزير يهودي في الحكومة الأولى؛ وقد كان اسمه دافيد بن زاكين، وعينه الملك الراحل محمد الخامس وزيرا للبريد، مع أنه كان مستقلا لا ينتمي إلى أي حزب.

في الحوار الذي سبقت الإشارة إليه، كشف عبد الهادي بوطالب، أن تعيين بن زاكين كان فيه إشارة إلى توجه المغرب نحو الديمقراطية ووحدة المواطنة بصرف النظر عن الدين، وأن اليهود، وإن كانوا في بلد إسلامي، لهم كامل حقوقهم بما فيه أن يصبحوا وزراء.

ذات الاتجاه سار فيه الملك الراحل الحسن الثاني، وهذه المرة مع سيرج بيرديغو، الذي سيصبح وزيرا للسياحة، بين عامي 1993 و1996، في حكومة محمد كريم العمراني.

مما فهم آنذاك، أن تعيين بيرديغو على رأس وزارة السياحة، كان الغرض منه أساسا تشجيع المغاربة اليهود في العالم، وفي إسرائيل أيضا، والذين كان يبلغ تعدادهم 750 ألف، على زيارة وطنهم الأصلي على نحو مكثف، بعدما ارتبطت زياراتهم بالمواسم الدينية فقط، فظلت بذلك محدودة.

بعد عشر سنوات من ذلك؛ أي عام 2006، سيعين الملك محمد السادس بمدينة أكادير، سيرج بيرديغو سفيرا متجولا للمغرب، اعتبارا لمساره المهني وتجاربه المختلفة في الحياة الوطنية والدولية.

اقرأ أيضا: “من الولايات المتحدة الأمريكية، عمر بوم يكتب: مستقبل الديانة اليهودية في نسختها المغربية”

ترسيخ الموروث اليهودي

في حوار سابق له مع موقع “أصوات مغربية”، كشف سيرج بيرديغو عن كونه صور مجموعة من الأشرطة ما بين عامي 1953 و1965، حول حياة الطائفة اليهودية في تلك الفترة عندما كانت تتجاوز أعدادهم 200 ألف شخص.

ومع ابنه مارك بيرديغو، أنتج شريطا وثائقيا بعنوان “يا حسرة على دوك ليام..” بناءً على الأشرطة التي صورها سابقا، وقد عرضه بالرباط، ماي 2016. الشريط سلط فيه سيرج الضوء على تقاليد اليهود وثقافتهم ومعيشهم اليومي في الملاح، إضافة إلى طرق الاحتفال بأعيادهم.

صحيح أن اليهود اليوم صاروا لا يتعدون الألف أو الألفين بالمغرب، لكن سيرج بيرديغو يؤكد أن ما يهم ليس هو الكم، وإنما الرمزية.

في فبراير الماضي (2018)، سيقدم سيرج بيرديغو بمقر متحف التراث اليهودي بالدار البيضاء كتابه “بيوت الحياة”[1]. وقد تناول الأمين العام لمجلس الطوائف اليهودية بالمغرب، في كتابه هذا، عملية إعادة تأهيل المقابر اليهودية بالمغرب، التي جاءت بناءً على قرار سابق للملك يروم الحفاظ على جميع أماكن العبادة والمقابر بالمغرب.

اليوم، يعمل سيرج بيرديغو جاهدا للحفاظ على الذاكرة والعادات وقيم اليهودية المغربية. ويؤكد في حواره مع “أصوات مغاربية”، أن اليهود سعداء لأن أصدقاءهم المسلمين، يساعدونهم ويعون بأن هذا جزء من الموروث الثقافي المغربي الذي يجب المحافظة عليه.

بيرديغو أسهم في تأسيس مؤسسة التراث اليهودي بالمغرب، وكذا متحفا بالخصوص، ويقول إن العمل الذي يعكف عليه حاليا، يروم نقل الموروث اليهودي للجيل الجديد، في المغرب وخارجه.

صحيح أن اليهود اليوم صاروا لا يتعدون الألف أو الألفين بالمغرب، لكن سيرج بيرديغو يؤكد أن ما يهم ليس هو الكم، وإنما الرمزية. “المغاربة اليهود مكتسب رمزي لهذا البلد، والمسلمون فخورون بهم، لأنهم أينما كانوا يبقون مرتبطين ومتمسكين بالمغرب”، كما يبرز بيرديغو لـ”أصوات مغاربية”.

اقرأ أيضا: “من فلسطين، عامر أبو شباب يكتب: الفلسطينيون حائرون بين حل الدولة أو الدولتين”


[1]  يعني بيت الحياة، في الموروث اليهودي، القبر.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *