×
×

لماذا ينتحر المغاربة؟الجزء الثاني

رأينا في الجزء الأول من هذا الملف أن ظاهرة الانتحار قديمة في المغرب، غير أنه لا إحصائيات رسمية بخصوصها لكونها لا زالت تعد من الطابوهات. في هذا الجزء، الثاني والأخير، …

رأينا في الجزء الأول من هذا الملف أن ظاهرة الانتحار قديمة في المغرب، غير أنه لا إحصائيات رسمية بخصوصها لكونها لا زالت تعد من الطابوهات. في هذا الجزء، الثاني والأخير، نتعرف إلى مجمل الأسباب التي تفسر ظاهرة الانتحار وتؤدي إليها في المغرب.

16 بالمائة من المغاربة يفكرون في الانتحار!

لا يفرق الانتحار بين ضحاياه، آخر شواهد ذلك انتحار طبيب نفساني في الدار البيضاء، ماي الماضي، بإلقاء نفسه من نافذة عيادته.

يشير ادريس الموساوي، الرئيس السابق لقسم الطب النفسي بالمستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، في تصريح لـ”مرايانا”، إلى أن ذات الأسباب النفسية التي تؤدي إلى الانتحار في العالم، تؤدي إليه في المغرب؛ مؤكدا أن الانتحار سلوك قديم في الزمن لكنه كان “طابو” لا يتحدث فيه أحد. إن انتحر أحدهم، يحاول وسطه أن يخفي ذلك.

البروفيسور الموساوي أبرز أن “وتيرة الانتحار تتجه نحو الارتفاع دون شك، مع أنه لا توجد في المغرب بحوث خاصة تتناول هذه الظاهرة بالدراسة الكمية والكيفية”.

وفق بحث وبائي سابق أنجزته وزارة الصحة سنة 2007 حول الأمراض النفسية في المجتمع المغربي، فإن “16 بالمائة من الشريحة التي شملها البحث (15 سنة وما فوق) تفكر في الموت والخلاص من الحياة، سواء بالانتحار أو بالموت العادي”.

الأسباب النفسية التي تحدث عنها البروفيسور، يجملها، دائما في حديثه لمرايانا، في أسباب عالمية تحدث عنها بالأرقام، قائلا:

“80 بالمائة من الأشخاص المقبلين على الانتحار هم مرضى نفسيون، مصابون بالاكتئاب على سبيل المثال أو بالانفصام أو بالاضطراب ذو القطبين، أو ما إلى ذلك”.

وأضاف موضحا: “10 بالمائة من الناس المرضى بالانفصام يموتون منتحرين، فيما يموت منتحرا أيضا 15 بالمائة من الناس المرضى بالاضطراب ذو القطبين، بينما يظل الاكتئاب، المرضَ الذي يؤدي إلى الانتحار أكثر من غيره.

هؤلاء الأشخاص، المرضى بالاكتئاب، تكون لديهم أفكار انتحارية تتطور أحيانا إلى تخطيط فعلي، ثم محاولات انتحار، ينجح البعض منها فتؤدي إلى الموت فعلا”.

البروفيسور الموساوي، في حديثه لـ “مرايانا”، أبرز أنه يوجد أشخاص لا يعانون من مرض نفسي، ومع ذلك ينتحرون؛ وهم في الغالب يعيشون مشاكل اجتماعية، مقدما مثالا في هذا الصدد، قائلا: “تم إنجاز بحث  في تونس سابقا، توصل إلى أن حوالي 70 بالمائة من الفتيات المنتحرات لَسن عذارى. الفتاة إذن قد يدفعها فقدان عذريتها إلى الانتحار، بسبب خوفها من والديها، أو لكونها مقبلة على الزواج فتخشى أن يكشف سرها”.

“توجد مشاكل اجتماعية أخرى، فالمرأة التي يعتدي عليها زوجها، مثلا، قد يدفعها ذلك إلى الانتحار. توجد أيضا حالة أمينة الفيلالي التي زُوّجت لمغتصبها رغما عن أنفها فانتحرت”.

شاهد أيضا: “بالفيديو ـ انعكاس الويب على مرايانا ـ الحلقة الثانية”

 عموما، يوضح البروفيسور الموساوي: “هناك أسباب عديدة  تجعل الشخص  يصل إلى قناعة مفادها أن هذه الحياة لم تعد تطاق، ويفضل الانسحاب منها”.

يكفي أن نشير، وفق الموساوي، إلى نتائج بحث وبائي سابق أنجزته وزارة الصحة سنة 2007 حول الأمراض النفسية في المجتمع المغربي. حسب هذا البحث، فإن “16 بالمائة من الشريحة التي شملها البحث (15 سنة وما فوق) تفكر في الموت والخلاص من الحياة، سواء بالانتحار أو بالموت العادي”.

ما هو الانتحار؟ هل يمكن التغلب عليه؟

يعتبر عالم الاجتماع إيميل دوركايم[1] أول من تناول ظاهرة الانتحار بالدراسة والتحليل، وخلص في محاولة منه لتحديد المفهوم، إلى أن الانتحار هو “كل حالات الموت التي تنتج بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن فعل إيجابي أو سلبي يقوم به الفرد بنفسه وهو يعرف أن هذا الفعل يصل به إلى الموت”.

دوركايم يؤكد في تعريفه هذا على عنصري المعرفة والإدراك، فالمنتحر يجب أن يكون على معرفة وإدراك تامين بأن الفعل الذي يود القيام به، سينتهي به إلى الموت المحقق.

الموساوي: “50 بالمائة من الحالات التي تقدم على الانتحار في فرنسا مثلا، تزور طبيبا نفسيا في الشهر الذي يسبق عملية الانتحار، ما يعني أن… هنالك إمكانية للوقاية من هذا السلوك”.

الانتحار إذن هو حالة الموت الناتج عن فعل يقوم به الضحية بنفسه بقصد قتل نفسه وليس التضحية بها لشيء آخر، أي… هو موت إرادي يقدم عليه الفرد للخلاص من مشاكله وصعوباته غير المحتملة التي نشأت من حياته في الجماعة، ويقوم بنفسه باختيار الوسيلة التي تحقق له انتحارا تاما.

من هنا، يؤكد الطبيب النفسي جان إيتيان اسكيرول[2]، على “عزل السلوك الانتحاري عن أفعال التضحية باختيار فردي أو تحت مجهر جماعي، لأن التضحية ليست سلوكا مرضيا كالانتحار، إنما هي موضع إعجاب”.

وفق بعض الباحثين، فإن السلوك الانتحاري ينشط ويبرز إلى الوجود حين يختل التوازن الفطري بين غريزتي الحياة والموت لدى الإنسان، وهذا يعني أنه لا يولد لحظة تنفيذه الفعلي أو محاولة تنفيذه، وإنما يكون راسيا كخيار في طبقات الوعي الغائرة إلى أن يطفو على السطح وينشط في ظروف معينة ليكون الخيار الوحيد الذي يراه الشخص في تلك اللحظة على أنه أفضل الحلول المتاحة أمامه.

اقرأ أيضا: “المساواة في الإرث: الثورة التونسية؟”

الانتحار إذن ليس مجرد حدث عشوائي. هو في الأساس منظومة فكرية ووجدانية وسلوكية تنتظم أجزاؤها عبر السنين والأحداث التي يمر بها ويعيشها الإنسان خلال مراحل حياته، ليبرز كوسيلة للخروج من مأزق أو أزمة شخصية وقعت تحت ضغوط فاقت احتماله بحيث يصل إلى حالة من انعدام الأمل أو قلته أو انعدام الحيلة.

بالمقابل، فإن البروفيسور ادريس الموساوي في حديثه لمرايانا، يؤكد أن “50 بالمائة من الحالات التي تقدم على الانتحار في فرنسا مثلا، تزور طبيبا نفسيا في الشهر الذي يسبق عملية الانتحار، ما يعني أن… هنالك إمكانية للوقاية من هذا السلوك”.

لقراءة الجزء الأول: “وسط غياب دراسات مفسرة… ظاهرة الانتحار في المغرب تتفاقم في صمت!”


[1]  عالم اجتماع فرنسي 1858-1917، يعد من مؤسسي علم الاجتماع الحديث.
[2]  طبيب فرنسي 1772-1840، يعد من رواد علم النفس والطب النفسي.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *