×
×

من الولايات المتحدة الأمريكية، عمر بوم يكتب: فزاعة التقية في زمن الإسلاموفوبيا

  في أول مقال لي على موقع مرايانا، سأقدم بعض المعطيات حول مفهوم “التقية”، الذي اكتسب هذه الأيام اهتماما داخل الأوساط الشعبية والسياسية الامريكية، خاصة بعد ان ادعى بن كارسون، …

 

في أول مقال لي على موقع مرايانا، سأقدم بعض المعطيات حول مفهوم “التقية”، الذي اكتسب هذه الأيام اهتماما داخل الأوساط الشعبية والسياسية الامريكية، خاصة بعد ان ادعى بن كارسون، وزير الإسكان والتنمية الحضرية في حكومة دونالد ترامب الحالية، أن “التقية” أسلوب وسلوك عرفي عند عامة المسلمين يشجع على الكذب لتحقيق أهداف شخصية.

لقد أصبحت فكرة “التقية” هاجسا أساسيا في حملة العداء ضد الوجود الإسلامي في الغرب، حتى أن بعض معارضي سياسة الرئيس الأمريكي السابق بارك حسين اوباما يؤمنون بأن أوباما مسلم متخفي رغم “ادعائه” بانه مسيحي العقيدة.

هل، تاريخيا، إخفاء الديانة سلوك اقتصر على بعض طوائف الشيعة من المسلمين فقط؟ أم أنه يبقى ممارسة ضرورية بدافع حماية النفس عند بعض الأقليات والاشخاص عندما يحس هؤلاء بالكراهية والعداء الذي قد يلوذ الإبادة الجماعية ؟

سوء الفهم التاريخي لهذا المصطلح الديني، يستعمل الآن لترويج أفكار ضد المسلمين في الغرب

إن جذور الفهم الأمريكي الشعبي للتقية هو وليد إعلام يفتقد عنصر التاريخ وينبني على صحافة الإثارة، كما أنه ناتج نسبيا عن علاقة أزمة بين أمريكا وإيران ترجع إلى أزمة السفارة الأمريكية في أواخر سبعينيات القرن الماضي؛ وهي الأزمة التي ولدت كرها لنظام الخميني وطائفة الشيعة الاثنا عشرية.

بالتالي، فقد تعرف المواطن الأمريكي العادي أولا على الاثنا عشرية والإسلام عموما من خلال نشرات إخبارية بسيطة لا تعكس الطبيعة المعقدة للتاريخ الإسلامي والانقسام الطائفي داخل المجتمعات الاسلامية؛ الانقسام الذي يعود إلى القرن السابع والذي ولد اختلافات قانونية وعقائدية حسب الفرق.

ظهرت التقية كركن من أساسيات وركائز المذهب الإمامي الشيعي، نظّر لها الإمام جعفر الصادق، الإمام السادس عند طائفتي الشيعة الاثنا عشرية والاسماعلية، في زمن كان فيه أتباع المذهب يؤمنون بأن حياتهم عرضة للخطر من سلاطين الدولتين الأموية والعباسية. لذلك أمر الإمام جعفر الصادق أتباعه بإخفاء قناعاتهم حماية لحياتهم.

لكن هذا ليس مثالا وحيدا؛ فمثلا، بعد عام 1478 وبداية حملة العداء علي يهود ومسلمي الأندلس، والتي توجت بطردهم سنة 1492، سمح العالم الديني الشهير موسي ابن ميمون ليهودي تلك الفترة بالتقية. في الألفية الأولى أيضا، انخرط معتنقو المانوية، والتي انتشرت في شمال إفريقيا، في ممارسة التقية تجنبا للاضطهاد من المسيحيين الأوائل المتشددين.

ظهرت التقية كركن من أساسيات وركائز المذهب الإمامي الشيعي، نظّر لها الإمام جعفر الصادق، الإمام السادس عند طائفتي الشيعة الاثنا عشرية والاسماعلية

على الرغم من هذه الحالات التاريخية الاستثنائية، بقي مفهوم التقية لصيقا بالمذهب الإمامي الشيعي وبعض الطوائف الشيعية الأخرى، المسماة عند الشيعة بالغلاة مثل الإسماعيلية، والعلوية والدرزية.

رغم أن هناك أقليات دينية ترفض تبني التقية، مثل البهائية، وذلك رغم الأخطار المحتملة التي قد تهدد أصحابها (وحال البهائيين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يشهد على معاناتهم اليومية)، لازال هناك العديد من مسلمي الشيعة الذين يتبنون عرف التقية؛ ليس لأنهم يركبونه كحصان طروادة لتحقيق أهداف سياسية مبيتة، ولكن اعتقادا منهم أنهم عرضة لسلوك عدائي، على غرار ما حدث لعلي ابن ابي طالب والحسن والحسين وباقي الأئمة الاثنا عشر، حيث يؤمن الشيعة بأنهم قتلوا بسب إيمانهم بما يسمى بأحقية أهل البيت في الإمامة.

ختاما، أريد ان أعود الى مثال فزاعة التقية في الخطاب الأمريكي السياسي اليوم، والذي افتتحت به هذه الورقة، وأن أنبه كيف أن سوء الفهم التاريخي لهذا المصطلح الديني، يستعمل الآن لترويج أفكار ضد المسلمين في الغرب. ولنا في التاريخ مثال حين روجت أفكار مماثلة في القرن الماضي عن أقليات دينية، أدت بها في النهاية الى مخيمات إبادة جماعية.

الأمر لا يقتصر على الشيعة أو المسلمين عموما، فالقراءة السياسية لبعض مفاهيم الإنجيل تستغل أيضا لتحقيق مآرب سياسية؛  كما فعل أخيرا وزير العدل الامريكي جيف سيشنز، في استشهاده بالكتاب الجديد من الإنجيل، وبالضبط “رسالة بولس الرسول الى أهل رومية،- الإصحاح الثالث عشر”، ليعلل سياسة الحكومة الأمريكية في تعاملها مع الهجرة غير الشرعية.

مراجع:

Campbell, Andrew. “Iran’s Nuclear Deception: ‘Taqiyya’ and ‘Kitman’” National Observer 67 (Summer) [8]-25, 2006.

Campbell, Andrew. “‘Taqiyya’: How Islamic Extremists Deceive the West.” National Observer 65 (Winter) [11]-23, 2005.

Dupree, Louis. “Further Notes on Taqiyya: Afghanistan.” Journal of the American Oriental Society 99 (4): 680-82, 1979.

Goldziher, I. “Das Prinzip der Takija im Islam.” Zeitschrift der Deutschen Morgendlandischen Gesellschaft 60: 213–226, 1906.

Kohlberg, Etan. “Some Imāmī-shīʿī Views on Taqiyya.” Journal of the American Oriental Society 95 (3): 395-402, 1975.

Mariuma, Yarden. “Taqiyya as Polemic, Law and Knowledge: Following an Islamic Legal Term through the Worlds if Islamic Scholars, Ethnographers, Polemicists and Military Men.” The Muslim World 104 (January/April): 89-108, 2014.

Virani, Shafique N. ““Taqiyya” and Identity in a South Asian Community.” The Journal of Asian Studies 70 )1): 99-139, 2011.

Wimmer, Ryan. “Islamic “Taqiyya” in Mormonism.” The John Whitmer Historical Association Journal 27: 153-69, 2007.

 

عمر بوم باحث مغربي ـ أمريكي حاصل على الدكتوراه من جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية.  يشتغل حاليا كأستاذ في شعبة الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا بلوس انجليس، متخصص في الأقليات الدينية والعرقية في العالم العربي وشمال افريقيا.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *