×
×

الإلحاد الجديد وعلاقته بالتطرف الديني: موريتانيا نموذجا

يزخر عالمنا العربي بوجود كثير من التيارات الفكرية المتصارعة، والظواهر الاجتماعية المتناقضة التي لا يمكن ان تستمر في التعايش السلمي جنبا إلى جنب. من هذه التيارات الفكرية، “الإلحاد الجديد” والتطرف …

يزخر عالمنا العربي بوجود كثير من التيارات الفكرية المتصارعة، والظواهر الاجتماعية المتناقضة التي لا يمكن ان تستمر في التعايش السلمي جنبا إلى جنب. من هذه التيارات الفكرية، “الإلحاد الجديد” والتطرف الديني. رغم ما بين هذين التيارين من تناقض نظري كبير؛ إلا أنهما يشتركان في بعض النقاط التي يمكن تلخيصها في ما يلي:

أولا، العلاقة الجدلية بين التطرف الديني والإلحاد الجديد، باعتبار كل منهما مثيرا واستجابة للآخر في نفس الوقت.

ثانيا، يمثل كل من الإلحاد الجديد والتطرف الديني شكلا من أشكال التعبير عن التمرد على المنظومة الدينية، ورفض النظام الاجتماعي القائم.

ثالثا، الإلحاد الجديد والتطرف الديني يسعيان إلى إحداث قطيعة معرفية مع المنظومة الدينية السائدة، فالإلحاد يريد قطيعة كلية مع جميع صور الإيمان بالله الذي هو مصدر الدين، والتطرف الديني هو الآخر يهدف إلى تحقيق قطيعة مع الفهم السائد للدين بحجة ابتعاده عن ” الدين الصحيح”.

رابعا، كل من الإلحاد الجديد والتطرف الديني قد يؤديان إلى تحلل النظام الاجتماعي، إن بلغا مبتغاهما في  تحطيم  النظام الاجتماعي السائد.

خامسا، الإلحاد يريد قطيعة كلية مع جميع صور الإيمان بالله الذي هو مصدر الدين، والتطرف الديني هو الآخر يهدف إلى تحقيق قطيعة مع الفهم السائد للدين بحجة ابتعاده عن ” الدين الصحيح”

وقد عرفت موريتانيا ظاهرة التطرف الديني بشكل واضح منذ بداية الثمانينات من القرن العشرين. كما برزت فيها حالات “إلحاد” فردية، ما زال أصحابها يسعون إلى تحويلها إلى ظاهرة اجتماعية تحت عناوين “محايدة”. لكن هذه الحالات بدأت تعبر عن نفسها بشكل علني في مواقع التواصل الاجتماعي، وبين صفوف الجيل الجديد من الشباب.

ظاهرة الإلحاد في موريتانيا

الإلحاد الذي ظهر في موريتانيا إلحاد متطرف أو ثوري، وليس مجرد تعبير عن قلق معرفي أو حيرة وجودية.  أي أنه  مشروع صدام مع المجتمع الموريتاني، تماما مثل مشروع التطرف الديني.

مما يدل على ذلك، أنه اختار :

أولا، اللغة العربية للتعبير عن نفسه، حتى يوصل صوته أو يستفز أكبر قدر ممكن من المجتمع الموريتاني والمرجعيات الدينية الوطنية.

ثانيا، الهجوم على نبي الإسلام، محمد، لضمان ردة فعل  شعبية قوية من جميع شرائح المجتمع الموريتاني، وهو ما حدث بالفعل. علما أن هذا المجتمع قد يتغاضى عن حالة ردة فردية، لكن لا يتوقع منه أن يتسامح مع من يسب النبي.

بمعنى أن الإلحاد في موريتانيا لم يتجه إلى التشكيك في وجود الله مثل جميع النظريات الإلحادية، بل اختار الهجوم على نبي الإسلام، كما لو كانت هذه الحالات الإلحادية إنما تبحث عن  تقويض النظام الاجتماعي باستفزاز المجتمع كله وبجميع شرائحه.

الإلحاد الذي ظهر في موريتانيا إلحاد متطرف أو ثوري، وليس مجرد تعبير عن قلق معرفي أو حيرة وجودية

إن انحصار هذه الحالات الإلحادية الفردية في شريحة الشباب، يرجح فرضية أن الإلحاد في موريتانيا ليس إلحادا “عقديا”  قائما على رؤية فلسفية لــ “الوجود” و”المعنى” و”الدين”؛ بل هو فعل احتجاجي، على الواقع  الاجتماعي وعلى خطاب رجال الدين. مما يقوي هذه الفرضية، أنه لم ينتج “رؤية فكرية” وإنما اكتفى بتسجيل “مواقف”.

التطرف الديني المريتاني، حركة احتجاجية؟

أما التطرف الديني، فقد تحول في موريتانيا الى حركة احتجاجية قوية على  الخطاب  الديني التقليدي، وعلى عادات المجتمع وتقاليده الموروثة؛ وهو في تزايد مستمر في صفوف الشباب من أبناء الطبقات الفقيرة، الذين لم يسعفهم الحظ في الحصول على تعليم نظامي عصري يؤهلهم للاندماج في الحياة الاجتماعية. لذلك، جاء تطرفهم تعبيرا عن الاحتجاج على الحرمان الذي يعانونه، وإن تجلى هذا الاحتجاج الاجتماعي في شكل حركة دينية، ترفض بشكل صارم التفسير السائد للدين في موريتانيا.
لقد أسهم  الخطاب الديني المتطرف -الذي ظهر في موريتانيا في الثمانينات- في تشكيك الشباب في العقيدة الاسلامية الموروثة، ففتح بذلك ثغرات أمام الملاحدة للطعن في الدين بسبب :

إن انحصار هذه الحالات الإلحادية الفردية في شريحة الشباب، يرجح فرضية أن الإلحاد في موريتانيا ليس إلحادا “عقديا”  قائما على رؤية فلسفية لــ “الوجود” و”المعنى” و”الدين”؛ بل هو فعل احتجاجي، على الواقع  الاجتماعي وعلى خطاب رجال الدين

أولا: تشكيكه في صحة عقيدة المجتمع الموريتاني بشكل جزئي، لأنه شكك في  صحة العقيدة الأشعرية، وضلل العلماء الأشاعرة، وبدع الصوفية،

ثانيا: حديثه عن “الغيب” كما لو كان صورة أزلية متخيلة من هذا الواقع الدنيوي الفاني، وتشبثه بالتفسير الخرافي للظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومعاداته للحريات الفردية، وحقوق المرأة باسم الدين.

ثالثا: أنه جرد العقل المسلم من أقوى أسلحته في التصدي للإلحاد، بسبب هجومه على  الفلسفة وعلم الكلام، الذي كشف  الفكر الحديث قوة بعض أدلته العقلية على وجود الله: لقد طور الدكتور وليام كرايغ، أحد أكثر اللاهوتيين المسيحيين الأحياء تأثيرا، دليلا سماه “البرهان الكوني الكلامي”، للرد على الملاحدة الغربيين، قال إنه اقتبسه من الإمام ابي حامد الغزالي.

رابعا: سده الباب أمام تأويل بعض النصوص الدينية التي وردت في سياقات اجتماعية وتاريخية خاصة.

خامسا: اختزال الخطاب الديني المتطرف  لمعاني الدين الروحية اللامحدودة، في الفعل الظاهر المتعين في الواقع المحسوس. أي حصر الدين في اللباس، والطقوس، والحدود، والمعاملات التجارية.

سادسا: استغراق الخطاب الديني المتطرف في صناعة الأتباع، وخلق الخصوم، بدل تركيزه على بناء نظرية دينية معاصرة  لتقديم  الدين والأخلاق بمنهج جديد يستجيب لحاجات المجتمعات المعاصرة، ويتماشى مع ثقافتها وأفقها المعرفي.

سابعا: أن الخطاب الديني المتطرف ربط  “الدين” بالمتغيرات السياسية، مما جعل الفتوى تتغير  بتغير موازين القوة العسكرية، والمواقف السياسية، والمصالح الحزبية، وهو ما يدعم شبهات الملاحدة.

تعليقات

  1. موحى

    أرى أن الكل حبيس مسلمات سياسية ، و دينية التي خلقها و صاغها الغرب الذي أنشأ كياناتهم السياسية ، و سماهم بالدول العربية (سايس بيكو- الفرنسي الإطالي الإسباني في شمال إفريقيا) . و جوهر هذه الكائنات السياسية هي مجالات إسترزاقية . أوضح :
    مبدئيا ، هذه الكائنات السياسية لم تكن نتيجة تطور طبيعي لذاتها ؛ أي أنها خضعت لعمليات قيصرية .
    كان على الدولة المستعمرة ان تتقن الإخراج و تروج لفكرة إستقلال و بروز الدولة الوطنية . الأمر يتطلب تكوين هياكل هذه الدولة الجديدة : (الحكومة ، و البرلمان ، و الهيأة القضائية ، و “المجتمع المداني” أغلبه مجموعات ضغط و ضامن ضد السياسي المنحرف عن أهداف القوة الخارجية …) ، و البحث عن أشخاص يتولون كل هذه المهام (صنع المفاوَضون معهم في “حروب التحرير”) . و الأخطر يكمن في المناهج التعليمية و التثقيفية ، و التدجين التي خضع لها هؤلاء المسيرون الجدد (الزعماء – السياسيون – المنظرون …).
    هاجس الإسترزاق هو العامل المشترك فيما بينهم : الأجرة ، و العلاوات ، و مختلف الإمتيازات العينية و المالية (نزع الأراضي ب”القانون”) ، و الحصانات القضائية … ، هذه الوضعيات يستفيد منها كل الذين يساندون هذه الدولة “الوطنية الوليدة ” .
    بفعل مختلف أشكال الريع ، تحول هؤلاء إلى تقنيين – موالية و معارضة سياسية- إلى آلات مبرمجة تردد علينا أننا الشعب الأفضل، ونتمتع بالحقوق الدستورية ، وبالمؤسسات الإنتخابية التمثيلية ، و بالعدالة المستقلة ، و بحرية التعبير ، و الإعتقاد ، و التضامن االوطني …و كأنها حقائق يوهموننا أننا نتمتع بها !! لكن ، نعلم و يعلمون أنها مفاهيم مخادعة ، ومضللة ؛ و الحقيقة أن كل هذه التعبيرات هي حقائق تاريخية أنتجها الفكر الغربي الدموقراطي ، العلماني و يعيشها المواطن الغربي .
    كذلك ، الحقيقة التي نعيشها ، هي يقينا أننا نحيا في مجتمع و دولة إفتراضية ، و عبارة عن تنظيم إعلامي لا أقل و لا أكثر في سياسيه و في دينه ، و في لغته ، و في تاريخه الرسمي ؛ أي ، اللاهوية .
    اللاهوية (نا) ، هي المسلمة التي يتم التسويق لها ، و بكل عنف معنوي ، ترتكز على أننا عربا ، و أننا مسلمون ، و لغتنا هي العربية ؛ بالإضافة إلى النظام السياسي الذي يتفرد بخصوصيتنا دون غيرنا من مقوماتنا !!!!
    هذه اللاهوية نجدها مدسترة عشوائيا ، بتصميم و قصد ، كما يقول بها السياسي ، و يتحاجج ، و يتبجح بها التكنوقراطي الحزبي ( “المثقف” و “الباحث”) .

    ورد في تصدير دستور 2011 أن : المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية.
    ما هو تعريف هذه الهوية ؟ لا وجود لخلق مشابه لها في أي مكان !!! يعرفها المخزن و طبقته السياسية ، كونها (الهوية) خليط غير متجانس من مكونات لا رابط تاريخي ، و لا ضمير مشترك فيما بينها ؛ و كأنهم وجدوا على هذا الشكل ، و هكذا ، و حاليا ، و فجأة ، فوق هذه الأرض الخلاء و الغير المسكونة !!! يذكرنا نفس دفوعات “إسبانيا” التي قالت بها عن الصحراء كونها مجال بدون سكان ، وجدوها خلاء ؛ و يسوقون أنهم أول معمريها !!!
    إنها مسلمة جوهرية ، و تعتبر حجر زاوية أية مسلمة أخرى ترمي بنا خارج التاريخ . إنه مجتمع زور ، و غير حقيقي ، لأنه بكل بساطة أقوال ، و إدعاءات غير تاريخية ؛ هدفها تخدير الإنسان المغربي ، و جعله يتقبل كونه شخصا للأتريخي : عربي (عرقي)، العربية لغته (لغة الأم) ، مسلم ( إضافة سني)

  2. محمدي الطلبه

    تخليل دقيق يستند على منهحية علمية واضحة. ثمة نقكة التقاء بين الاتجاهين ىم أر المهتمين بالموضوع انتبهوا إليها وهي رفضهما لما سوى الماديات المحسوسة وإن كان المتطرفون يدعون ألإيمان بالغيب إلا أنهم أنهم يعملون على تطويع النصوص الدينية لإخلائها من كل ما لا تدركه الحواس الجسدية.

  3. يحي

    عند الحديث عن ماأسميته بالتطرف الديني جانبت الحقيقه (لا اعلم هل كان عمدا أم عن جهل بالقضيه) بقولك انه ينتشر بين الشباب الفقير الغير متعلم تعليم عصري وهذا بعيد جدا عن الحقيقه فاكثرية الشباب (السلفي) هم شباب جامعيون بامتياز كما انهم اي الاكثريه من ابناء العاصمه مما يعني انهم مندمجون في المجتمع جيدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *