×
×

هشام روزاق يكتب: اعترافات رجاوي… تلك الفرحة التي نستحق

… الديربي الأخير الذي جمع الرجاء والوداد كان رائعا. كان رائعا… إلى أن انتهى لعب الكرة، وبدأ “الّلعب ديال الدراري”، كما يقول المغاربة. مقابلة في كرة القدم، تعودنا على سحرها …

… الديربي الأخير الذي جمع الرجاء والوداد كان رائعا.

كان رائعا… إلى أن انتهى لعب الكرة، وبدأ “الّلعب ديال الدراري”، كما يقول المغاربة.

مقابلة في كرة القدم، تعودنا على سحرها منذ عقود، تحولت فجأة إلى طلاسم في دفاتر السحرة. تحولت إلى ما يشبه بخور المشعوذين وتعاويذهم.

مباراة الديربي بين فريقي الدار البيضاء، لم تكن في النهاية سوى مرادف لوعدها الأزلي، وعد المتعة والفرح… حتى تلك الدموع التي ذرفها البعض، هي في النهاية، عنوان فرح. فرح بعشق كائن يستحق أن نبكي لأجله، وأن نحمل دقات القلب إلى أقاصي احتمالها، وأن نمارس على الجسد، قساوة اختبار العشق حد الإغماء… حد انفلات الروح.

هذا الديربي، الذي حوله بعضهم اليوم إلى ما يشبه اكتشاف الماء الساخن، كان قصيدة عشق موعودة بالخلود. قصيدة… كتبت بغير حروف الدجالين الذين… يريدون للديربي اليوم، أن يصير صغيرا مثلهم، وقحا مثلهم، تافها… مثل كل التفاهات التي تسكنهم.

لم نكن نعرف معنى تقسيم الملعب بين فريقين، بين “المگانة” و”فريميجا”، كانت الفرجة أصلا… أن نجلس معا، أن نقتسم الفرحة والحزن معا، وأن… نناكف بعضنا كما لو أن أفضل الأهداف، هي تلك التي يسجلها بعضنا على بعض.

… كنت، ولا زلت رجاويا، رغم كل الغضب من فريق الرجاء الذي صار يشبه فريق كرة قدم لم يكنه، فريق لم يعد يمنحنا تلك الفرجة التي لم تكن قط قرينة انتصار أو هزيمة، بقدر ما كانت وعد “دقة دقة” التي… لا يعرف معناها غير الراسخين في عشق الرجاء.

كنت، ولا زلت، ابن حي “بورگون”. وكان الانتماء للرجاء حينها، أمرا مستغربا في حي عشق الوداد… لكنه لم يكن قط، جملة في قاموس كراهية أو حقد.

… كان يوم الأحد بالنسبة لنا، قداس فرحة وفرجة. كانت الأمهات، تجهزنا للذهاب للملعب، كما لو أنهن يجهزن عريسا يوم زفافه. أفضل الملابس وتسريحة الشعر، وبعض دراهم إضافية لاقتناء “نوگا” أو “گلاص”.

إقرأ أيضا: من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: هكذا أنقذني الشعر والحب!

كنا نعرف، دون سابق اتفاق، أننا سنقصد “صطاد دونور” أو “بيرجيكو” يوم الأحد، كما يقصد المؤمن محراب صلاة. لم يكن يهمنا من يلعب على أرض الملعب حينها، فيوم الأحد، كان يوم الملعب والكرة، سواء كان المتباري الرجاء أو الوداد.

الطريق إلى الملعب، كانت مباراتنا الأشهى. طريق الذهاب والعودة، كانت فرصتنا الذهبية كي نناكف بعضنا، كي نسخر ونمرح… كان لكلمة “الشدان”، معنى آخر غير كل هذا العنف الذي صار مرادفا للدم.

لم نكن نعرف معنى تقسيم الملعب بين فريقين، بين “المگانة” و”فريميجا”، كانت الفرجة أصلا… أن نجلس معا، أن نقتسم الفرحة والحزن معا، وأن… نناكف بعضنا كما لو أن أفضل الأهداف، هي تلك التي يسجلها بعضنا على بعض.

مباراة الديربي بين فريقي الدار البيضاء، لم تكن في النهاية سوى مرادف لوعدها الأزلي، وعد المتعة والفرح… حتى تلك الدموع التي ذرفها البعض، هي في النهاية، عنوان فرح. فرح بعشق كائن يستحق أن نبكي لأجله، وأن نحمل دقات القلب إلى أقاصي احتمالها، وأن نمارس على الجسد، قساوة اختبار العشق حد الإغماء… حد انفلات الروح.

كنا مختلفين في عشق الكرة، كما كنا مختلفين في عشق أشياء كثيرة غير الكرة، لكننا… كنا رفاق ملعب وفرح. وداديون كثيرون، كانوا يقصدون الملعب للاستمتاع بفن الضلمي والسوادي وإدريس عشا، ورجاويون كثيرون كانوا يعشقون الزاكي وهيرس وشليحة…

كنا ببساطة، نترجم معنى يوم الأحد، إلى تلك الجملة الخالدة التي أطلقها “Albert Camus” ذات يوم: “لا يوجد مكان آخر في العالم يكون فيه الإنسان أكثر سعادة… كما ملعب كرة قدم “.

بتلك العقيدة فقط، أحببنا كرة القدم.

تلك العقيدة التي يسيء لها جمهور الكرة اليوم قليلا، ويسيء لها أشباه المثقفين وكتبة الوهم كثيرا.

… انتهى الديربي الحالم بين الرجاء والوداد، فأخرج السحرة كوابيسهم.

إقرأ أيضا: فتاوى عجيبة عن ميكي ماوس وكرة القدم والرقص ورؤية استحمام المرأة عارية 2/2

بعضهم… حول التيفوهات إلى “مانيفستو” سياسي، وبعضهم، كحال الأمانة العامة للبيجيدين، أصدرت بلاغا سطرت فيه على: “الحاجة لدراسة بعض الأشكال التعبيرية الجديدة وتحليلها من أجل فهمها الفهم السليم والمناسب”… والحقيقة، أن العدالة والتنمية، لو كانت سطرت فقط، على الفهم السليم والمناسب لمعنى أن تكون حزبا سياسيا، دون حاجة للعب باسم الله… لكانت سطرت على أفضل شكل تعبيري في سيرتها، ولكانت… رسمت أجمل تيفو يرادف الحقيقة في مشوارها.

… انتهى الديربي بفرح وفرجة، فخرج مناضلو الشاشات والأسماء المستعارة، بخليط من فقر وحقد، كي ينغصوا على عشاق الفرح لحظتهم.

بعضهم… استغل المناكفات الجميلة بين أنصار الفريقين، لينفث لغة سم وحقد، وليحاول استعداء عشاق الكرة على… عشقهم.

كنا مختلفين في عشق الكرة، كما كنا مختلفين في عشق أشياء كثيرة غير الكرة، لكننا… كنا رفاق ملعب وفرح. وداديون كثيرون، كانوا يقصدون الملعب للاستمتاع بفن الضلمي والسوادي وإدريس عشا، ورجاويون كثيرون كانوا يعشقون الزاكي وهيرس وشليحة…

بعض الساسة… أولئك الذين لم يجيدوا قط، غير “الضوباج” لممارسة عجزهم، حولوا مقابلة كرة قدم، إلى ما يشبه الإنجاز الذي سينقل المغرب والمغاربة إلى حيث الكرة، نموذج حكم وخلاص…

لكن…

الذين يبعثون على الشفقة أخيرا، هم نوع آخر من الكائنات، لم تجد في عشق الكرة، وإبداعات الجمهور، سوى بعض من لغات قديمة، ترجع إليها كل مرة… كما العائد في قيئه.

هم ببساطة، بعض ممن وصفهم الكبير “Paulo Coelho” في جملة، حين قال:

“بعض الناس يعيشون في صراع مع الآخرين، مع أنفسهم، مع الحياة… ثم يخترعون أعمالا مسرحية وهمية، ويكيفون النص مع إحباطاتهم الخاصة بهم”.

هذه الطينة من المحبطين، لم تجد في فرحة كرة قدم… لم تجد في تعبيرات شعب عاشق للكرة وأعراسها، غير العودة لقواميس المخزن ونظريات المؤامرة.

إقرأ أيضا: ذكريات السبت الأسود… قتال التشجيع … حرب البسوس في عصر غير ذي جاهلية

هكذا… تحول الفرح بمباراة كرة قدم، أو الحزن بسببها، إلى مجرد انسياق للعبة المخزن التي يراها أصحابنا في كل مكان و… في كل تعبير، وفي كل فرحة استعصت على قلوب غادرها الفرح كما الروح.

كرة القدم التي نحب، هي في كثير من معانيها اليوم، لغة السياسة وأصحاب المال، وإيديولوجيات التنفيس والتوجيه، نعم… لكنها في الأساس، لغة العشق الذي لن يتغير، لغة الفرح الذي يسمو فوق كل تلك المعاني.

سنظل نعشق كرة القدم، لأنها، كما قال بيرنادر شو: “كرة القدم هي فن تكثيف التاريخ العالمي في 90 دقيقة”.

سنظل نعشقها… لأنها علمتنا أساسا أن… لا نقلب الصفحة… حتى نقرأ السطر الأخير.

أن تعشق فريق كرة، أو أن تعشق الكرة، هو ببساطة، عشق بعض من حياة ممكنة، إذ كما يقول الكاتب والصحافي الإسباني “Javier Marías”:

“الإيديولوجيا، الدين، الزوجة أو الزوج، الحزب السياسي، التصويت، الصداقات، العداوات، المنزل، السيارات، الأذواق السينمائية، العادات، العواطف… كل شيء هنا عرضة للتغيير. الشيء الوحيد الذي لا يبدو قابلا للتفاوض أو التغيير، هو فريق كرة القدم الذي تعشقه”.

في النهاية… سنظل نحب فريقا عشقناه. أن يكون هذا الفريق تحت سيطرة ساسة أو أصحاب نفوذ أو مال… أو المخزن حتى، لن يغير في قلب العاشقين شيئا.

إقرأ لنفس الكاتب: قفة وشكارة أو… “ملي مشينا ف شكارة مقطعة”.

سنظل نصر على فرحنا الذي نحب…. حتى وهو يمنحنا بعض الحزن.

سنظل نعشق كرة القدم، لأنها، كما قال بيرنادر شو:

“كرة القدم هي فن تكثيف التاريخ العالمي في 90 دقيقة”.

سنظل نعشقها… بكل الشر الذي يسكن تفاصيل صناعتها، وكل السوء الذي يقترفه في حقها كثير من باعة الوهم والشعوذة…

سنظل نعشقها… لأن كرة القدم فقط، تستطيع أن تعيدنا إلى ملعبنا الأصل. ملعب طفولتنا الذي نصر عليه.

سنظل نعشقها… لأنها علمتنا أساسا أن…

لا نقلب الصفحة… حتى نقرأ السطر الأخير.

وهذا بعض من كلام.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *