×
×

#ألف_حكاية_وحكاية: شرط المحبة الجسارة

كانت سعاد الراشدي تحب الشعر. تقرأ منه الشيء الكثير… كانت لها محاولات شعرية قرأت عليّ بعضها وكانت جيدة.

كانت تكتب عن الأشجار والطيور والسلاحف… أخفت عن أهلها حكاية الشعر إلى أن اكتشف أخوها يومياتها. سألها فقالت إنه شعر وإنها تريد أن تصير شاعرة.

صفعها وقال: “يعني أن تكتبي عن الحب والرجال وتظهر صورك في الجرائد”… قالت أمها: “ياللفضيحة!”.

حين عاد أبوها، أخبره الأخ بالمصاب الجلل. كان الأب حليما فطلب من سعاد أن تريه دفتر الشعر. قرأ منه مقاطع طويلة وهو صامت ثم قال:

– ماذا بكم؟ البنت تكتب عن الطبيعة… دعوها وشأنها.

أجاب الأخ:

ـ وحين ستكتب عن الحب؟ ماذا سنفعل حينها؟

كانت سعاد خائفة أن يمزقوا دفترها فقالت:

ـ لن أكتب أبدا عن الحب. سأكون شاعرة الحيوانات… أعدكم.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: الوريثة

مرت سنتان ووقعت سعاد في الحب. احتاجت أن تكتب وأن تعبر عن عواطفها وعن حالتها العشقية، لكنها تذكرت وعدها لأسرتها بأن لا تكتب عن الحب.

كانت تخط على الدفتر:

ياحبيبي أين أنت؟

قد جفت دموعي من الشوق

فتعال.. شاركني فرحتي

يا حبيبي

لاتتركني وحيدة

أبكي و…

أضحك

كتبت هاته القصيدة وقصائد أخرى غيرها، لكنها مزقتها. أصررت عليها أن تحتفظ بقصائدها، فهي من إبداعها… لكنها كانت تذكرني بالوعد. كانت خائفة من الضرب ومن العقاب.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: طريد ميسور الذي حاول قتل الملك

مرت سنة أخرى وأحبت ثانية… كان حبا جارفا حتى أنها أرسلت لمحبوبها رسالة تقول فيها:

ليتني كنت طائرا

لأحلق على سريرك

ليتني كنت فراشة

لأدخل غرفتك في غفلة

من الآخرين

لكي أراك فقط

يا حبيبي تعال

نكون أحرارا مثل

الطائر والفراشة

لم تعد تستطيع أن تقمع رغبتها في كتابة الشعر.

تكتبه وتخبأ القصائد عندي إلى أن أتى يوم نسيت أن تعطيني الدفتر. فتش أخوها محفظتها وعثر على دفتر القصائد. جن جنونه. حمل عمود المكنسة وضربها بشدة إلى أن أدمى سعاد وكسر نظارتها. كانت أمها موافقة على العقاب.

حين عاد أبوها استنجدت به. حكت له ما فعل أخوها. طلب منها أبوها الدفتر وأتت به وهي مرتعدة وهي تصرخ:

ـ إنها قصيدة واحدة

قرأ أبوها الدفتر. كان غاضبا. نظر إليها نظرة قاسية:

ـ لقد خرقت اتفاقنا، قلت لك الطبيعة والحيوانات… وأنت هنا تتحدثين عن الحب.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: فضيلة من نوع خاص… لأخ من نوع خاص جدا (قصة واقعية)

أجابته:

ـ الحب موضوع أساسي للشعر. لن أكون شاعرة إذا لم أكتب عنه.

ـ نحن لا نريدك أن تصيري شاعرة… ستصيرين محامية.

ـ لا أريد أن أصير محامية. أريد أن أكون أستاذة عربية لأدرس الشعر للتلاميذ.

ـ كوني ما تريدين… لكن توقفي عن شعرك الماجن. ستفضحيننا. لن أضربك لأن أخاك قام بالمهمة.

مزق أبوها الدفتر وقام لصلاة العشاء. استلقت سعاد على سريرها وبكت. فكرت كيف يمكن أن تخرج من ورطتها، من حبسها في بيت جهلة يجهلون الشعر وحر الكلام.

خافت لأيام ولم تعد تكتب. سمعت في الإذاعة برنامجا عن الشعر. أرسلت قصيدة وتم اختيارها وقراءتها على الأثير. كل الحي عرف بأمر القصيدة التي تقول فيها:

أحبك قبل بدء الأزمنة

أحببتك قبل بدء الخليقة

وها أنت عدت إلي اليوم

ضاحكا، راضيا

رضيت على حبي

فتعال إلى

جنة اللقيا

سمع الأب والأخ القصيدة فقاما لضرب سعاد لكنها واجهتهم…

ـ إذا ضربتموني سأتصل بالإذاعة وأقول لهم الأمر. سأذهب عند الشرطة. لن أترككم تفلتون من العقاب. أنا أحب الشعر وأعرف أن شرطه الخسارة. سأركب المجهول لأدافع عن قصائدي. بنات كبدي… لن أستسلم.

اغتاظ أبوها وأخوها لكنهما فكرا أنها صارت مسنودة من ناس الإذاعة وهؤلاء الناس لهم وسائط في الشرطة. ستصير فضيحة حقيقية أن يِحبسا بسبب كلمات.

صارت سعاد تكتب الشعر وتنشره في الجرائد. أحب الناس (إلا أفراد أسرتها) قصائدها في العشق وفي الطبيعة. لم تكن تهتم لأمر أسرتها بهذا الخصوص. اشتغلت ورحلت إلى مدينة بعيدة… هناك، استمرت في كتابة الشعر وهي تردد: شرط المحبة الجسارة… شرط القلوب الوفية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *