×
×

المرجعية التاريخية للتنظيمات السياسية المغربية 2- التنظيمات السياسية قبل الاستقلال (1938- 1955)

اختلفت تقييمات الأحزاب خلال هذه الفترة بخصوص نظام الحكم، بين مطالب بملكية برلمانية وديمقراطية تعددية كحزب الشورى والاستقلال، ومدافع عن ملكية تنفيذية ومنع التعددية كحزب الاستقلال؛ وهو ما سيسهم في تفجير صراعات مابعد 1956.

أمال مديد: صحفية ومهتمة بالشأن الحقوقي والحزبي المغربي.

تميزت سنة 1938 بظهور تنظيم سياسي جديد تمثل في حزب “مكتب الدفاع الوطني”، أسسه ابراهيم الوزاني رفقة بعض زملائه الذين اتهموا من طرف معارضيهم بالتعاطف مع النازية وموالاة دول المحور؛ في حين أن الوزاني ومن معه، على شاكلة عبد الخالق الطريس رئيس حزب الإصلاح الوطني بالمنطقة الخليفية وغيره من حركات التحرر في العالم، كانوا يهدفون إلى الحصول على استقلال المغرب من الاحتلال الفرنسي، خاصة بعد اجتياح النازية لفرنسا سنة 1940.

خلال سنة 1942، انقلب دوران رحا الحرب لصالح دول الحلفاء، الذين شرعوا في البحث عن الدعم في محمياتهم ومستعمراتهم بشتى الوسائل، من بينها تصريحات مستوحاة من الجو السوسيو-سياسي الأوروبي السائد آنذاك، والمتشبع بمبادئ التحرر والاستقلال وتقرير الشعوب لمصيرها.

في هذه الآونة بالذات، بدأت التنظيمات السياسية تتحرك مستغلة هذه المبادئ، وخرجت بميثاق حزبي: “الوحدة المغربية” و”الإصلاح الوطني”، تطالب من خلاله بإقامة نظام ملكي علوي في بلد موحد ومستقل ذو سيادة داخلية وخارجية.

أرسل ديكول إشارات لمحمد الخامس تدعم استقلاله، كانت ممهدة لإصدار وثيقة المطالبة بالاستقلال من طرف ما يمكن تسميته بالمجتمع المدني والسياسي للمغرب، حاول حزب الاستقلال نسبتها لنفسه. لكن المؤكد أن الوثيقة أصدرتها شخصيات سياسية ومدنية مختلفة التوجهات.

هذا الميثاق اعتبر بمثابة جسر لتحقيق الإصلاحات التي كانوا ينادون بها، الأمر الذي كان نظام الحماية يرفضه جملة وتفصيلا، ويعتبر أن الإصلاح مرحلة ضرورية للاستقلال.

لترجمة هذا المعطى الجديد، كان من الضروري إيجاد كيان سياسي مهيئ عموديا وأفقيا لمسايرة الظرفية التي كانت تتسم آنذاك باندلاع الحرب العالمية الثانية، والصراع المحتد بين دول المحور والحلفاء الذين تم دعمهم من طرف الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي كقوى حديثة لعبت دورا أساسيا لحسم الصراع المذكور.

إقرأ أيضا: شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي… القطيعة مع القصر والتوجه نحو اليسار

 في ذات الوقت الذي تعمق التواصل بين السلطان محمد بن يوسف (الملك محمد الخامس) والحركة الوطنية، وهو ما ذكرته تقارير مخابراتية أمريكية جعلت تشرشل يضغط على الماريشال ديغول من أجل عقد مؤتمر آنفا في يناير 1943.

على إثر ذلك، أرسل ديكول إشارات لمحمد الخامس تدعم استقلاله، وكانت ممهدة لإصدار وثيقة المطالبة بالاستقلال من طرف ما يمكن تسميته بالمجتمع المدني والسياسي للمغرب، والتي حاول حزب الاستقلال نسبتها لنفسه. لكن المؤكد أن الوثيقة أصدرتها شخصيات سياسية ومدنية مختلفة التوجهات.

في هذا السياق، تطورت التنظيمات السياسية بالمغرب، وعلى رأسها حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال وحزب الجبهة الوطنية المغربية والحزب الشيوعي المغربي.

إلا أن السعي وراء تحقيق هذا المعطى الجديد تطلب العمل على جميع الواجهات الدولية والإقليمية والمحلية؛ حيث إن رغبة دول الحلفاء في هزم دول المحور، باللجوء إلى الوسائل اللوجيستيكية والبشرية المتوفرة في محمياتها، استوجب بدوره استبدال مفهوم الاستعمار التقليدي، باستعمار في حلة جديدة.

تجلى ذلك في تبني دول المحور لمبادئ التحرر المقرون بحقوق الإنسان. كما أن ارتفاع الدعوات المؤيدة لاستقلال الشعوب، سواء في أوروبا أو في العالم العربي، كان عاملا حاسما لإغناء حماس وتطلعات الشعوب المستعمرة للمطالبة بالتحرر والاستقلال، خاصة في ظل إنشاء هيئة الأمم المتحدة كبديل لعصبة الأمم. في نفس الوقت، عمدت الدول العربية المستقلة إلى إنشاء جامعة الدول العربية، لتوحيد رؤاها وتوجهاتها السياسية في مواجهة الدول المستعمرة.

على ضوء ما تم ذكره، انطلقت التنظيمات السياسية في تعبئة الجماهير الشعبية في أنحاء البلاد وشحنها بمبادئ التحرر وحقها في الاستقلال، موازاة مع الالتحام بالسلطان، الذي كان نظام الحماية يعول عليه كمساند له لمواجهة الحركة الوطنية. لكن هذا الأخير بادر إلى التمسك بمبدأ الاستقلال كضرورة ملحة لمواجهة فكرة الإتحاد الفرنسي آنذاك، المتمثل في توسع المستعمرة الفرنسية بضم المغرب إليها وتطبيق إصلاحات، تبين فيما بعد أنها جردت المغرب من السيادة الداخلية واتخاذ القرار وتهميش أطره ومفكريه.

الأحزاب السياسية لم تستجب للشروط الموضوعية والذاتية لخدمة القضية المغربية، ودخلت في صراعات فيما بينها، حيث إن بعضها ارتأى أولوية الاستقلال كمدخل للإصلاح، في حين ارتأى البعض الآخر العكس؛ مع العلم أن رفض الإصلاح كان مبنيا على عدم إمكانية تطبيقه في ظل نظام الحماية التي لن تراعي بصدده تقاليد وأعراف المغاربة.

في هذا السياق، لجأ السلطان إلى إصدار مذكرة سنة 1950، وجهها إلى الحكومة الفرنسية آنذاك معتمدا فيها على توجه البلاد للاستقلال والحفاظ على هويتها، بحكم أنها لم تكن مستعمرة على غرار الدول الأخرى.

إلا أنه، قبل ذلك، يجب التذكير بأن التنظيمات السياسية كانت قد قطعت أشواطا ومراحل لتصبح هيئات سياسية مكتملة، لها قواعد شعبية تؤهلها للدفاع عن حقوق البلاد وتطلعاتها آنذاك، حيث نظمت صفوفها حسب الهياكل الحزبية الحقيقية، من خلال تشكيل لجنة مركزية ولجان محلية ولجان تنفيذية.

إقرأ أيضا: مليكة الفاسي… المرأة الوحيدة الموقعة على عريضة المطالبة بالاستقلال

بيد أن هذه الأحزاب السياسية لم تستجب للشروط الموضوعية والذاتية لخدمة القضية المغربية، ودخلت في صراعات وتباينات فيما بينها، حيث إن بعضها ارتأى أولوية الاستقلال كمدخل للإصلاح، في حين ارتأى البعض الآخر العكس؛ مع العلم بأن رفض الإصلاح كان مبنيا على عدم إمكانية تطبيقه في ظل نظام الحماية التي لن تراعي بصدده تقاليد وأعراف المغاربة.

إلا أن نشاط هذه الأحزاب قوبل بالاعتقالات والتضييق، رغم تباين مواقفها حول المرحلة، بين من اكتفى بحمل شعارات إصلاحية، وبين من استمر في المطالبة بالاستقلال؛ كما اختلفت رؤاها بخصوص نظام الحكم، بين مطالب بملكية برلمانية وديمقراطية تعددية كحزب الشورى والاستقلال، والمدافع عن ملكية تنفيذية ومنع التعددية كحزب الاستقلال؛ وهو ما سيسهم في تفجير صراعات مابعد 1956.

في الجزء المقبل نتابع: التنظيمات السياسية بعد الإستقلال (1956-1961)

لقراءة الجزء الأول: في بلدان ما سمي بالربيع العربي: كيف دخلت الأحزاب في حالة عطالة

لقراءة الجزء الثاني: المرجعية التاريخية للتنظيمات السياسية المغربية 1- التنظيمات السياسية قبل الاستقلال (1925- 1937 )

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *