×
×

من مصر، محمد حميدة يكتب: “الممر” عبور جديد لاستعادة السينما المصرية من تجار الجسد

محمد حميدة، صحافي مصري

بعد غياب لعشرات السنوات عن تقديم صناعة سينمائية بهذا المستوى، والرهان على هذه النوعية من الأفلام في فترة تسود فيها ملامح القبح والبلطجة شاشات السينما بشكل فج، وجبت الإشارة إلى أن من راهن على تقديم سينما مغايرة أصاب.

دخلت  قاعة السينما بمفردي، فوجدت عشرات الأطفال والشباب. نعم. كانت النسبة الأكثر تقل أعمارها عن 16 سنة. كانوا يقفزون يمينا ويسارا… حينها، شعرت أننا سنكون أمام مهزلة ولن نستطيع مشاهدة الفيلم. وربما كنت على وشك مغادرة القاعة في أول خمس، قبل أن أغير رأيي.

نظرية هامة حطمها فيلم “الممر”، وهي نظرية “الجمهور عايز كده”، أو “هو ده اللي بيجيب مع الجيل ده”؛ وهي نظرية كنت وما زالت أرفضها

قبل التطرق للنقاط الفنية في الفيلم، سنتوقف قليلا عند النقطة الأهم، والتي لفتت انتباهي، وهي المتعلقة بالحضور الجماهيري لأشخاص دون سن الـ 16. هذه الفئة التي تمثل الظواهر المجتمعية الشبابية في الوقت الراهن، والتي تحملها شركات الإنتاج كل خطاياها، وتقدم لنا، باسمها، الأفلام التجارية التي لا تتخطى فكرة إنشاء “كباريه تحت بير السلم”، لجني المزيد من المال.

في البداية، قبل أن يبدأ الفيلم، تعمدت أن أسأل الأطفال الذين يجلسون بجواري لماذا قرروا مشاهدة الفيلم.

كانت الإجابة تدور حول ” الأكشن والحرب”، وربما أن البعض دخل الفيلم دون قصد”، لا بأس. إنها إجابات منطقية.

الممثل محمد جمعة

بعد مرور عدة دقائق من الفيلم، شعرت بكل شيء يتحول تدريجيا داخل القاعة. الشباب المستهتر بدأ في التركيز. بدأت الصيحات تعلو كلما ذكر اسم مصر، وكلما سقط جندي إسرائيلي، أو أصر جندي مصري على استكمال المهمة.

تدرج التفاعل مع الفيلم تدريجيا. حالة الشباب والأطفال التي بدت مزعجة في البداية أصبحت حالة تستوجب الانتباه والوقوف عندها، خاصة أنه، بعد انتهاء الفيلم، لفت انتباهي أن البعض يريد مشاهدته مرة أخرى.

من كل ما سبق، أردت الوقوف عند نظرية هامة حطمها فيلم “الممر”، وهي نظرية “الجمهور عايز كده”، أو “هو ده اللي بيجيب مع الجيل ده”؛ وهي نظرية كنت وما زالت أرفضها.

السينما مرآة المجتمع… إلا أنه من غير المعقول التركيز على النقاط السلبية فقط في صورة ووضعها أمام المرآة لتصبح هي كل الصورة.

الحالة التي خلقها الفيلم من جدل بين الانتقاد والإشادة، يؤكد أننا يمكن أن نقدم الأفضل وتستعيد السينما أمجادها.

المخرج شريف عرفة

من الناحية الفنية، نجح شريف عرفة في خلق حالة ربما يميل إليها الجمهور وهي “الأكشن”.

وربما أن أحد أهم العوامل، أنه لعب على وتر الصراع العربي الإسرائيلي. بالطبع، فإن هذه الحالة تستفز كل الطاقات بداخل أي مواطن في منطقتنا، حتى الأطفال واليافعون.

رغم أن القصة في مجملها تبدو شيقة مبهجة، إلا أن شريف عرفة انتصر للصورة على حساب السيناريو والحوار. فكر كمخرج وهو يكتب، فكان كل تركيزه أن يسخر جميع الأدوات لتظهر الصورة والزوايا وغيرها من المشاهد التي صورت بكاميرات عالية الدقة.

في المشاهد التي اجتمع فيها قادة إسرائيل، لم ينتبه عرفة إلى أن تزامن الترجمة كان أقل مما يجب، وهو ما قلل من فرصة الإمساك بهذه التفاصيل المهمة، خاصة في ظل المشاهدة في وسط هذا الكم من المشاهدين.

اقرأ أيضا: أوتوبيس 678: وللتحرش سينماه

الأمر الذي يثير التساؤلات، هو محاولة السخرية من دور الصحافة من خلال شخصية أحمد رزق وإن كانت غير مقصودة، إلا أنها سقطة في السيناريو كان يجب الانتباه لها، خاصة أن دور الصحافة في هذه الفترة كان مهما جدا، وخاصة دور المراسل الحربي.

الممثلة أسماء أبو اليزيد

بعض المشاهد ربما كانت مجانية في الفيلم، إلا أن شريف عرفة نجح في استخدام أنواع اللقطات بشكل سلس، فلم تشعر في أي مشهد بعدم التوفيق في اختيارها أو سوء توظيفها، وهو ما عكس حالة عامة إيجابية، خاصة في ظل الإمكانيات الكبيرة في التصوير.

فيما يتعلق بالأداء الفني لنجوم العمل، فقد قدم النجم الكبير أحمد عز دورا رائعا، وهو أحد أبناء جيله الذي يصعد السلم بخطوات الواثق. كما أكد محمد جمعة، على أنه يعرف أين يقف وإلى أين يتجه في كل خطواته وانفعالاته، فهو ممثل المسرح الذي يخطف الكاميرا نحوه.

تمكن محمد فراج أن يقدم السهل الممتنع ببراعة ودقة عالية جدا، أما أياد نصار، فهو أحد الكبار وهو موهوب بدرجة عالية. أسماء أبو اليزيد ستجعلك تشعر بالصدق في انفعالاتها الهادئة الصادقة.

لقد قدم كل أبطال العمل أفضل ما لديهم، وفقا للأدوار التي حددها الورق، ووفقوا جميعا فيها بدرجة تستحق الإشادة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *