×
×

من هولندا، أحمد الموساوي يكتب: القيمة الإجمالية لصلاة التراويح في بعض مساجد هولندا

أصاب من قال إن صلاة التراويح أصبحت فوضى تعبدية بكل المقاييس؛ فقد بات احتلال الملك العام وسد الطرقات من أجل استيعاب العدد الضخم من المصلين أمرا “عاديا”.

يعزز  هذا التزايد انضمام العدد الكبير من الناس الذين يؤجلون هذا الكتاب الموقوت ويسهون عنه طوال السنة إلى أن يلحقهم رمضان؛ فيسارعون إلى اقتناء القفطان والجلباب والبلغة، ثم يتسابقون على الصفوف الأمامية عسى أن تمطرهم السماء بشآبيب المغفرة أو تكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم فيكونون من الفائزين.

لاحظت أيضا، خلال كل هذه العقود من التراويح وما يرافقها، مبالغة شديدة في الأدعية، وهو ما يناقض حديثا نبويا، علم فيه الرسول الصحابةَ أن لا يعتدوا في الوضوء والدعاء.

صلاة التراويح التي جادل فيها العلماء أنفسهم، دخلت، كما دخل عيد المولد النبوي، في خانة  الطقوس الدينية. هذه الطقوس تتفاوت نسبة هرجها ومرجها وحدتها ومكانتها في البلدان ذات الأغلبية الإسلامية والبلدان التي تسكنها الجاليات المسلمة، وهي تخضع لمدى تحكم الدين وسيطرته على شؤون الدولة.

هذا بالنسبة للدول التي تحمل اللوحة الرقمية الإسلامية. أما بالنسبة للدول التي تقيم فيها الجالية المسلمة، فهذا تحدده نسبة التيارات السلفية والوهابية وغير ذلك من المذاهب والجماعات المختلفة باختلاف مرجعتيها التي تؤطرها. ولعل هذا يحمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، على إرسال بعثات دينية بشكل وقائي لمنع تسرب الجماعات المتطرفة من التغلغل في أوساط الجالية المغربية؛ خاصة أن نشاط هذه الجماعات يزيد في شهر رمضان.

اقرأ أيضا: فاطمة أبدار تكتب: طقوس عبادة أم تنمر سياسي!؟

إن الغاية والهدف من التراويح ليس ختم القرآن فحسب، وإنما هي مواقيت يكثر فيها التضرع الى الله والإكثار في الأدعية؛ حيث يعتقد الكثيرون أن أدعيتهم كافية لكي تتحسن أحوال المسلمين ولكي ينصرهم الله عن من يحسبونهم “كفارا” “أعداء لله والرسول”، يحملونهم المسؤولية عن التخلف والانحطاط الذي يعيشونه. يتوعدونهم بعودة ماضيهم وعودة سيرة أسلافهم الصالحين، منتظرين حلولا جاهزة لمعضلاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومشاكلهم النفسية.

العالم الإسلامي ضاعت منه البوصلة، فسعى إلى التوكل على ركعات التراويح يطلب الغوث بالدعوات والآهات، ونسي “أن اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”.

لكنني أظل مستغربا حائرا متسائلا: منذ نعومة أظافري، وأنا اليوم في العقد السادس، كم صليت من التراويح ولعقود من الزمن في مساجد المغرب وأوروبا التي أقيم فيها منذ 40 سنة؟ أديت صلاة التراويح في المسجد الحرام والمسجد النبوي أيضا. سمعت حناجر أئمة تتقن الترتيل والتجويد في صلواتها ودعائها. فهل تحسنت أحوالنا؟

لاحظت أيضا، خلال كل هذه العقود من التراويح وما يرافقها، مبالغة شديدة في الأدعية، وهو ما يناقض حديثا نبويا، علم فيه الرسول الصحابةَ أن لا يعتدوا في الوضوء والدعاء.

اقرأ أيضا: فاروق سلوم من السويد يكتب: أوهام الهجرة والاندماج. بداوة عربية في أرض المهجر

خلال الأربعين سنة التي أديت فيها صلاة التراويح في مختلف البلدان، تابعت السمفونيات وهي تتغير قليلا. بتغير سن الإمام وصوته. يتغير عدد المصلين وسنهم. لكن الأصوات تتعالى دائما بنفس الشكل. بزخمها وضخامة عددها. ومع ذلك، تبقى الدول ذات الأغلبية الإسلامية في أحوالها غارقة. أزماتها متراكمة. شعوبها مستهلة. أوضاعها الاقتصادية تزداد سوء وتبقى معتمدة على اقتصادات الدول المصنعة.

إن صلوات التراويح يفترض أن تكون فرصة للتصالح مع الخالق وتهذيب واستحضار القيم النبيلة. قيم تدعو إلى الاستقامة والامتثال الى الله حتى يشتغل كل فرد بإسلامه وليس بإسلام  غيره

عالم المسلمين زهقت روحه وتشتت أوصاله. لم يعد يملك سوى المؤتمرات والفضائيات لتسويق فتاوى الوضوء والبرقع. هذا العالم الذي ضاعت منه البوصلة، فسعى إلى التوكل على ركعات التراويح يطلب الغوث بالدعوات والآهات، ونسي “أن اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”.

إن صلوات التراويح يفترض أن تكون فرصة للتصالح مع الخالق وتهذيب واستحضار القيم النبيلة. قيم تدعو إلى الاستقامة والامتثال الى الله حتى يشتغل كل فرد بإسلامه وليس بإسلام  غيره؛ متعبا نفسه في البحث عن الثغرات والنواقص لعله يكفره ثم يصدر في حقه قرار العذاب بالنار ويعد له مقعد جهنم.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: لننس “الدين الصحيح” ولنتحدث عن “حرية الاعتقاد”

نحن نحتاج لتطوير مكارم الأخلاق والدفع بالإحسان ثم ترجمة الإيمان الى سلوكيات ومعاملات. إن ما ألمسه من ممارسات أثناء صلاة التراويح في بعض مساجد هولندا، لا يوحي بما يتوخاه هؤلاء الساهرون على سلامة المسجد ونظامه، ولا يعكس مضامين خطب الأئمة الذين يجتهدون في حث المصلين على احترام حرمة الجيران.

القائمون على المساجد يبدؤون في الإعداد لهذه الفترة التعبدية الرمضانية خلال أسابيع  قبل حلول رمضان. يخصص الأئمة خطبا خصيصة لتوعية الوافدين على المساجد باحترام الساكنة والتقليل من استعمال السيارات لتفادي الضجيج وإزعاج الجيران والسكان المجاورين للمساجد، خصوصا منهم غير المسلمين والذين يكونون قد استسلموا للنوم في الساعات الاخيرة من الليل.

ليس كافيا أن تؤدوا صلاة التراويح في بلدانكم الأصلية أو في بلدان المهجر، إذا لم تكن صلاتكم مرفوقة بتطور في الأخلاق والمعاملات والسلوك

لكن المؤسف هو أن هذه الخطب والمجهودات المبذولة من طرف مسيري المساجد تظل غير مضنية ولا يأخذ بها الوافدون على بيوت الله. بل أن هناك ما هو أفظع من هذا، ألا وهو الازعاج والدردشة بالأصوات المرتفعة خارج أسوار المساجد بعد الانتهاء من الصلاة. إضافة إلى ظاهرة التخريب وتحطيم نوافذ السكان ومحطات انتظار الحافلات على كل الشوارع المؤدية إلى المساجد.

ظاهرة أمست منتشرة من طرف بعض المراهقين من أبناء المغاربة، الذين يطلب آباؤهم مصاحبتهم إلى المساجد آملين أن يتبعوا دين آبائهم ويتشبثوا به، لكن دون أن يسألوهم  عن ذلك الدمار اليومي الذي يحصل بمحطات الحافلات القريبة من ديارهم وهم يرونها يوميا ذهابا وايابا. كل يوم تقوم مصالح البلدية بإصلاح ما اتلفوه… لكن، بعد أيام قليلة، يعود نفس المراهقين إلى نفس السخافة معتبرين ذلك جرأة وشجاعة.

باختصار، ليس كافيا أن تؤدوا صلاة التراويح في بلدانكم الأصلية أو في بلدان المهجر، إذا لم تكن صلاتكم مرفوقة بتطور في الأخلاق والمعاملات والسلوك.

(*) الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو الخط التحريري الرسمي لموقع مرايانا

تعليقات

  1. نور

    صحيح هذا واقع المسلمين ينجحون والتراويح والأدعية يزعمون أنهم يملكون الحقيقة المطلقة يفكرون كل من ليس على شاكلته ولكن هم يعيشون يستفيدون من تطورها العلمي والتكنولوجي غريب أمر هؤلاء اامتخلفين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *