×
×

من كندا، نبيل جميل سليمان يكتب: اليوم… وغدا… والمصير المجهول

تلوح لنا تارة هموم الحياة وتباشيرها مثقلة بالمجهول، وتارة أخرى حافلة بالوعود : مجهول ووعود…  يستدعي منا هذا كل طاقات الذهن والإبداع لقراءة “المستقبل”، الذي هو مودع لعناية الله. ليس …

تلوح لنا تارة هموم الحياة وتباشيرها مثقلة بالمجهول، وتارة أخرى حافلة بالوعود : مجهول ووعود…  يستدعي منا هذا كل طاقات الذهن والإبداع لقراءة “المستقبل”، الذي هو مودع لعناية الله.

ليس من الهيّن قراءة المستقبل، والفكرة التي نحملها عنه مرهونة بعيش اللحظة الحاضرة المبنية على الماضي، التاريخ، الذي هو مدرسة الحياة. عندئذ، نستلهم حاضرنا من خبرة ماضينا فنكوّن في أعماقنا نظرة نحو المستقبل.

ترى، أيحق لنا نحن الشباب، أن نحمل في الأذهان نظرة مهزوزة للحياة وصورة قاتمة للمستقبل، ونحن ما زلنا في أول الدرب أو أواسطه لمن تخطى العقد الثالث  أو الرابع؟

اقرأ أيضا: من نيويورك. هشام الرميلي يكتب: …إنهم يحتفون بالموت

هذا السؤال طرحته على نفسي، وتساءلت به عن غايتنا في الحياة ومكاننا في الوجود، وذلك في بعض ساعات الوحدة والإنفراد والاسترسال في التفكير والاستغراق في التأملات، دون أن نتبين ملامح فجر ينفح جيل شبابنا أملاً، الذي بات يمتلك صورة محزنة يملؤها العجز عن تحقيق الأماني والفشل في الظفر بنجاح عن مكافحة الشر المستفيض وتقويض الفوضى الغالبة.

ما معنى أن نكون، إن لم نبحث عن ذاتنا، عن صيغة لوجودنا، عن موقع لنا في وطننا والعالم؟

لذا، كانت مني هذه الوقفة التأملية والمحاولة الذاتية للخروج من هذا الواقع المرير والمأزق العصيب لـ “إشكالات إنساننا” المعاصر وما آلت إليه ظروف حياته من بطالة وضياع، تغرب وضجر، يأس وحيرة، تخلف وفشل… إنعكست على سلوكياته النفسية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والدينية.

البعد الحضاري .. تأثيراته وإنعكاساته

البعد الحضاري قد يكون ثقلاً، إن غلبت عليه عقلية قديمة لا تصلح والحالة الجديدة التي برزت في مجتمعنا اليوم. هذا المجتمع الذي  شهد القلق والدهشة والشك والاعتراض الكثير على أكثر من صعيد… من هنا، فإن نظرتنا إلى “الحياة” و “المستقبل” قد تنطوي على شئ من التشاؤم ولو نسبياً … لربما يرجع ذلك لكوننا، في العراق، أبناء شعب متأثر طبيعياً وحضارياً بعقلية بلاد ما بين النهرين “المتشائمة” إجمالاً…!

اقرأ لنفس الكاتب: هناك فقدت عذريتي

نحن نرى مثلا بأن سكان هذه البلاد يعيشون في واد “فيضاناته” غير متوقعة وقد تؤدي أحياناً إلى “طوفانات”؛ وإن “آلهة” هذه البلاد متقلبو المزاج، وفي صراع دائم فيما بينهم؛ فيبدو الإنسان بشراً مرعوباً أمامهم، أورثوه الموت وجبلوه بالكذب، لذا يحاول أن يحتمي من ردود فعل غضبهم.

المستقبل كلمة غامضة، مضببة، تحتوي على معاني وإحتمالات لا حصر لها. فمن منا لم يتوقف حيال المستقبل حائراً، أو أقله مفكراً ؟ من منا لا يخشى المستقبل، أو يواجهه بلا خوف وإرتباك؟

تشهد عليها آثار ونصوص الملاحم والأساطير الكبرى : كلكامش، أتراحاسيس، إنوما إليش… التي تحدثنا عن عقلية بلاد ما بين النهرين، بعكس ما نراه مثلاً في العقلية المصرية “المتفائلة”.

الإنسان المصري يعيش في منطقة نيّرة، وإن شعر بشئ من القلق عند رؤيته الشمس تغيب في المساء، فقد علمه الاختبار أنها تعود فتطلع كل صباح، منتصرة على قوات الليل.

لذا، فإن المصري يؤمن بأن بعد الموت هناك حياة جديدة ساطعة تنتظره، وإن كانت هذه الحياة غير “شخصية”. من هنا، نستطيع أن نبين ونقارن إلى أي حد “يتأثر” تفكير الإنسان وتتأثر عقليته بجغرافية وطبيعة وبلاده.

يمكننا القول، والحالة هذه، بأن تأثير وإنعكاس هذه “العقلية” لا زال فينا بحكم ما نشاهده اليوم وما تعيشه منطقتنا ومنذ زمن طويل من إضطرابات ونزاعات، ويلات وحروب… دون أمل كبير في إستقرار قريب … !

اقرأ أيضا: من اليمن، عبده محسن الحاج يكتب: النصوص الدينية بين المضمون والوعاء

الواقع .. بين حضارة الموت وحضارة الحياة

نعيش الآن في فترة زمنية سوف يذكرها التاريخ، ولكن لأي مدى ستكون هذه الذكرى إيجابية أم سلبية.. !؟ ليس هذا مجال تشاؤم إن قلنا بأنها ذكرى لـ “حضارة الموت”… حضارة تتصدى للحياة ذاتها ولقيمتها، في مواجهة مستمرة لـ “حضارة الحياة”… حضارة المحبة والتضامن وحق الإنسان في التطلع إلى حياة أرضى وأثرى وفي عيش إنساني كريم.

الإنسان المصري يعيش في منطقة نيّرة، وإن شعر بشئ من القلق عند رؤيته الشمس تغيب في المساء، فقد علمه الاختبار أنها تعود فتطلع كل صباح، منتصرة على قوات الليل

إنها كرامة الإنسان، عليها ترتكز حقيقة الحياة البشرية كلها. بحيث ينبغي الاعتراف بهذه الكرامة الإنسانية الرفيعة والعمل على تعزيزها، واحترام الحياة ومحبتها كأثمن عطية وعلة وجود؛ وذلك بأن يعمل الجميع على ارتقائها الدائم، أفراداً ومجتمعات، سواء على الصعيد الشخصي والعائلي أو على مستوى الدولة والبشرية…

بذلك، تسير البشرية نحو بناء “حضارة الحياة”، وإلا حصل خلل كبير لابد أن يعكر العيش وتوازن المجتمعات، وإلى أزمات شتى… فالإنسان لم يخلق للموت بل للحياة، وما طلب الموت إلا رد فعل نفس قلقة تحت وطأة الأهوال.

هذا حقاً ما يؤسف له عندما نشهد اليوم كسوف قيمة الحياة، مما يحمل معه حتماً كسوفاً في معنى الإنسان، وإنحرافاً في مفهوم كرامته وحريته، وإهتزازاً في الكثير من القيم المتعارف عليها أو غيابها تماماً عند البعض، كالأمانة والصدق والإخلاص والمحبة والخدمة، التي حلت محلها الأنانية والجشع والقتل والطائفية والحسد والاحتيال والاستغلال…

كثيراً ما نقف مشدوهين أمام هذا الدمار متسائلين : كم تدنت الأخلاق وذهبت القيم وسحقت المبادئ وفقد الكثير منا صدقه وحبه ومسامحته ونزاهته وإخلاصه، وحتى أخلاقه!

المستقبل .. والمصير المجهول

ألسنا بحاجة اليوم أكثر من الأمس إلى كشف سر كلكامش ومفتاح صرح شخصيته، فنصرخ معه : “أين الطريق ..؟ دلّيني كيف أتجه إليه ..؟ فإذا أمكنني الوصول إليه فإنني حتى البحار سأعبرها، وإذا تعذر الوصول، فسأهيم على وجهي في الصحاري” ( ملحمة كلكامش).

لكن، اليوم : إلى أين نحن سائرون ؟ ماذا نريد، وما يجب أن نكون ..؟ هل لنا وضوح رؤية وأمل، بل هل لنا خطة عمل ..؟ ما هو المستقبل، وماذا نرجو منه .. !؟

اقرأ أيضا: من فلسطين، عامر أبو شباب يكتب: المرأة الفلسطينية .. وجع مختلف ومعاناة متجددة

المستقبل كلمة غامضة، مضببة، تحتوي على معاني وإحتمالات لا حصر لها. فمن منا لم يتوقف حيال المستقبل حائراً، أو أقله مفكراً؟ من منا لا يخشى المستقبل، أو يواجهه بلا خوف وإرتباك؟

يجب أن يعي الإنسان أن كرامته وحريته، وبالتالي حياته، أسمى قيمة ونعمة ومبتغى. فما قيمتنا إن لم تكن حياتنا رسالة ؟

الأمر ليس هيناً في مواجهة المستقبل، وسط تحديات عالم يريد بشتى الوسائل خنق الحياة، بل القضاء عليها، بعد استعبادنا بألف وسيلة مغرية. الواقع الصعب والوضع المتأزم والتحديات الكثيرة كانت وراء “إشكالات إنساننا” اليوم، وفي مقدمتها : إشكال فكري وحضاري، التخلي عن العلم وإحتقار الثقافة، تأزم في فهم الحريات والديمقراطية وممارستها، أزمة فقدان الهوية والضياع، الإنقياد المادي، بطالة وتغرب، ثم اللجوء إلى الهجرة كحل أسلم. والنتيجة : معاناة كبيرة ومصير مجهول …!

ختاماً … هل نقوى على المواجهة ..؟ وهل “نصنع” حياتنا و “نحقق” مستقبلنا دون وجل وضياع، وبشكل يضعنا على عتبات حياة مستقبيلة فيها من الوضوح والإستقرار، أمان وسلام، حرية وعدالة، دعوة ورسالة ..!؟ فنحن نريد أن تكون لنا دعوة في الحياة، فمن لا دعوة له لا كرامة له، ومن لا كرامة له لا حياة له…

يجب أن يعي الإنسان أن كرامته وحريته، وبالتالي حياته أسمى قيمة ونعمة ومبتغى. فما قيمتنا إن لم تكن حياتنا رسالة؟ وما معنى أن نكون، إن لم نبحث عن ذاتنا، عن صيغة لوجودنا، عن موقع لنا في وطننا والعالم؟ علينا أن نعمل من أجل إيجاد صيغة حضارية للعيش الكريم … أن نعمل جماعياً بتضامن وانسجام وانفتاح، دون أنانيات وإنفراد وتعصب… بضمير مستنير ومجهود أخلاقي مشترك. من شأن ذلك أن يخدم إنساننا، لئلا يتحول إلى إنسان مستهلَك ومستهلِك.

إنها “دعوة” نحو صنع حياتنا وتحقيق مستقبلنا بمنظور جديد يهدف إلى بناء “حضارة المحبة” لخير المجتمع البشري كله.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *